الشيخ علوي بن عبدالقادر السقّاف

إشكالية الغلو في الجِهاد المعاصِر

علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
 

 الحمدُ لله القائلِ: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78]، والقائلِ: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 41].
 
والصَّلاة والسَّلام على نبي ِّالرحمة والملحَمة، القائلِ: ((لرَوْحةٌ في سبيلِ اللهِ أو غَدوةٌ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها)) (رواه البخاري)، والقائلِ: ((مَن مات ولم يَغزُ، ولم يحدِّث به نفسَه، مات علَى شُعبةٍ من نفاقٍ)) (رواه مسلم).
 
أمَّا بعدُ:
فإنَّ مِن أصول أهل السُّنَّة والجماعة اعتقادَهم بفرضيَّة الجهاد وبقائِه إلى قيام السَّاعة؛ طلبًا ودفعًا،  وهو من أفضلِ القُرُبات، ومن أعظم الطَّاعات، والآياتُ والأحاديث في فضلِ الجهاد والمجاهدين بالمال والنَّفس، والتحذيرِ من تركه، والإعراضِ عنه، أكثر من أن تُحصر، وأشهر من أن تُذكر، لكن مِن المؤسف أنَّ بعضَ من اشتغل بالجهاد صار عنده غُلوٌّ وتجاوز، فكمْ نصَح لهم الناصحون، وتكلَّم المشفِقون، وحذَّر المحذِّرون، لكن ما من مستجيب! وما زال بعضهم يتَّهمون مخالفيهم، بل ناصحيهم، بالجهل والتضليل تارةً، وبالعمالة تارةً أخرى، في سلسلةٍ طويلةٍ من الاتهامات تنبئ عن عدم قَبول النُّصح، الأمر الذي جعَل بعض المناصرين لشعيرة الجهاد يُحجمون عن الردِّ، فتفاقمَ الأمرُ حتى بات السُّكوتُ عن ذلك خيانةً للأمانة التي حمَّلها الله أهلَ العلم؛ {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187].
 
وفي هذه الوريقات إشارات ووقفات لبعض الشُّبهات والأطروحات على السَّاحة الجهاديَّة؛ موجَّهة بالدَّرجة الأولى إلى الشَّباب المتحمِّس للجهاد؛ لعلَّ الله أن ينفع بها، وليس الهدفُ منها ذِكرَ مثالب الجهاد والمجاهدين، فباطن الأرضِ خيرٌ من ظاهرها لمَن سوَّلت له نفْسُه ذلك، ولكنَّه النُّصح المحض لهم وللأمَّة، والله على ما أقولُ شهيد.
 
وقبل البدء، هذه خمسُ إشاراتٍ تُؤسِّسُ لما يأتي من وقفات:
 
الإشارة الأولى:
 
عدَمُ حثِّ الشباب على الذَّهاب إلى ساحة الجهاد في بلدٍ ما، لا يَعني تثبيطَهم عنه، ولا تنفيرَهم منه؛ فهناك فرقٌ بين التَّثبيط عن الجِهاد والتنفيرِ منه، وبين عدم الحثِّ عليه، لا سيَّما إذا كان عدَمُ الحثِّ راجعًا إلى مقصدٍ شرعيٍّ.
 
الإشارة الثانية:
 
تحذيرُ عالمٍ من العُلماء من الذَّهاب إلى ساحة الجهاد في بلدٍ ما، لا يَعني تحذيرَه من الجِهاد بإطلاق؛ فقد يكون ظهَر له سببٌ دَعاه إلى ذلك.
 
الإشارة الثالثة:
 
  تحذيرُ عالمٍ من العلماء من الذَّهاب إلى ساحة الجهاد في بلدٍ ما، تحتَ راية فصيلٍ من الفصائل، لا يَعني تحذيرَه من الجهاد تحت راياتٍ أُخرى في ذاك البلد نفْسه؛ فقد يكون ظهَر له غلوُّ هذا الفصيل واعتدالُ غيره.
 
الإشارة الرابعة:
 
مسألة كون الجهاد في بلدٍ ما فرضَ عينٍ أو فرضَ كفايةٍ، من المسائل الاجتهاديَّة التي لا يُضلَّل القائلُ فيها بأحد الرأيينِ.
 
الإشارة الخامسة:
 
غلوُّ جماعة أو فصيلٍ جهاديٍّ لا يُقاس فقط بما هو مسطَّر في كتُبهم وأدبيَّاتهم، بل لا بدَّ من النَّظر في ممارساتهم العَمليَّة؛ فالعِبرة بالأفعال، لا بالأقوال فقط.
 
الوقفات
 
الوقفة الأولى: الموقِف من العُلماء والدُّعاة الربانيِّين
العلماء الرَّبانيُّون ورَثةُ الأنبياء، وهم مصابيح الهُدى في دياجير الدُّجى، بهم يُرشَد الضالُّ، ويُهدَى الحيران، رفَعهم الله بالعِلم، وزيَّنهم بالحِلْم، وهم الذين أمَر الله بردِّ المتنازَع فيه من الأحكام إليهم،  ومع ذلك فهُم غيرُ معصومين؛ فقد يُخطئ الواحد منهم، والاثنان، والثلاثة، وأكثر، وفي هذه الحالة لا نَقبل منهم خطأهم ولا نتَّبعهم فيه، لكن أن تجتمعَ كلمتُهم، أو جمهورهم في مسألةٍ ما - وقد تكون من النَّوازل -  ثمَّ لا يُكترَثَ لها، ويظلَّ فِئامٌ من الناس لا يُلقوا لها بالًا، ولا يستمعوا إليهم، ويصرُّوا على التعصُّب لأقوال مَن يُوافق مراداتهم، مع تخوينٍ ظاهرٍ لعامَّة أهل العلم؛ فهذا عينُ الحِزبيَّة التي لا نرضاها لشباب هذه الأمَّة. ورأيُ جمهور أهل العلم الصَّادقين النَّاصحين في نازلةٍ من النوازل، لا شكَّ أنَّه الأقربُ للصَّواب، أمَّا اللَّهْث وراء الفتاوى الحماسيَّة العاطفيَّة - والتي تفتقِد  إلى كثيرٍ من العِلم والفِقه بالواقع، ومراعاةِ مآلات الأمور، والحِلم والأناة - فهو من الجَهل والتعصُّب الذي ابتُليت به الأمَّة قديمًا وحديثًا.
 
وممَّا يؤدِّي إلى مِثل هذا الاحتقان والنفرة من مشايخ العِلم والحِكمة - والتي ينبغي أن يقِف عندها الشباب وقفةَ إنصافٍ - ما يُردِّدُه بعض المهتمِّين بالجهاد من أنَّ هؤلاء المشايخَ يسعَون لإسقاط رموز الجهاد، ويُسفِّهونهم، ويحقِّرون خِطابهم، وأنَّهم يَسعَون لإسقاط الجهاد نفْسه، وهذا لعمرُ الله افتراءٌ على المشايخ، والأصل: أنَّ العلماء والدُّعاة الربانيِّين يُعظِّمون الجهاد، ويَحفظون لأهله قدْرَهم، لكن ليس معنى ذلك أن يسكُتوا عن غلوٍّ أو أخطاءٍ في اجتهاداتِ بعض المجاهدين؛ فالله قد عاتَب خيرَ هذه الأمَّة - صحابةَ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم ورضِي عنهم وأرضاهم - وهُم في ساحة المعركة، فقال: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:152]، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: (نزلتْ فينا يومَ أُحُد)؛ فمِن الخطأ أن يُعدَّ الحديث عن أخطاء المجاهدين وغلوِّ بعضِهم إسقاطًا لرموز الجهاد، لكن بعض مَن يردِّد ذلك للأسف ينظُر إلى الجهاد نظرةً حزبيَّةً ضيِّقة، فالجهاد عنده هو جهادُ فصيلٍ بعينه، ورموزُ الجهاد هم فلانٌ وفلان؛ فمَن حذَّر من هذا الفصيل أو أخطاءِ بعضِ رموزه، فقد أسقط الجهادَ كلَّه، حتَّى لو دعم الفصائل الأخرى، بل لو شارَك فيها بنفْسه! وهذا من تحجيمِ الجهاد وتقزيمه في فصيلٍ بعينه، وساحاتُ الجهاد لا تتحمَّل مِثلَ هذه الحزبيات؛ {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46]، والعجيبُ أنَّك تجد بعضهم إذا أيَّد أحدُ العلماء أو طلابُ العلم الكبار حركةً جهاديَّةً صادقةً غير حركتهم، أو أثنى عليها، اتَّهموه بالحزبيَّة!
 
الوقفة الثَّانية: تنزيل أحكام فرْض العين على الواقِع المعاصر
من مسائل الجِهاد التي تحتاج إلى وقفة تأمُّل: الحُكم بأنَّ الجهاد فرضُ عينٍ في بلد معيَّن، وتضليل مَن لم يقُل بذلك، وتجهيله واتِّهامه؛ فتجدُ بعضَ المجاهدين أو مَن يتبنَّى رؤيتَهم يحشُدُ عشراتِ الأقوال التي تنصُّ على أنَّ العدوَّ إذا داهم بلدًا مسلمًا، وَجَب على أهله الدِّفاعُ عنه، ورفْعُ راية الجهاد ضدَّ العدوِّ، فإنْ لم يستطعْ، فيجب على الأمَّة كلِّها أن تهبَّ لنُصرتهم، وإلَّا أثِموا جميعًا.
 
وهذا الحُكم من الناحية العِلميَّة التنظيريَّة صحيح - وإن كان بحاجة إلى تفصيل ليس هذا محلَّه - لكن تطبيقهم له ينقُصه الكثيرُ من الفقه والبصيرة؛ فالمسلمون اليوم في ضَعْفٍ شديد، وأعداءُ الداخل من الليبراليِّين والعلمانيِّين والرافضة يُخطِّطون لتدمير ثوابت الأمَّة قبل أعداء الخارج، وأكثرُ بلاد المسلمين فيها جراحٌ ومآسٍ؛ في فلسطين، والعراق، وسوريا، والصومال، وأفغانستان، وكشمير، والفلبين، وبورما وغيرها، وفي كثيرٍ منها حركاتٌ جهاديَّة؛ فهل يصحُّ أن نقول لجميع الناس: اذهبوا واترُكوا ما أنتم فيه من عِلمٍ وتعليم، ودَعوةٍ، وأمرٍ بمعروف، ونهيٍ عن منكَر، وجهادٍ باللِّسان، ومدافعةٍ للباطل، وتوجَّهوا إلى البلد الفلانيِّ، واتركوا بلدانَكم يعبَث بها العلمانيُّون والتغريبيُّون؟! أيُّ عاقل هذا الذي يدْعو إلى إخلاء بلاد المسلمين من أهل العلم، والآمِرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والذَّابِّين عن حياض الإسلام؟! فضلًا عن أنَّ هذا البلد المنكوب من بلاد المسلمين يُعاني أهلُه من نقصٍ في الطَّعام والشَّراب، والدَّواء، والكِساء، والمسكَن، وقبل كلِّ ذلك يُعاني من نقْص في السِّلاح، ولو ذهبت أعدادٌ كبيرة، لكانت عبئًا عليهم!
 
وقد يقول قائلٌ: نحن لا ندعو إلى ذَهاب جميع النَّاس، نحن ندعو إلى ذَهاب مجموعةٍ منهم، حتى تحصُل الكفاية.
 
فيُقال لهم: وكيف نعرِف حُصولَ الكفاية؟ هبْ أنَّ عشرةً من الكتائب الجهاديَّة أقرَّت بحصول الكِفاية، فسيأتيك مَن يقول: هناك كتائبُ تقول: إنَّها ما زالت بحاجة ولم تحصُل لهم الكِفاية! وهكذا سيقولون لو ذهب عشراتٌ أو مئاتٌ أو آلاف؛ فهل من نهاية لهذا الأمر؟!
 
وقد يقول قائلهم: الكفاية تحصُل بهزيمة العدوِّ، وفي الحالة السوريَّة بسقوط نِظام الأسد.
 
فيُقال لهم: فهل حصَلت الكفايةُ في أفغانستان بسقوط الروس؟! وهل حصلت في العراق بخروج الأمريكان؟! وهل أقيمت فيهما دولة الإسلام؟! ويُقال مثل ذلك عن الصُّومال، وغيرها من بلاد المسلمين المنكوبة.
 
 فهل سنظلُّ نوجب على جميع الناس ونستنفرهم للذهاب للقتال هناك؟! وما يُقال عن الذَّهاب للقتال، يُقال عن العلماء وطلبة العِلم والأطبَّاء وغيرهم، فهل المطلوب أن نستنفر كلَّ هؤلاء؛ ليخرجوا من بلدانهم ويتركوها فريسةً للأعداء، ويذهبوا إلى ساحات القتال؛ هل يقول ذلك عاقلٌ، فضلًا عن عالِم يَفقه الدِّين، ويفقه الواقع؟!
إنَّ مسائلَ العِلم الكِبار، والمسائل التي تمسُّ الأمَّةَ بعامَّة تحتاج إلى نظرٍ ثاقب، وتمامِ علمٍ وتجرِبة، ولا يتمُّ معالجتها من خلال الحماس، ولا بالنَّظر من زاوية واحدة فحسبُ، دون اعتبار للمآلات. وهذا مردُّه إلى أهل العِلم الصَّادقين الرَّاسخين فيه. ومخالِفُ ذلك لا يضرُّ العلمَ وأهلَه شيئًا، ولكنه يُعرِّض نفسه للمهالك في غير ما سداد؛ إذ يتنكَّب ما أمر الله باتِّباعه من اتِّباع أهل العِلم إلى اتِّباع ما يَهوَى ويشتهي، وإن كان ذلك في بابٍ من أبواب الطاعات، والله المستعان.
 
فالواجبات تتزاحَم، والكفايةُ لم تحصُل في الجميع، لا في جهاد السِّنان، ولا في جهاد القَلم والبيان، من علمٍ ودعوةٍ واحتساب، فيبقى تقديرُ الأمور بحسب المصالح والمفاسد، ومرجعه إلى أهل العلم الربَّانيين الذين لا يُهمِلون هذا، ولا يهمِّشون ذاك.
 
الوقفة الثالثة: الخَطأ في تنزيل أحاديث الفِتن والملاحِم على الواقع
من أخطاء مَن يكتب في مسائل الجهاد: تنزيلُ أحاديث النُّبوءات التي أخبر فيها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عمَّا سيكون في آخِر الزَّمان من فتنٍ وملاحِمَ على الواقع المعاصر، بل أحيانًا على فَصيلٍ جهاديٍّ بعينه، بلا علمٍ ولا بيِّنةٍ ولا بصيرة، وبهذا يُغرَّر بعضُ الشباب، وأكتفي بذِكر حديثين فقط، لطالما كُرِّرا في الأدبيَّات المتعلِّقة بالجهاد ممَّا يُطرح في السنوات الأخيرة:
 
الحديث الأوَّل: حديث: ((إذا أقبلت الرَّايات السُّود من المشرِق، والرَّايات الصُّفر من المغرِب، حتى يلتقوا في سُرَّة الشَّام - يعني دمشق - فهنالك البَلاء، هنالك البلاء)).
والحديث الثاني: حديث ابنِ حوالةَ: ((سيصير الأمرُ إلى أن تكون جنودٌ مجنَّدة: جندٌ بالشَّام، وجندٌ باليمن، وجُندٌ بالعراق، فقال ابنُ حوالة: خِر لي يا رسولَ الله، إنْ أدركتُ ذلك، فقال: عليك بالشَّام؛ فإنَّها خِيرةُ الله من أرضه، يَجتبي إليها خِيرتَه من عباده، فأمَّا إنْ أبيتم، فعليكم بيمنكم، واسقوا من غُدرِكم؛ فإنَّ الله توكَّل لي بالشَّام وأهله)).
وقبل الردِّ على الفَهم الخاطئ للحديثين، أودُّ التنبيه على خُطورة تنزيل هذا النَّوع من الأحاديث على واقعٍ بعينه، وأنَّ من أهمِّ الضوابط في ذلك أن يكون الحديثُ صحيحًا، وأن يكون هذا التنزيلُ على الواقع متيقَّنًا، أو يغلِب على الظنِّ صوابُه، وقال به الراسخون في العِلم، وألَّا يكون أمرًا ظنيًّا متوَهَّمًا، ولا أنْ يفسِّره كلُّ مَن شاء بظنِّه وهواه تفسيرًا بعيدًا عن دَلالته.
 
أمَّا حديث الرايات السُّود، فهو حديثٌ ضعيف، أخرجه نُعيم بن حمَّاد في كتاب ((الفتن)) (1/272)، وقد تفرَّد به، والتحقيق: أنَّ ما تفرَّد به في كتابه هذا لا تقوم به حُجَّة؛ قال مسلمة بن قاسم كما في ((تهذيب التهذيب)) (10/426): (له أحاديثُ منكَرة في الملاحم انفرَد بها)، وقال الذهبيُّ في ((السير)) (9/27): (لا يجوز لأحدٍ أن يحتجَّ به، وقد صنَّف كتاب الفتن فأتى فيه بعجائبَ ومناكير).
 
وعليه؛ فلا يصحُّ الاعتمادُ على هذا الحديث، ولا اعتقادُ ما جاء فيه، فضلًا عن تنزيله على واقعٍ معيَّن؛ فإنَّ دليلَه لم يثبت أصلًا حتى يُبنَى عليه أيُّ اعتقاد، أو أيَّةُ تصوُّراتٍ أو أحكام.
وأمَّا حديث ابن حَوالة، فهو حديث صحيح، ولا شكَّ أنَّ الشَّام - بحدودها المعروفة في كتُب الأقاليم والبلدان، وليس سوريا فقط كما قد يتبادَر إلى الذهن - بلدٌ مبارَك، وردتْ في فضله أحاديثُ كثيرةٌ، منها هذا الحديث، وفيه أنَّ الله توكَّل بالشام، وأنَّها خِيرةُ الله من أرضه، لكن تنزيل هذا الحديث على واقعنا المعاصِر فيه نظر؛ وذلك لأنَّ في الحديث أنَّه سيكون جُندٌ بالشام، وجندٌ باليمن، وجندٌ بالعراق؛ فأين جندُ اليمن والعِراق الآن؟! إلَّا إنْ كانوا يعنون فصيلًا بعينه، له وجود في هذه الدُّول الثَّلاث، فهذا تحكُّم لا دليل عليه. ولفظ الحديث عند أحمد: (سيصير الأمرُ إلى أنْ تكونوا جنودًا مجنَّدة)، يعني: الأمَّة بمجموعها، أو أعدادًا كثيرة لا يصحُّ أن تُنسب إلى نِسبة غير أنَّها: أمَّة الإسلام.
 
الوقفة الرابعة: القصورُ في فَهم أقوال العلماء
من الإشكالات التي تؤدِّي إلى مفاهيمَ وتصورات خاطئة لدى الشَّباب وقوعُ بعض مَن يكتب في مسائل الجهاد في فَهمٍ مغلوطٍ لأقوال العلماء، ومن أمثلة ذلك ما جاء في تفسير القُرطبي: (ولو قارب العدوُّ دار الإسلام ولم يدخلوها، لزِمهم أيضًا الخروجُ إليه، حتى يظهرَ دِين الله، وتُحمَى البيضة، وتُحفظ الحوزة، ويُخزى العدوُّ، ولا خلاف في هذا) (8/ 151).
 
علَّق أحدُهم على هذا الكلام بقوله: فجَعَل الجهادَ فرضًا لازمًا إذا قارب العدوُّ ديار الإسلام مجرَّدَ مقاربة ولم يدخلها, وأوجب على المسلمين الخروجَ إليه، ونقَل عن العلماء أنَّه لا خلافَ في هذا.
 
وهذا فَهمٌ خاطئٌ لكلام القرطبي، فالقرطبيُّ رحمه الله قال: (ولو قارَب العدوُّ دارَ الإسلام ولم يدخلوها، لزِمهم أيضًا الخروجُ إليه)، ومعنى كلامه هذا: أنَّه لو قارب العدوُّ حدودَ بلد من بلاد المسلمين، فلا يَنتظر أهلُ هذا البلد حتى يداهمَهم العدوُّ، بل يخرجوا إليه ليقاتلوه، وهذا كما قال لا خِلافَ فيه، ولا يصحُّ أن يقال: إنَّ القرطبيَّ يقول أجمع المسلمون على وجوبِ نفير المسلمين بمجرَّد أن يقرُب العدوُّ من بلد من بلاد المسلمين!
ومن الأمثلة أيضًا:
قول بعضهم: إنَّ جمهور العلماء يرَون أنَّ جهاد الطلب فرضُ كفاية؛ إذا قام به مَن يكفي، سقَط الإثمُ عن الباقين، وإن لم يقُم به مَن يكفي، كانت الأمَّة آثِمةً بمجموعها, وإنَّ هناك من الصَّحابة والتابعين مَن يرى أنَّ جهاد الطلب فرضُ عينٍ على كلِّ قادر! فإذا كان لا يجوز تثبيط الناس عن النَّفير لجهاد الطلب؛ فكيف يجوز الإفتاءُ بعدم النَّفيرِ والجهادُ في الشَّام جهادُ دفْعٍ للصائل؟!
وهذا كلام ينقُصه كثيرٌ من الفقه والوعي؛ ففرْقٌ بين مَن يأخذ كلامًا اجتزأه من كتابٍ فقهيٍّ هنا أو هناك، وبيْن مَن ترسَّخ في العِلم، حتى عرَف مآخِذَه ومواردَه، وكيفية تنزيله على الواقع، وفرقٌ كبير بين المسائل النظريَّة العلميَّة، وبين تنزيلها بالفتوى على الوقائع؛ ولذا فأهلُ العِلم يشترطون للفتوى شروطًا لا تقتصر على قراءة كتُب الفقه وفَهمها. وعلماء المسلمين الذين أفتَوْا بوجوب جهاد الطَّلب، أوْجَبوه على القادِر لا على العاجز، فإذا كانت الأمَّةُ الآن بمجموعها غيرَ قادرةٍ على دفْع العدوِّ الصائل، وأعداء الإسلام أقوى منها عُدَّةً وعتادًا بمراحل؛ فكيف يُقال: إنَّهم يأثمون جميعًا إذا لم يَرفعوا عَلَمَ الجهاد، وهو جهادُ طلب وليس دفعًا؟! بل يقال: يجب عليهم أن يعدُّوا عُدَّتَه، ولكلِّ زمان عُدَّتُه وسلاحُه؛ هذا فيما يتعلَّق بجهاد الطلب، أمَّا جهاد الدَّفع فقد تقدَّم الكلام عليه، وسيأتي مزيدُ كلامٍ عنه في الوقفات التالية.
وقِسْ على ذلك نصوصًا أخرى للعلماء يُسيئون فَهمها، ثم يُنزلونها على الواقع.
الوقفة الخامسة: الحثُّ على الذَّهاب للجهاد؛ لتكثير سواد المجاهدين
من مسائل الجهاد التي يُثيرها البعض: مسألة تكثير سواد المجاهدين، فيقولون: إنَّ ذَهاب الشَّباب لساحات الجهاد فيه تكثيرٌ لسواد المجاهدين، ولو لم يكونوا بحاجةٍ إلى رِجال، وإنَّ هذا بحدِّ ذاته مطلبٌ شرعيٌّ صحَّ اعتبارُه عن الصَّحابة والتابعين! ويستشهدون بقول الزُّهريِّ: (خرَج سعيد بن المسيَّب إلى الغزو وقد ذهبتْ إحدى عينيه، فقيل له: إنَّك عليل؟! فقال: استنفرَ اللهُ الخفيفَ والثَّقيلَ؛ فإنْ لم يمكني الحرب، كثَّرتُ السَّواد، وحفِظتُ المتاع).
 
والردُّ على ذلك من وجوه:
الأوَّل: أنَّ كلامَنا هنا عن وجوب الجهاد وجوبًا عينيًّا أو كفائيًّا، أمَّا تكثير السَّواد، فهو أمرٌ تطوعيٌّ لا يقول بوجوبه أحدٌ من العلماء فيما أعلم.
الثاني: هذا كلامٌ لاستدرار العواطف، وإلَّا فهل من المنطق أن نحثَّ أصحابَ العِلل والعاهات على الاستنفار لساحات الجِهاد؛ لتكثير السَّواد، أو يُستنفرَ من الشباب من لا غناءَ له في المعارك والحرب؛ استنادًا إلى رواية عن تابعيٍّ، اللهُ أعلم بصحَّتها، والمجاهدون أنفسهم يعانون من نقْص في الطَّعام والشَّراب والكِساء والدواء، ولا يَزيدهم مثلُ هؤلاء إلَّا أعباءً وثقلًا؟!
الثالث: لا بدَّ في مِثل هذه الأمور من مراعاة المصالح والمفاسد، وعدم الانسياق خَلف العاطفة والحماس؛ فبعضُ الناس ربَّما كان سدُّه ثغرةً في التعليم أو الدَّعوة أو الاحتساب يفوق بكثيرٍ مثلَ هذا العمل، وبعضهم قد يكون في عدم ذَهابه درءُ مفسدةٍ قد تقع أعظمَ من المصلحة المرجوَّة من ذَهابه.
الوقفة السادسة: الخطأ في معنى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}
كثيرًا ما يُردِّدون قولَ الحقِّ سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]، مستشهدين به على أنَّ الله قد تكفَّل بهداية المجاهدين للحقِّ والصَّواب؛ وعليه: فالحقُّ ما قالوه، والباطل ما رَفضوه، وإنْ خالفوا بذلك كِبارَ أهل العلم.
 
وهذا الفَهم للآية غيرُ صحيح؛ فالآية ذات شِقَّين: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا}، {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}؛ فما معنى الجهاد في الله، وما معنى الهداية إلى سُبلِه؟
 
والكلام عن الشِّق الأوَّل منها كالتالي:
أولًا: ليعلم أنَّ هذه الآية مكيَّة، نزلت قبل فرْض الجهاد.
وثانيًا: الجهاد المقصود هنا هو مجاهدةُ النَّفس، وهو أعمُّ من القِتال، والقتال بلا شكٍّ داخلٌ فيه دخولًا أوليًّا؛ قال البغويُّ في تفسيره: (الذين جاهدوا المشركِين لنُصرة دِيننا).
وقال ابن القيِّم في ((الفوائد)) (ص: 59): (قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا} علَّق سبحانه الهدايةَ بالجهاد، فأكْملُ الناس هدايةً أعظمُهم جهادًا، وأفرضُ الجهاد جهادُ النَّفْس، وجهادُ الهوى، وجهادُ الشَّيطان، وجهادُ الدُّنيا؛ فمَن جاهد هذه الأربعة في الله، هداه الله سُبُل رِضاه الموصلة إلى جنَّته، ومَن ترَك الجهاد، فاتَه من الهُدى بحسَب ما عطَّل من الجهاد، قال الجُنيد: والذين جاهدوا أهواءَهم فينا بالتوبة، لنهدينهم سُبُلَ الإخلاص. ولا يتمكَّن من جهاد عدوِّه في الظاهر إلَّا مَن جاهَد هذه الأعداءَ باطنًا، فمَن نُصِر عليها، نُصِر على عدوِّه، ومَن نُصِرت عليه، نُصِر عليه عدوُّه).
 
وقال ابنُ عطيَّة في تفسيره: (هي قبل الجهاد العُرفي، وإنَّما هو جهادٌ عامٌّ في دِين الله وطلبِ مرضاته).
 
وقال: (قال أبو سُليمان الدارانيُّ: ليس الجهادُ في هذه الآية قتالَ العدوِّ فقط، بل هو نصرُ الدِّين، والردُّ على المبطِلين، وقمْعُ الظالمين، وأعظمُه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر، ومنه مجاهدة النُّفوس في طاعة الله عزَّ وجلَّ).
 
أمَّا الشِّق الثاني من الآية: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، فلا علاقةَ له بالحقِّ والصَّواب في مسائل الدِّين من حيثُ العلمُ الشرعيُّ؛ ولم يقُل أحدٌ من المفسِّرين ذلك، فقد يكون المجاهدُ جاهلًا بالدِّين، لكن وقَع في قلْبه من حبِّ الله ورسولِه والجهادِ في سبيله ما جعَلَه يُضحِّي بنفْسه من أجْل دِينه، وهذا مُجمَلُ أقوال كبار المفسرِّين للآية:
 
قال الطبريُّ في تفسيره: (لنوفِّقنهم لإصابة الطَّريق المستقيمة، وذلك إصابةُ دِين الله الذي هو الإسلام، الذي بَعث اللهُ به محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم).
 
وقال البغويُّ في تفسيره: (لنثبتنَّهم على ما قاتلوا عليه) وقال: (قيل: المجاهدةُ هي الصَّبر على الطاعات؛ قال الحسن: أفضلُ الجِهاد مخالفةُ الهوى. وقال الفُضيل بن عِياض: والذين جاهدوا في طلَب العلم، لنهدينَّهم سُبُلَ العمل به. وقال سَهل بن عبد الله: والذين جاهدوا في إقامة السُّنَّة، لنهدينَّهم سُبُلَ الجَنَّة. ورُوي عن ابن عبَّاس: والذين جاهدوا في طاعتِنا، لنهدينَّهم سُبُلَ ثوابنا).
وقال ابن تيميَّة في ((جامع الرسائل والمسائل)) (6/82): ({وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} قال معاذ بن جبل: والبحثُ في العِلم جهاد).
وقال ابن كثير في تفسيره: (لنبصِّرنهم سُبُلنا، أي: طُرُقنا في الدُّنيا والآخرة).
وقال السعديُّ في تفسيره: (أي: الطُّرق الموصلة إلينا).
وقال الشنقيطيُّ في تفسيره: (يَهديهم إلى سُبل الخير والرَّشاد).
 
فليس في الآية أنَّ أهلَ الجهاد إذا اختلفوا مع غيرِهم من العلماء، فالحقُّ والصواب معهم، وأنَّ الجهاد سببٌ للبصيرة في العِلم، ومعرفة الراجِح من المرجوح. وليس كونُ المرء مجاهدًا بحجَّةٍ على المخالِف لا في باب الجهاد ولا في غيره من مسائل العِلم؛ كما هو مقتضى كلامِ أكابر المفسِّرين، فمسائلُ الجهاد بابٌ من أبواب الفقه الشرعيِّ، الذي مردُّه ومرجعه العلماء.
والخلاصة: أنَّ الله وعد المجاهدين بالهداية لسبيلِه، غير أنَّ الهدايةَ لا تستلزم الصوابَ في كلِّ مسألة، ولا العصمةَ من الخطأ. وممَّا يلحق بهذه الوقفة:
الوقفةُ السَّابعة: مقولة: (إذا اختلف الناسُ فاسألوا أهل الثَّغر)
كثيرٌ منهم إذا قيل له: إنَّ العلماء اختلفوا في هذه المسألة أو النازلة، أتَوْك بمقولة ينسبونها للإمام أحمد وابن المبارك أنَّهما قالا: (إذا اختلف الناسُ، فانظروا ما عليه أهلُ الثَّغر - أو فاسألوا أهل الثَّغر - فإنَّ الله يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]، وتارةً ينسبونه لسُفيانَ بن عُيينةَ بلفظ: (إذا رأيتَ الناس قد اختلفوا، فعليك بالمجاهدين وأهل الثُّغور).
 
والردُّ على ذلك من وجوه:
 
الأوَّل: أنَّ هذا الأثَر لم يثبُت عن أحدٍ منهم بإسنادٍ صحيح، بل ليس هو من مقولة الإمام أحمد، أو ابن المبارك، وإنَّما نقلَتْه بعضُ كتُب التفسير وغيرها منسوبًا لسفيانَ بن عُيَينةَ بإسنادٍ ضعيف، بل إنَّ الإمام أحمدَ نقَل عنه تلميذُه أبو داود تعجُّبَه من أحكام أصدَرها بعضُ أهل الثغور في زمانه، فقال: قلت لأحمد: السَّبي يموتون في بلادِ الروم، قال: معهم آباؤهم؟ قلت: لا، قال: يُصلَّى عليهم؟ قلت: لم يقسموا ونحن في السريَّة؟ قال: إذا صاروا إلى المسلمين، وليس معهم آباؤُهم، فإنْ ماتوا يُصلَّى عليهم، وهم مسلمون، فقلتُ: وإن كان معهم آباؤهم؟ فقال: لا.
 
قال: قلت لأحمد: إنَّ أهل الثغر يُجبرونهم على الإسلام، وإنْ كان معهم آباؤهم. قال: لا أدْري.
 
وقال: سمعتُ أحمد مرَّةً أخرى وسُئل عن هذه المسألة، أو ذكرها، فقال: أهل الثَّغر يَصنعون في ذلك أشياءَ ما أدري ما هي! انظر: ((مسائل الإمام أحمد)) لأبي داود (ص246)، و((أحكام أهل الذمَّة))  لابن القيم (2/931).
 
ثانيًا: أنَّنا نقول: إنْ كان الإمامُ سفيان بن عُيينةَ أو غيره يقولون: (فاسألوا أهلَ الثغر)، فإنَّ الله تعالى يقول: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} [النحل: 43].
ثالثًا: إنْ قال قائل: نعني العلماءَ وأهلَ الحَلِّ والعَقد منهم، فالجواب: إذًا بطل الاستدلال، لأنَّ النَّص ورد في أهل الثَّغر، وبعض من يَتلقَّى منهم أهلُ الثغور الآن والشباب المتحمِّس للجهاد ليسوا من أهل الثَّغر، وما عرَفوا ساحاتِ القتال، ولم يُشاركوا فيها، ثم يقال لهم: سلَّمنا أنَّ المراد علماء الجهاد، لكن مَن نتَّبع حالةَ اختلافهم؟ فإنْ عيَّنتم فصيلًا بعينه، قلنا: هذا يعني إبطالَ دَلالة النصِّ؛ لأنَّها في أهل الثغور عامَّة، لا في فصيلٍ بعينه.
ثم إنَّه كم من طالبِ علمٍ مغمورٍ متوسِّط العلم في بلده أصبح عالـمًا وعضوًا في هيئة شرعيَّة، بل قاضيًا في مجلس قضائيٍّ بعد وصوله ساحات الجِهاد! والمشكلة ليستْ هنا، فقد يكون هو أعلمَهم، وهذا شأنهم، لكن المشكلة هي أنَّ هذه الهيئاتِ تُطلق أحكامًا شرعيَّة يتهيَّب منها كبارُ علماء الأمَّة، ولو حدَثَت في عهد عمر، لجَمَع لها أهلَ بدر؛ فبعضها له عَلاقة بالتَّكفير، ومنها ما يتَّعلق بالدِّماء! فإذا أردتَ أن تنصح، قالوا لك: يقول ابنُ المبارك: (إذا اختَلف الناسُ، فاسألوا أهلَ الثُّغور)!
 
فهل أمثال هؤلاء من طلَّاب العِلم الذين كانوا في رُتبةٍ نازلة في العِلم والعمل وهم في بلدانهم؛ أصبح لهم من المَلَكة والفِقه ما يُصدِّرهم على الأمَّة بعد أشهر معدودة من التِحاقهم بالجهاد؟! فما الذي زاد عندَهم من العِلم؟! وكيف بلَغوا في أشهر معدودة ما لم يبلغوه قبلُ في السِّنين المتطاولة؟!
فإنْ قال قائل: نحن نعني ما يتعلَّق بالجهاد من حيثُ حاجةُ المجاهدين لسلاح أو رجال؛ فهُم المرجع في ذلك.
قلنا: أمَّا هذا فصحيح؛ فهُم أعرفُ بحالهم، لكن لا يُنصِّبون أنفسهم مُفتِين، ويزعُمون أنَّ الحقَّ والصوابَ معهم؛ لأنَّهم من أهل الثغور.
رابعًا: لو سلَّمنا جدلًا بصحَّة نِسبة هذا القول لسفيان رحمه الله، فهذا اجتهادُ منه في فَهم معنى الآية، وغيرُه من السَّلف فسَّرها بغير ذلك؛ كما تقدَّم.
خامسًا: لو سلَّمنا أنَّ تفسيرَه للآية أحدُ أوجه التفسير الصَّحيحة، فيقال: الأصل عند التنازُع هو الردُّ إلى الكتاب والسُّنة، والرُّجوع إلى العلماء الربَّانيين الراسخين في العِلم؛ {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}[آل عمران: 59]، {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء:83]، أمَّا أثَر سفيان رحمه الله، فهو خاصٌّ لا نعمِّمه، فربَّما في زمانه كان أهلُ الثغور يغلِب فيهم أهلُ العِلم والبصيرة بالكتاب والسُّنة، ولا يلزم أن يكون هذا في كلِّ عصر، وهذا شبيهٌ بإرجاع الإمامِ مالك بن أنس الناسَ إلى عمَل أهل المدينة، وقوله لليث بن سعد: (فإنَّما الناس تبَعٌ لأهل المدينة).
 
 
الوقفة الثَّامنة: هل قادةُ الجهاد يَحُلُّون مَحلَّ الإمام في استنفار المسلمين للجهاد؟
من الشُّبهات التي تُثار في أوساط الشَّباب قولُ بعضهم: إنَّ قادة الكتائب الجهاديَّة تحُلُّ محلَّ الإمام في استنفار المسلمين للجهاد.
 
لكن أيُّ قادة يَعنُون؟ هل هم قادةُ الجهاد في أفغانستان؟ أم الصومال؟ أم سوريا؟ وهل يصحُّ التفريق بينهم؟ ولو أردنا تحديدَ بلد بعينه كسوريا مثلًا، فقادَةُ مَن مِن الكتائب الجهاديَّة هناك التي تحلُّ محلَّ الإمام؟ وهل يلزم إجماعُهم، أم يكفي قولُ بعضهم؟ ومَن قال ذلك من العلماء؟ كلُّ هذه الأسئلة لن تجِدَ لها جوابًا عندهم!
 
ولو أجمع قادَةُ الجهاد في سوريا عن بَكرة أبيهم على عدَم حاجتهم للرِّجال إلَّا فصيلًا واحدًا، لأوجبه قادتُهم، ولعدُّوا أنفسَهم هم الذين يحلُّون محلَّ الإمام!
 
الوقفة التَّاسعة: الاغترار بالأسماء المُوهِمة
المسمَّيات مبانٍ لها معانٍ، وقد تكون سببًا في الغلوِّ، وينخدع بها بعضُ ضِعاف العقول، فالجماعة التي تُسمِّي نفسها (الجماعة الأم) يَنظُر أتباعُها إلى غيرها نظرةَ استصغار وأنهم تبع لها، ومَن سمَّى نفْسَه (حِزب الله) - أخزاه الله - عدَّ غيرَه حزب الشيطان، ومن تُسمِّي نفسها (جماعة المسلمين) يظن أفرادُها أنه يلزم الجميع اتباعها واتباع أميرهم لحديث النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة رضي الله عنه: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)، ومن تُسمِّي نفسها بـ(الدولة) يُصدِّق بعض أتباعها أنَّها دولة، وليست فَصيلًا، ثم يرتِّبون على ذلك إلزام الفصائل الأخرى باتِّباعها، وهذا يؤدِّي إلى إشكالٍ آخَر، وهو اعتقادُهم أنَّهم أصحابُ حقٍّ يتميَّزون به عن غيرهم، وغيرهم من الفصائل ليس معهم مثلُ هذا الحقِّ، ولا يَسمعون لمن يَنصح لهم، ونتيجة ذلك: قسوةٌ في التعامل مع بقيَّة الفصائل الأخرى، وظُلمٌ، وتجهيلٌ، وتضليلٌ، وربَّما وصل إلى التَّكفير، أو القتل والاقتتال.
 
فلا يصحُّ اختيار مسمًّى يترتَّب عليه لوازمُ باطلةٌ، أو تفريق وتحزيب، يُوالَى ويُعادَى عليه.
 
الوقفة العاشرة: التسرُّع في التكفير واستحلال الدِّماء بأدْنى شُبهة
لـمَّا كانت السِّمةُ البارزة عند الخوارج مسألةَ الخروج على الأئمَّة، ومسألةَ تكفير مرتكب الكبيرة، عدَّ بعضُ العلماء والدُّعاة بعضَ الفصائل الجهاديَّة من فِرقة الخوارج، فكان الردُّ السَّهل والسَّريع منهم: أنَّ هذا افتراء، وقالوا: الخوارج يُكفِّرون مرتكبَ الكبيرة، ونحن لا نُكفِّرهم، والخوارج يَخرُجون على الأئمَّة ولو لم يَرَوْا منهم كفرًا بواحًا، ونحن نخرج على أئمَّة الكُفر والردَّة، ويظنُّون أنه بهذا تندفع التُّهمة، لكن يَغفُل كثيرون أنَّ من أكبر سِمات الخوارج: التسرُّعَ في التكفير، والتسرُّعَ في الخروج، الذي ذاقت منه الأمَّة ويلاتٍ، مِن سفْك للدِّماء، ودَمار للبِلاد،  كما أنَّ تكفير مرتكِب الكبيرة (كما هو منهج الخوارج) والتسرُّع في تكفير المعيَّن دون تحقُّق للشروط وانتفاء للموانع، كلاهما خلافُ منهج السَّلف، وهو مِن سمات الخوارج أيضًا، فمن كان من أهل التسرُّع في التكفير والخروج ونفَى عن نفسه تُهمةَ الخارجيَّة، كان كمرجئة العصر الذين نَفَوْا عن أنفسهم الإرجاءَ بحُجَّة أنَّهم يقولون: الإيمانُ قولٌ وعمل، يَزيد بالطاعة وينقُص بالمعصية، مع أنَّهم يُخرجون عمَلَ الجوارحِ كلَّه من أصل الإيمان، وكِلَا الفريقين مجانبٌ للصَّواب، والله الهادي إلى سواء السبَّيل.
 
فلا يلزم موافقةُ فِرقة من الفِرق في كلِّ عقائدها؛ ليُطلقَ على شخص أنَّه منها، بل تكفي موافقتُها في أبرز أصولها، كما لا يلزم مَن كانت فيه خَصلةٌ أو خِصال من إحدى الفرق أن يُعدَّ منها، لكن يُقال: وافق هذه الفرقةَ في هذه الخِصال. وأنا هنا لست أقرِّر أنَّهم خوارج أم لا، لكن حسبي أن يُعلم أنَّ الغلوَّ والتسرُّعَ في التكفير من سماتِ وخصالِ الخوارج.
وممَّا لا شك فيه أنَّ الغلوَّ والتسرُّعَ في التكفير يؤدِّي إلى التساهُل في إراقة الدِّماء المعصومة؛ فهو نتيجة حتميَّة، وقد حدَث هذا بين المجاهدين أنفسِهم في أفغانستان والعراق، والآن بدأتْ إنذاراتُ الخطر تدقُّ في بلاد الشَّام.
 
الوقفة الحادية عَشرةَ: مسألة العُذر بالجهل
مِن مسائل العِلم الكِبار التي خاضَ فيها كثيرٌ من الصِّغار: مسألة العُذر بالجهل، ومعناها: هل يُعذر مَن وقع في الشِّرك الأكبر جاهلًا أو متأوِّلًا، أم يُحكَم بكفره؟
 
وليس المقام الآن مقامَ تحرير هذه المسألة، لكن لمـَّا كانت من المسائل التي ثار حولها جدلٌ كبير، وخاض فيها للأسف مَن لا عِلم لديه، ولمـَّا كانت من المسائل التي لها عَلاقة بالتكفير، وكانت سببًا في تضليل المجاهدين وتكفيرهم، واستباحة دِماء بعضهم بعضًا، كان لا بدَّ من توضيح أمور:
 
الأوَّل: أنَّها ﻣﺴﺄﻟﺔٌ اﺟﺘﻬﺎديَّة، وﻟﻴﺴﺖْ ﻣﻦ اﳌﺴﺎﺋﻞ اﻟﱵ ﻳُﻀـﻠَّل فيها اﳌﺨـﺎﻟﻒ، طالما أنَّ الواقعَ في الشِّرك جاهلٌ أو متأوِّل؛ فلا ينبغي أن تكون هذه المسألة سببًا في أن يقدَح أهلُ السُّنة بعضُهم في بعض، أو أن يقتتل المجاهدون من أجلها، فإنْ حصل، فهو من الغلوِّ.
 
الثاني: أنَّها من كبرى المسائل التي أدَّت إلى التضليل والتكفير؛ لذلك تجِد مَن له شغفٌ وتسرُّع في التكفير يهتمُّ بها أيَّما اهتمام.
الثالث: أنَّها كغيرها من المسائل المتعلِّقة بالتكفير؛ إذا تحدَّث فيها صِغار الطلبة توسَّعوا فيها، حتى لم يعذروا أحدًا، وأعظم مِن ذلك انتقالهم من عدَم إعذار مَن وقَع في الشرك الأكبر جاهلًا أو متأولًا، إلى تكفير العاذر نفْسِه، وهذا لم يقُلْ به أحدٌ من السَّلف، وهو أشدُّ الغلوِّ.
الوقفة الثانية عشرة: مسألة إقامة شرع الله (تطبيق الشريعة)
الحُكم والتشريع لله عزَّ وجل: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [يوسف: 40]، وليس للبشر خيارٌ بعد حُكم الله: {وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 46]؛ مَن اعتقد غيرَ ذلك، فقد كفَر. والديمقراطيَّة، التي هي حُكم الشعب للشعب ليستْ من الإسلام في شيء، هاتان مسألتان ما يَنبغي أن يختلف عليهما اثنانِ من المسلمين من حيثُ الأصل، لكن َّكثيرًا من الناس لا يُفرِّق بين التأنِّي في المطالبة بتطبيق الشَّريعة، وبين المناداة والتبجُّح بعدم تطبيقها، وشتَّانَ بين الأمرين!
 
وهذه المسألة مبنيَّة على قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد؛ فمتى ما كان في إعلان المطالبة بذلك مفسدةٌ عظيمة، قد تُجهض الجهادَ وثمرتَه، جاز أو وجَب السُّكوت، وفي قصة نبيِّ الله يوسف عليه السلام، وخبرِ النجاشيِّ دَلالةٌ واضحة، ولم يمنع النجاشيَّ من إقامة شرع الله - وقد كان ملِكًا على قومِه - إلَّا الخشيةُ من المفسدة العظيمة التي قد تُودِي بحياته وحياةِ الصَّحابة الذين تحت جواره، وإذا كانت النصوصُ الشرعيَّة، والسيرة النبويَّة جاءت بترْك حُكم الشرع في حالات معيَّنة؛ تجنُّبًا لوقوع مفاسدَ عظيمةٍ، فمجرَّد ترْك المطالبة بذلك في ظرفٍ معيَّن من باب أَوْلى، ونصوص الشرع علَّقت ذلك بالقُدرة والاستطاعة، ويسعُ المسلمَ في حال الضعف مِن السكوت ما لا يَسعُه عند المقدرة؛ يقول شيخُ الإسلام ابن تيمية: (إنَّ من المسائلِ مسائلَ جوابها السكوت، كما سكَت الشارع في أوَّل الأمر عن الأمر بأشياءَ، والنهي عن أشياءَ، حتى علا الإسلام وظهَر) ((مجموع الفتاوى)) (20/59).  أفلا يَسَعُ المجاهدين - الذين تكالبتْ عليهم الأمم من كلِّ صوب - السكوتُ؟!
 
ثم قال: (قد يُؤخَّر البيان والبلاغ لأشياءَ إلى وقت التمكُّن، كما أخَّر اللهُ سبحانه إنزالَ آياتٍ وبيانَ أحكامٍ إلى وقتِ تمكُّن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلم تسليمًا إلى بيانها)، هذا وهو رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وليس المقام الآن مقامَ تفصيل، لكن جعْل هذه القضايا من مسائلِ الولاء والبراء التي يُوالى عليها ويُعادى، كما تَفعل بعضُ الفصائل الجهاديَّة هو من الغلوِّ، ولستُ أعني مجرَّد المطالبة بها، فهي مسألةٌ اجتهاديَّة لا يصحُّ أن تُجعل من مسائل الإيمان والكُفر، فهذا من قِلَّة الفقه في الدِّين؛ فمَن رأى أنَّ المصلحة في المطالبة بتطبيق الشَّريعة قبل التمكين والنصر، نُصِح وبُيِّن له خطأُ ذلك وضررُه، فإنْ أصرَّ على ذلك لم يُبدَّع ولم يُضلَّل، ومَن رأى أنَّ المصلحةَ في هذه المرحلة تقتضي غيرَ ذلك وقَبِل بآليَّات الديمقراطيَّة؛ فمِن الغلوِّ معاداتِه وتكفيره وقِتاله.
 
وختامًا:
فليُعلمْ أنَّ الجهاد فريضةٌ مُحْكَمةٌ غيرُ منسوخةٍ، وهو مِن أجلِّ العبادات، ولكنَّه كغيره من العبادات؛ له أركانه، وواجباته، وسُننه، كما أنَّ له ضوابطَه وأدلَّتَه من الكتاب والسُّنَّة، ومرجع أحكامه كتُب الفقه، والعلماء الرَّاسخون في العِلم، وهو كغيره من أبواب الفقه، حصَل فيه إفراطٌ وتفريط، وغلوٌّ وتساهل، وكثيرٌ من مسائله تدخُل في باب الاجتهاد التي يسوغ فيها الخلافُ، ولا يضُلَّل المخالِف، والمجاهدون أحوجُ الناس إلى الرِّفق والتراحُم فيما بينهم؛ فهُم يواجهون عدوًّا كافرًا شرسًا، لا يرقبُ فيهم إلًّا ولا ذمَّة، فمهما اختلفوا في الرؤى والاجتهادات، بل في المعتقدات - ما لم تكُن مكفِّرة - فينبغي أن تكون كلمتُهم واحدةً، وقد جاهد آلُ قُدامة وغيرُهم من العلماء مع قاهِر الصليبيِّين صلاح الدِّين الأيوبي، مع مخالفتهم له في بعض مسائل الاعتقاد، وجاهد مع قاهر التترِ شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّة مَن ليس على معتقده، وأجمعتِ الأمَّة على مشروعيَّة الجهاد ضدَّ الكفَّار مع كلِّ أمير؛ برًّا كان أو فاجرًا؛ قال شيخُ الإسلام رحمه الله: (... إلى غير ذلك من النُّصوص التي اتَّفق أهلُ السُّنة والجماعة من جميع الطوائف على العمل بها في جِهاد مَن يستحقُّ الجهاد مع الأمراء، أبرارهم وفجَّارهم؛ بخلافِ الرافضة والخوارج الخارجين عن السُّنة والجماعة).
 
ونصيحة أخيرة أوجِّهها للشباب المتحمِّس للجهاد، أُجملها في ستِّ نقاط:
1- اتَّهِمْ رأيك، واستفتِ قلبك، واستخرْ ربَّك، واستشرِ العالِم العاقل ممَّن حولك، فيما تأتي وتذَر، ممَّا يلتبس عليك أمرُه، واجعلِ الحقَّ مرادَك، واترك التحزُّب والتعصُّب للرجال.
2- اعلم أنَّ جهادك بالسِّلاح لن يُغنيَك عند الله يوم القيامة مِن بذْل الجهد في مجاهدة النَّفس، ومغالبة الهوى؛ {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، واحذرْ من الوقوع في براثن الجَهالات؛ فإنَّها مهلِكات.
3- احذر أن يسرِقَ منك الشيطانُ أعظمَ عملٍ تقوم به، فكلَّما كانت التضحيةُ والطاعة أكبرَ وأجْرها أعظمَ، كان الحرص عليها وعلى سلامتها أوجبَ، وكان حرصُ الشيطان على إفسادها أعظمَ.
4- الحقُّ يُعرف بالعِلم والدَّليل، وأولى النَّاس به العلماءُ الربَّانيُّون، ولا يُعرف بُجرأة قائله وتهوِّره؛ وجمهورهم أقرب للصواب من آحادهم، ألا ترى أنَّ العالم إذا أراد أن يُدلِّل لصحَّة قوله بعد ذِكر أدلَّة الكتاب والسُّنة، يقول: وهذا باتِّفاق - أو بإجماع - أهل العِلم، أو: عليه أكثرُ أهل العلم، أو: قاله جمهور أهل العلم؟ اسأل نفسك: لماذا؟
5- إيَّاك ثمَّ إيَّاك أن تكونَ من أهل الغلوِّ المتسرِّعين في التكفير، أو تخالط مَن كان كذلك، فإنَّ مجالستَهمْ تَذْهبُ بنورِ الإيمان من القُلُوب، وتُسْلِبُ محاسنَ الوجوه، وتُورِثُ البِغْضَةَ بين المؤمنين.
6- الأمَّة بحاجة إليك وإلى أمثالك من الغيورين على دِين الله، وأبوابُ الطاعة كثيرة، ووجوه البِرِّ متعدِّدة، وطُرق إعلاء كلمة الله متنوِّعة، والجهاد أحدُها، والأمَّة بحاجة إليها كلِّها، والجميع على ثَغرةٍ من ثغور الإسلام، فاللهَ اللهَ أن يُؤتى الإسلامُ من قِبَلِك، وكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلق له.
اللهمَّ أتمَّ لأهل الشَّام جِهادَهم، ومكِّنْ لهم في أرضك، يُحكِّمون شرعَك، ويَعبُدونك لا يُشركون بك شيئًا. اللهم جنِّبِ شباب هذه الأمة والمجاهدين في سبيلك الشَّططَ واللَّغطَ والغلوَّ، وجنِّبهم شرورَ أنفسهم، وكيدَ الشيطانِ ومكْرَه، ووحِّدْ صفوفهم، واجمع قلوبهم وكلمتَهم على كلمةٍ سواء، يتمُّ بها صلاحُهم في الدُّنيا، وفلاحُهم في الآخِرة.
 
والحمدُ للهِ ربِّ العالَمين،،،
مرات التقييم:«113»

إعلانُ الخِلافةِ الإسلاميَّةِ - رؤيةٌ شرعيَّةٌ واقعيَّةٌ

 
الشيخ علوي بن عبدالقادر السقاف
 
الحمدُ لله ربِّ العالَمين، والصَّلاة والسَّلام على رسولِ الله، وعلى آله وصحْبه ومَن والاه.
 
أمَّا بعدُ:
فإنَّ الخِلافةَ الإسلاميَّة وجمْعَ الأمَّة تحت سُلطان واحد يَحكمُهم بشِرعة الله على منهاج النُّبوَّة، مطلبٌ عزيزٌ يرنو إليه كلُّ مسلِمٍ في هذه الحياة، وهو من أعظمِ مقاصدِ الإسلام، وأسْمى صُورِ الوحدةِ والاعتصام التي أمَر الله ورسوله بهما، قال الله تعالى: {وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ} [المؤمنون:51]، وقال:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103]، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ يرضَى لكم ثلاثا ويكرهُ لكُم ثلاثًا،  فيرضَى لكُم أن تعبدوهُ ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصِموا بحبلِ اللهِ جميعًا ولا تفرَّقوا...)) رواه مسلم (1715)، وقد أجمع العلماءُ على وجوب تنصيب إمامٍ واحد للمسلمين، نقل الإجماع على ذلك: الماورديُّ في (الأحكام السلطانية ص 15)، وأبو المعالي الجويني في (غياثِ الأمم ص15)، والقاضي عياض في [إكمال المعلم 6/220]، والنوويُ في [شرح صحيح مسلم 12/205]، وغيرهم كثير، ونصوصُ الإجماع كثيرة مبثوثة في مظانِّها لا حاجة لإطالة المقال بذِكرها، كما أجمعت الأمَّة على أنَّ المقصد الأسمى من الإمامة أو الخلافة هو ما توارد ذِكرُه على ألسنة العلماء وفي كتُبهم، ولخَّصه الماورديُّ رحمه الله؛ إذْ قال: (الإمامةُ موضوعةٌ لخِلافة النبوَّة في حراسة الدِّين وسياسة الدنيا، وعَقْدُها لِمَن يقوم بها في الأمَّة واجبٌ بالإجماع).
 فعلى هذا يكون مقصدُ الخلافة والإمامة إقامةَ المصالحِ الدِّينية والدُّنيويَّة، وتحقيقُ هذا المقصد يُمكن أن يُقيمه حاكمٌ مسلِم في قُطر من أقطار المسلمين وليس ثمَّةَ خلافة، وله السَّمع والطاعة حينئذ على مَن كان تحت إمرته، أو داخلًا تحت حُكم ولايته، وإنْ لم تكن إمامته إمامةً عُظمى؛ يقول العلَّامة الشوكانيُّ في [السيل الجرار] (4/512): (وأمَّا بعدَ انتشار الإسلام، واتِّساع رُقعته، وتباعُد أطرافه، فمعلومٌ أنَّه قد صار في كلِّ قطر أو أقطار الولاية إلى إمامٍ أو سلطان، وفي القُطر الآخَر أو الأقطار كذلك، ولا ينفُذ لبعضهم أمرٌ ولا نهيٌ في قُطر الآخَر وأقطاره التي رجعتْ إلى ولايته؛ فلا بأس بتعدُّد الأئمَّة والسَّلاطين، ويجب الطاعةُ لكلِّ واحد منهم بعدَ البَيعة له على أهل القُطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القُطر الآخَر)، ونقل هذا الكلامَ وأيَّده العلَّامةُ صِدِّيق حسن خان في كتابه [إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة] (ص 125)؛ وجلُّ أهل العلم من شتَّى المذاهب قد أجازوا تعدُّدَ الأئمَّة إذا تعذَّر على إمامٍ واحدٍ حُكمُ كلِّ بلاد المسلمين لتباعُدها.
ومهما يكُن من خلاف في هذه المسألة، فهو غير مؤثِّر في مسألتنا، وإنَّما أجازوا هذه الحالة؛ لأنَّها حالة اضطرارٍ وعجْزٍ،  و(العجز مسقطٌ للأمر والنهي وإنْ كان واجبًا في الأصل) [مجموع الفتاوى] (20/61). فهناك فرْقٌ بين حالَي الاختيار والاضطرار, ومَن لم يفرِّق بينهما، فقد جهِلَ المعقولَ والمنقول، وهذا ما حصَل لكثيرٍ من الناس، فظنَّ أنَّ الدِّين لن تقوم له قائمةٌ ما لم تقُمِ الخِلافة، ولم يفرِّق بين السَّعي إلى إقامة الخِلافة الحقيقيَّة، التي أمَر الشارع بها، وبين إعلان خِلافة وهميَّة تُرضي العواطف، ولا تحقِّق مقاصد الخِلافة في الواقِع، وهذه الظنون تُشبِه ظنَّ بعض الجهلة أنَّه لن يَنشُر العدلَ ويَرفع الظلم إلَّا المهديُّ، فأوقع الطرفين في التعلُّقِ بهذين الأمرين.
والحديث عن الخلافة الإسلاميَّة، أو (الإمامة العظمى) يطول، وقد كَتَب فيه كثيرون قديمًا وحديثًا، ولا تفِي بحقِّه مقالةٌ أو بحثٌ وجيز؛ لذلك سيكون الكلام هنا مقتصرًا على إعلان الخلافة بالطريقة التي تمَّت في حاضرنا اليوم في العراق، وذلك من ناحية الواقع التاريخي والشَّرعي.
 
أولًا: الواقِع التاريخي
 
باستعراض التاريخ الإسلاميِّ يَظهر جليًّا كثيرٌ من إعلانات الخلافة الوهميَّة، سواءً عن طريق الدَّعوات المزعومة بالمهديَّة، أو عن طريق فِرَق الخوارج الضالَّة؛ وهم أكثرُ النَّاس تلهفًا للخلافة، لكنْ بغير هُدًى ولا كتابٍ منيرٍ، ويبدو - والعِلم عند الله - أنَّ هذه سِمةٌ لهم، أمَّا أهلُ السُّنَّة والجماعة فلا يُثبتون اسم الخِلافة، أو الإمامة العظمى إلَّا لِمَن ثبتَتْ له الولاية على جُمهورهم؛ بالاختيار أو التغلُّب، في شتَّى بِقاع المسلمين، وأمَّا مَن بُويع من أهل قُطْرٍ واحد، أو تغلَّب عليه، فقد ثبتَتْ ولايتُه عليهم، دون ولايتِه على مَن لم يبايعْه أو يتغلَّب عليه، وهكذا نشأتْ مسألة تعدُّد الأئمَّة التي سبَق ذكرُها آنفًا، وليستْ هذه المقالة مسوقةً لمناقشتها جوازًا، ومنعًا.
 
قال وهبُ بن منبِّه رحمه الله: (ما اجتمعتِ الأمَّة على رجلٍ قطُّ من الخوارج، ولو أمكن اللهُ الخوارجَ من رأيهم، فسَدتِ الأرض... وإذًا لقام أكثرُ من عَشرة أو عشرين رجلًا ليس منهم رجلٌ إلَّا وهو يدْعو إلى نفْسه بالخِلافة) [مختصر تاريخ دمشق] (26/390).
فمِن فَعائل الخوارج:
1- أنَّ شبيبًا الخارجيَّ ادَّعى الخلافة في عهد عبد الملك، ولم ينلْها، [وفيات الأعيان] (2 / 455).
2- وفي سَنة 140 للهجرة، دُعي بالخلافة لرأس الإباضيَّة عبد الأعلى بن السَّمح المعافري، واستمرَّ أربع سنوات، ثم قتله المنصور عام 144هـ [تاريخ ابن خلدون] (4 / 241).
 
3- وفي طَنْجة دُعي للخِلافة لأمير الخوارج، وخاطبوه بأمير المؤمنين، ثم قتله خالدُ بن حبيب الفهريُّ. [تاريخ ابن خلدون] (6 / 145).
 
4- ومِن هؤلاء الملك المعز إسماعيل؛ وهو مِن أصلٍ كُردي، ادَّعى أنَّه قُرشي من بني أُميَّة، وخطَب لنفسه بالخلافة، وتلقَّب بالهادي، ثم هلَك سنة 598هـ. [مختصر تاريخ دمشق] (26/390).
 
5- بل ربَّما دَعا أكثرُ من واحدٍ لنفْسه بالخِلافة في وقتٍ واحد! وهذا ما حصَل في الأندلس، حتى إنَّه (كان في المائة الخامسة بالأندلس وحدها سِتَّةُ أنفُس كلُّهم يتسمَّى بالخلافة). [الوافي بالوفيات] (18/5).
 
أمَّا دعوات المهديَّة، فهي أكثرُ من أن تُحصى، ويَكفي أنْ أُشير هنا إلى نموذجٍ معاصرٍ لها:
 
فقد مرَّت الأمَّة في هذه البِلاد (بلاد الحرمين الشَّريفينِ) بشَيءٍ من ذلك عندما ظهرتْ في أواخِر القرن الرابع عشرَ (1385-1399) مجموعةٌ من طلَّاب العلم الذين تلقَّوُا العِلمَ على أيدي علماء كِبار، كالشَّيخ ابن باز والألباني رحمهما الله، وكان سَمْتُهم السُّنة، ويَظهر عليهم التقشُّفُ والتبذُّل، يَحتقِر الإنسانُ عبادتَه مع عبادتهم، وكان فيهم شيءٌ من الغلوِّ مع صِدق وإخلاص، كان زعيمُهم جُهيمان العتيبي لا يَفتأ يُسافر إلى دول الخليج، يدْعو إلى التوحيد وإلى مِلَّة إبراهيمَ عليه السلام، حتى اجتمَع حولَه كثيرٌ من الشَّباب بعيدًا عن نظر العلماء، ثم جاءت الفتنةُ العَظيمة - التي أُشبهها بفِتنة إعلان الخِلافة اليوم - ألَا وهي إعلان المهديَّة لمحمَّد بن عبد الله القَحطانيِّ صِهر جُهيمان، وكنتُ قد التقيتُ القحطانيَّ عام 1399هـ، وجالستُه، وصليتُ خلْفَه صلاةً جهريَّةً تحتقر صلاتَك معها؛ كان الإعلان عن هذه المهديَّة في غُرَّة محرَّم من عام 1400هـ، حيث دخل جُهيمان وجماعتُه المسجد الحرام لأداء صلاة الفجر، وما إنِ انقضتْ صلاة الفجر، حتى قام جهيمان وصِهرُه أمامَ المصلِّين في المسجد الحرام؛ ليعلنَ للناس - عبْر مكبِّر صوت إمام المسجد الحرام، وكانت الصَّلاة تُنقل عبْرَ المِذياع - نبأَ ظُهورِ المهديِّ المنتظَر، واعتصامه بالمسجد الحرام! قدَّم جهيمان صهرَه بأنَّه المهديُّ المنتظَر، ومجدِّد هذا الدِّين، ثم قام جُهيمان وأتباعُه بمبايعة "المهدي المنتظَر" أمامَ جموع المصلِّين، وطلب منهم مبايعتَه، فقام عددٌ منهم وبايع، وتناقَل الناسُ الخبر، وافتتن به كثيرٌ من الشَّباب -كفتنةِ بعضهم اليوم بإعلانِ الخلافة-؛ فمنهم مَن سافر ليبايعَه، ومنهم مَن بايع وهو في مكانه، ومنهم من تردَّد واحتار، وكان يُقال لهم: هذه فتنةٌ دهماء، يُرجَع فيها إلى العلماء الرَّبانيِّين الصادقين؛ فإنَّ الله تعالى لا يَجمع قولهم على ضلالة، فتضل بهم أمَّةُ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، فلمَّا رأى كثيرٌ من الشَّباب آنذاك أنَّ علماء المسلمين، وكبار طلَّاب العِلم والدُّعاة الصادقين في كلِّ أنحاء العالم، أنكروا هذه المهديَّةَ؛ لأنَّ الأحاديثَ الصَّحيحة والحسنةَ في المهديِّ لا تنطبِق على صِهر جهيمان، رجَع كثيرٌ منهم، وبقِي بعضُهم على رأيه، حتى تمَّ القضاء على هذه الفِتنة، وقُتل مهديُّهم، وأُعدم جُهيمان ورِفاقُه، فاستيقظوا من نومِهم، وتَبدَّد حُلْمُهم، فما أشبهَ اليومَ بالأمس!
ثانيًا: الجانب الشَّرعي
 
مِن المقرَّر لدَى العلماء أنَّ من أهمِّ الشروط التي يجب أن تتحقَّق في الخلافة الإسلاميَّة على منهاج النبوَّة -مع اشتراطِ الإسلامِ، والبلوغِ، والعقلِ، والحريَّةِ، والذُّكوريَّةِ، والعدالةِ، والقرشيَّةِ: شَرْطَي المشورة والتمكين.
 
أمَّا المشورة:
 
فهي مشورةُ أهل الحَلِّ والعَقْد والشوكة من العلماء والوجهاء، والقادة وأهل الرأي والمشورة، القادِرين على عَقْد الأمور وحَلِّها، الذين يكون الناسُ - من أهل الدِّين والدنيا - تبعًا لهم، وليس أهلُ الحَل والعَقد مجموعةً من الناس تختارهم جماعةٌ من جماعات المسلمين، جهاديَّة كانت أو غير جهاديَّة، ثم يُطلقون عليهم مسمَّى (أهل الحَل والعَقد)، ثم يُقال لهم: هل تُبايعون فلانًا خليفةً على المسلمين؟ فيقولون: نعم! فليس كلُّ من أُطلق عليهم مسمَّى أهل الحَلِّ والعَقد يكونون فِعلًا أهلَ حَلٍّ وعَقد؛ فالأسماء لا تُغيِّر من حقيقة المسمَّيات شيئًا؛ جاء في صحيح البخاريِّ عن عُمرَ رضي الله عنه أنَّه قال: ((مَن بايع رجلًا عن غير مشورةٍ من المسلمين، فلا يُبايَع هو ولا الذي بايَعَه؛ تغِرَّةَ أن يُقتلَا))، أيْ: حذرًا أن يُقتلَا.
 
قال الحافظ ابنُ حجر رحمه الله في [الفتح] (12/150): (فيه إشارةٌ إلى التحذير من المسارعة إلى مِثل ذلك، حيث لا يكون هناك مثلُ أبي بكر؛ لِمَا اجتمع فيه من الصِّفات المحمودة، من قِيامه في أمْر الله، ولِينِ جانبه للمسلمين، وحُسنِ خُلُقه، ومعرفتِه بالسِّياسة، وورعِه التامِّ، ممَّن لا يوجد فيه مثلُ صِفاته، لا يُؤمَنُ مِن مبايعته عن غيرِ مشورةٍ الاختلافُ الذي يَنشأ عنه الشَّرُّ).
 
والإمامة إنْ كانتْ إمامةً صغرى على بلد، فلكلِّ بلدٍ أهلُ حَلٍّ وعَقد وشوكة من عُلمائه ورؤسائه، وهذا - كما سبَق - يكون في حالات العجز والاضطرار، ولَأَنْ يَحكُم كلَّ قُطر حاكِمٌ مسلمٌ خيرٌ من أن يُترَك الناسُ فوضى لا سُراةَ لهم، أمَّا إنْ كانت إمامة عُظمى، وخِلافة إسلاميَّة، فلا تنعقد إلَّا بمشورة جمهور أهل الحَلِّ والعقد في جميع أقطار المعمورة؛ قال الإمام أبو يعلى في [الأحكام السلطانية] (1/23): (لا تنعقد إلَّا بجمهور أهل الحَلِّ والعَقْد)، وقرَّر ذلك شيخُ الإسلام ابن تيميَّة في [منهاج السُّنة] (1/526) - وهو يردُّ على بعضِ أهل الكلام الذين يرَوْن انعقاد الإمامة بالأربعة والثلاثة ودون ذلك -؛ إذ قال: (ليس هذا قولَ أئمَّة أهل السُّنة، وإنْ كان بعض أهل الكلام يقولون: إنَّ الإمامة تنعقِد ببيعةِ أربعة، كما قال بعضُهم: تنعقد ببيعة اثنين، وقال بعضهم: تنعقد ببيعة واحد، فليستْ هذه أقوالَ أئمَّة السُّنة، بل الإمامة عندهم تثبُت بموافقة أهل الشَّوكة عليها، ولا يَصير الرجلُ إمامًا حتى يوافقَه أهلُ الشوكة عليها، الذين يحصُل بطاعتهم له مقصودُ الإمامة؛ فإنَّ المقصودَ من الإمامة إنَّما يحصُل بالقُدرة والسُّلطان، فإذا بُويع بيعةً حصلَتْ بها القدرةُ والسُّلطان، صار إمامًا)، بل إنَّ الإمام أحمد رحمه الله نُقل عنه - في إحدى رِوايتيه - أنَّها تنعقد بالإجماع، فقال: (مَن وَلِي الخلافة، فأجمع عليه الناسُ ورَضُوا به، ومَن غلبهم بالسَّيف حتى صارَ خليفةً، وسُمِّي أميرَ المؤمنين، فَدَفْعُ الصَّدقاتِ إليه جائزٌ، بَرًّا كان أو فاجرًا)، وقال في رواية إسحاق بن منصور ، وقد سُئِل عن حديث النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((مَن مات وليس له إمامٌ، مات مِيتةً جاهليَّة))  ما معناه؟ فقال: تَدْري ما الإمام؟ الإمامُ الذي يُجمع عليه المسلمون، كلُّهم يقول: هذا إمام؛ فهذا معناه) انظر: [منهاج السُّنة النبويَّة] (1/530).
وها هنا لفتةٌ مهمَّة، وهي التفريق بين بَيعة فِئام من الناس لرجُل منهم، وبين انعقاد الإمامة له، وجعْله خليفةً على المسلمين أجمْع، واستحقاقه للإمامة؛ قال شيخُ الإسلام ابن تيميَّة في [منهاج السنة النبوية] (1/531): (لو قُدِّر أنَّ عُمرَ وطائفةً معه بايعوه - يعني: أبا بكر - وامتنع سائرُ الصَّحابة عن البيعة، لم يَصِرْ إمامًا بذلك، وإنما صار إمامًا بمبايعة جمهور الصَّحابة، الذين هم أهلُ القُدرة والشوكة؛ ولهذا لم يَضُرَّ تخلُّفُ سعدِ بن عُبادة؛ لأنَّ ذلك لا يَقدَح في مقصودِ الولاية؛ فإنَّ المقصود حصولُ القُدرة والسُّلطان اللَّذين بهما تحصُل مصالحُ الإمامة، وذلك قد حصَل بموافقة الجمهور على ذلك.
فمَن قال: إنَّه يصير إمامًا بموافقة واحد أو اثنين أو أربعة، وليسوا هم ذَوي القُدرة والشوكة، فقد غلِط؛ كما أنَّ مَن ظنَّ أنَّ تخلُّفَ الواحد أو الاثنين والعَشرة يضرُّه، فقد غلِط).
وأمَّا التمكين:
 
فلا يصحُّ لأيِّ جِهة أن تُعلن خِلافتَها على كافَّة المسلمين، وتُنصِّب إمامًا من عندها، ثم تطلُب من جميع المسلمين في كلِّ أنحاء الأرض أن تُبايعَه خليفةً للمسلمين، وهي لم تتمكَّن بعدُ، ولا تستطيع أن تَحميَ القريب منها، فضلًا عن البعيد عنها، فهذا عبثٌ وحماقة؛ فإقامة الخلافة لا تكون بمجرَّد الادِّعاءِ والإعلان؛ فأيُّ قِيمة لإعلان ليس له حقيقةٌ في الوجود؟!
فمن تغلَّب على أحدِ أقطار المسلمين، ثم سمَّى نفسه خليفةً للمسلمين، فكأنَّما زعم أنَّه تغلَّب على جميع أقطار المسلمين، وهذا أمرٌ مخالفٌ للحسِّ والواقع، ومِن ثَمَّ مخالفٌ للشرع، بل إنَّه يدلُّ على خللٍ كبيرٍ في تصوُّرِ أحكام الإمامة، وما يلحق بها.
 
 روَى البخاريُّ ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه، أنَّه سمِع رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: ((إنَّما الإمامُ جُنَّة، يُقاتَل مِن ورائه، ويُتقَّى به)).
 
 قال الحافظ النوويُّ رحمه الله: (قوله صلَّى الله عليه وسلم: ((الإمامُ جُنَّة))، أي: كالسِّتر لأنَّه يَمنع العدوَّ من أذى المسلمين، ويَمنع الناسَ بعضَهم من بعض، ويَحمي بيضةَ الإسلام، ويتَّقيه الناسُ، ويَخافون سطوتَه. ومعنى ((يُقاتَل من ورائه))، أي: يُقاتَل معه الكفَّارُ والبُغاة والخوارج، وسائرُ أهل الفساد والظلم مطلقًا)، وبمثله قال ابنُ حجرٍ في الفتح، وبقيَّة شُرَّاح الحديث.
 
فكيف يُبايَع رجلٌ من المسلمين إمامًا عليهم وهو لا يستطيع أن يحميهم؟! فللإمامة حقوق وواجبات؛ فمَن كان عاجزًا عن أداء ما أوجبه الله عليه تُجاه رَعيَّته، فلا يُطالبهم بأداء حقِّه عليهم.
 
فلا يُعدُّ الرَّجُل خليفةً على المسلمين إلَّا إذا تحقَّق له بالفعل مناطُ هذه الخلافة، من حيث القدرةُ والسُّلطان على جمهور المسلمين؛ فمَن لم يكن كذلك، فإمامتُه ليستْ عُظمى، وأحسن أحوالها أنَّها إمارة على البُقعة التي يُسيطر عليها؛ فالعِبرة بالحقائق والمعاني، لا بالأسماء والمباني.
 
تحرُّج دولٍ إسلاميَّةٍ من إعلان الخِلافة
 
إنَّ النَّاظر إلى الخِلافة الإسلاميَّة من عهد الخلفاء الراشدين، حتى سقوط الخلافة العثمانيَّة، يرى أنَّ كلَّ خليفة منهم كان سلطانه ونفوذه على جمهور عريض من المسلمين في زمانه، أمَّا الخُلفاء الراشدون، والدَّولتان: الأمويَّة، والعباسيَّة، فالأمر فيها ظاهرٌ، وقد تقلَّدها الخلفاء واحدًا بعدَ آخر، وفيما يلي استعراضٌ لواقعٍ تاريخيٍّ قريب:
 
أ - الدَّولة العُثمانيَّة
 
لَمَّا ضعُفت الدولة العباسيَّة، وتَشرذَم خلفاؤها، وتقطَّعت الدولة، وأصبحتْ ممالكَ وإماراتٍ متفرِّقةً، وأصبح الخليفةُ مجرَّدَ صورة ليس له سلطان، ظهرتْ بوادر الدولة العثمانيَّة؛ ففي عام 618هـ تولَّى أرطغرل زعامةَ التركمان المسلمين، وحَكَم بقعةً كبيرة من الأراضي التركية، ولم يُعلِنْها خلافةً، ثم تُوفِّي في عام 687هـ، وخَلَفه ابنُه عثمانُ أكبر أولاده، ويُعدُّ أوَّلَ مؤسِّس للدولة العُثمانيَّة، وبدأ يتوسَّع بإمارته، حتى تمكَّن عام 688هـ من ضمِّ القلعة السَّوداء، ثم بدأ بالتوسُّع، فاتَّخذ من مدينة يني شهر - أي: المدينة الجديدة - قاعدة له، ولَقَّب نفسه باديشاه آل عثمان، واتَّخذ لدولته رايةً (وهي نفس عَلَم تركيا اليوم)، ولم يُعلِنْها خلافة، واستمرَّ الأمر حتى عهْد سليم الأول (918- 926هـ(، الذي سعى إلى توحيد الأمصار الإسلاميَّة الأخرى، التي لم تكُن تحتَ سيطرته، ولم يعلن حتى ذلك الوقت الخلافة الإسلاميَّة, فبدأ بالصَّفويِّين الذين تحالفوا مع البرتغاليِّين ضدَّ المسلمين، فهزَمهم في معركة جالديران عام 920هـ، وبعدها بأيَّام دخَل السُّلطان - وليس الخليفة - سليم الأوَّل مدينة تبريز، واستولى عليها، وما إنِ انتهى من الصَّفويِّين حتى قاتل عام 922هـ المماليك، وانتصر عليهم في موقعة مرج دابق، بعدَ أن انضمَّ إليه ولاةُ الشام، وبهذه المعركة أصبحتِ الشام كلها في قبضته، وغدت الأناضول بأكملها تحت سلطانه، ولم يُعلِنْها خلافةً, وفي عام 923هـ، وقعتْ معركة الريدانيَّة، وهي آخِر المعارك مع المماليك، وانتصَر عليهم السُّلطان سليم الأوَّل، ولم يُعلِنْها خلافةً، وبانتهاء دولة المماليك، انتهتْ خِلافة آخِر خليفة عبَّاسي، الذي كان كمَن سبقه من الخُلفاء في دولة المماليك، ليس له أيُّ سيطرة أو سلطة، ثم دخلت الحجاز في تبعيَّة الدولة العثمانيَّة, وعندها - وقيل: قبلها - أُطلق على السُّلطان سليم الأوَّل لَقَبُ خليفة المسلمين، وانتقل الحُكم العُثماني من دولة إلى خِلافة، وذلك عام 926هـ، أي: بعد أكثر من 300 عام على بَدْء حُكم آل عثمان؛ أفلا يَعتبر العَجِلون؟!
 
ب - الدولة السُّعوديَّة الأولى
تحالَف الإمام المجدِّد محمَّد بن عبد الوهَّاب مع الإمام محمَّد بن سعود عام 1157هـ، وبدأت الدولةُ السُّعودية الأولى بالتوسُّع والانتشار، حتى ضمَّت إليها كثيرًا من بلاد نجد، وفي عام 1165هـ خضَعت حريملاء، ثم القويعيَّة عام 1169هـ، ثم تُوفِّي الإمام محمد بن سعود عام 1179هـ، وتولَّى بعده ابنه عبد العزيز، وأكمل المسيرة مع الإمام محمَّد بن عبد الوهاب، حتى تُوفِّي الإمام عام 1206هـ بَعد أن بَسَطت الدولة السعودية الأولى في عهده سلطانَها على كثيرٍ من بلاد نجد، ولم يُعلِنْها خلافةً، مع أنَّه قاتَل مع الإمامين محمَّد وعبد العزيز قُرابةَ خمسين عامًا، وقد امتدَّ نفوذُ الدولة السعوديَّة الأولى بعدَ وفاة الإمام إلى معظم أنحاء الجزيرة العربيَّة في عهد الإمام عبد الله بن سعود، الذي انتهى حُكمه عام 1234هـ، وبه انتهتِ الدولة السعوديَّة الأولى، ولم يُعلِن أحدٌ منهم الخِلافةَ لنفسه رغمَ استمرار دولتهم قُرابةَ ثمانين عامًا.
ج - إمارة طالبان
 
استمرَّ حُكم طالبان لأفغانستان سِتَّ سنوات من عام 1417هـ إلى عام 1423هـ، وقد سيطرتْ خلال هذه المدَّة على كلِّ بلاد الأفغان، ومع ذلك أطلقوا عليها (إمارة أفغانستان الإسلاميَّة)، ولم يَجعلوها خِلافةً، وأطلقوا على أميرها الملا عمر أمير المؤمنين، وليس خليفةَ المسلمين، ولم يُطلَب من مسلمي الهند والصِّين، والجزيرة العربيَّة والمغرب العربي، ومسلمي أوروبا وأمريكا وإفريقيا: مبايعتُه.
 
وهنا ترِدُ أسئلةٌ عند كثيرٍ من الشَّباب:
 
بعضُهم يقول: نحن نُشاهِد ونَسمع ونقرأ لهؤلاء وهؤلاء، وكلٌّ يُدلي بدلْوه؛ ليثبتَ أنَّ ما عليه هو الحقُّ والصَّواب، وكلٌّ يستشهد بآياتٍ وأحاديثَ، وكلٌّ ينقُل من أقوال العلماء المتقدِّمين ما يُؤيِّد ما ذهب إليه، ثمَّ إنَّ مَن يُؤيِّد هذه الخلافةَ نجده على الثُّغور مجاهدًا مقاتلًا، ضحَّى بنفْسه من أجل هذا الدِّين، يَنكأ في العدوِّ نكأً يُفرِح به صدور المؤمنين، يكتُب تحت حَرِّ الشَّمس، وقَرِّ البَرْد، وفي المقابل نجِد مَن يُنكِرها ويردُّ على أصحابها يكتُب وهو قاعدٌ في بيته بعيدًا عن ساحات ًّالقتال، آمِن في سِربه، يكتُب وهو جالس على مقاعد وثيرة، ومِن خلْف شاشات الكمبيوتر، وتحت نعيم المكيِّفات؛ فكيف تُريدوننا نترُك كلامَ الأوَّل، ونأخذ بكلام الثاني؟!
وآخَرون يقولون: سئِمنا من كلامكم؛ فمنذ مائة عام وأنتم تُدندنون حولَ ضرورة إعادة الخِلافة الإسلاميَّة، ولم نرَ أنَّكم تفعلون شيئًا لإعادتها إلَّا الكلام؛ أمَّا هؤلاء الأبطال فقد حقَّقوا حُلمَنا الكبير، وطبَّقوها فعلًا على الواقع بدِمائهم وسلاحهم؛ فهل نترك الواقعَ المشاهَد، الذي تحدَّثتْ عنه جميعُ وسائل الإعلام، وأرَعَب دولَ الكُفر، ونأخذ بكلام المثبِّطين أمثالكم؟!
 
فهذه أسئلة تَنضوي تحتَها شُبهاتٌ ثلاث:
1- مؤيِّدو الخِلافة طبَّقوها واقعًا، ومخالفوهم ليس لديهم إلَّا الكلام.
2- مؤيِّدو الخِلافة من أهل الثُّغور، ومُخالفوهم من أهل الدُّثور.
3-  الجميع يستشهد بآياتٍ وأحاديثَ وأقوالٍ لأهل العلم المتقدِّمين.
وهاكم تفنيدَها:
أمَّا: أنَّ مؤيِّدي الخلافة طبَّقوها واقعًا؛ فهذا سبَق الردُّ عليه، بل المقالة كلها في ردِّ هذا الأمر، وقلنا: إنَّ العِبرة بالحقائق والمعاني، لا بالأسماء والمباني؛ فإعلانُ الشَّيءِ ليس معناه فِعلَه وتطبيقَه، وفعلُه الظاهر للعِيان ليس معناه صحَّتَه؛ ((صلِّ؛ فإنَّك لم تصلٍّ))، مع أنَّه سجَد وركَع، وخفَض ورَفَع.
وأمَّا: أنَّ مؤيِّديها من أهل الثغور، ومخالفيهم من أهل الدُّثور؛ فالردُّ على ذلك من وجهين:
الأول: سبَق الكلام عنه في مقالة سابقة بعنوان (إشكالية الغلو في الجهاد المعاصر) عند الوقفة السَّابعة في الردِّ على مقولة: (إذا اختلف الناسُ، فاسألوا أهلَ الثَّغر)، يُمكن الرجوع إليها؛ فليس لأهل الثغور مزيَّةٌ على بقيَّة أهل الحَلِّ والعَقد من العلماء وغيرهم في اختيار خليفة المسلمين.
الثاني: أنَّ الواقع خلافُ ذلك؛ فجُلُّ أهل الثُّغور من المجاهدين، وكُبرى الجماعات والجَبَهات والتحالُفات والكتائب الجهاديَّة لم تُؤيِّد إعلانَ الخِلافة، ولم تُبايعْ خليفتَهم؛ فانقلَبَ الدليل عليهم.
وأمَّا: أنَّ الجميع يستشهد بآياتٍ وأحاديثَ وأقوالٍ لأهل العلم المتقدِّمين لتأييد ما ذهب إليه.
فأقول: ليست العبرةُ بمجرَّد الاستشهاد والنقول، بل العبرة بم يُستشهَدُ؟ وما هي المنزلةُ العِلميَّة لهذا الذي يَستشهد بالآيات والأحاديث وأقوال العلماء؟ ولو نظَرْنا لمسألتنا هذه، فإنَّنا لا نجِد من العلماء الرَّبانيِّين الراسخين في العلم، المعروفين بصَلاحهم وتقواهم وبُعْدهم عن مواطن الشُّبهات - لا نجِد منهم مَن أيَّد هذه الخلافة، بل إنَّ أشهر المنظِّرين للحركات الجهاديَّة المعاصرة ومرجعياتهم العلميَّة أعْلَنوا اعتراضَهم عليها، في حين نرَى حُدثاءَ الأسنان والمجاهيل - إلَّا القليل منهم - مَن أيَّد هذه الخلافة؛ فلو استعرضتَ العالم الإسلاميَّ من شَرْقه إلى غَرْبه، ومِن شَماله إلى جَنوبه، لرأيتَ أنَّ كافَّة علمائِه وطلَّاب العلم ودُعاته، بما يُشبه الإجماعَ منهم، يُنكرون هذه الخلافةَ، ولا يرتضونها، ولا يرَون أنَّ شروط الخلافة تحقَّقت فيها؛ أفلا يكفي هذا دليلًا على بُطلانها؟!
فالعلماء الربانيُّون الراسخون في العلم هُم المعيار الدَّقيق إذا ادلهَمَّت الخطوب، وكثرت الفتن، واضطربت الأمور، واحتار الناس، وإنَّ الله تعالى لا يَجمعهم على ضلالة.
وخلاصةُ الأمر: أنَّه إنْ بايع عمومُ المسلمين في شتَّى الأقطار واحدًا منهم، فهو خليفتُهم، وتلك الولاية خِلافة، وإلَّا فهي مجرَّد إمارة من الإمارات، ووليُّ أمْر تلك البُقعة ما هو إلَّا حاكمٌ، أو أميرٌ عليهم.
ولهذا؛ فإنَّ الولايةَ التي لا تجتمع الأمةُ عليها، ليستْ ولايةً عامَّة، ولا يجوز أن تُسمَّى خلافة وإنْ أعلنها مَن أعلنها، نسأل الله أن يردَّ ضالَّ المسلمين إلى الحقِّ، وأن يَهدينا سُبُلَ السَّلام. 
 
والله أعلمُ، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصَحْبه وسلَّمَ،،
الاسم: 
الشيخ علوي بن عبدالقادر السقاف
مرات التقييم:«100»

الإجابة على الاستفسارات الواردة على مقال "إشكالية الغلو في الجهاد المعاصر"

علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
 
هذه إجابات على أهم الإستشكالات والتساؤلات التي نشرها البعض بخصوص المقال؛ جمعتُ المثيلات بعضَها مع بعض بصياغة واحدة؛ توفيرًا للوقت وعدم التكرار، مهملًا السباب والشتائم والاتهامات الباطلة:
1.   ما هو المنهجُ الشَّرعي لتوحيد الصفِّ؟
المنهجُ الشرعيُّ في توحيد الصَّفِّ يتحقَّق بالالتزام بشرع الله، والوقوف عند حدوده، والرُّجوع إلى أهل العِلم، وبالإنصاف، والعدل، والرِّفق، وترْك الغلوِّ، وغيرها من الصِّفات الحميدة.
2.  لماذا لم تسكتوا عن المجاهدين الذين يُقاتلون لإعلاء كلمة الله، كما سكتُّم عن الائتِلاف العلماني الذي يُخطِّط لإطفاء نور الله؛ ما حُجَّتُكم أمام الله؟!
بعضُ الناس إذا أنكرتَ على المرجئة، قال لك: لماذا سكتَّ عن الخوارج؟! وإذا أنكرتَ على الأشاعرة، قال لك: لماذا لم تُنكر على المعتزلة؟! وإذا تكلمتَ عن الصُّوفية، قال لك: لماذا تسكتُ عن الرافضة؟!  وكأنَّه يُريد منك في مقال واحد أن تكتُب كتابًا عن فِرَق الإسلام كلِّها، بل وعن غيرها كالليبراليِّين والعلمانيِّين والملاحدة! فإذا سألته: وأنت، عن ماذا كتبتَ؟! وماذا أنكرتَ؟! فَغَرَ فاه!
3.  المقال غريبٌ في وقته وهدفه؛ الوقت وقت دعْم، وليس بحْث إشكاليات، والهدف هدف تحرير الشَّام من الظُّلم!!
دعْم الجهاد واجبٌ شرعي، ومِن أعظم الدَّعم تقديمُ النُّصح، وتصحيحُ المسار، والتحذيرُ من الغلوِّ الذي أَفسدَ بعض الشبابَ والبلاد والعباد.
4.  إطلاق لفظ "المتحمِّس" على المشتغلين بأمْر الجهاد ليس مناسبًا، وفيه تهميش وازدراء لأحلامهم. "الشباب وهذه الكلمة تتقاطَع مع تعبيرات الإعلاميِّين وغيرهم!
الحماس ليس صفةً مذمومة بإطلاق، ولا محمودةً بإطلاق، والحماس للشيء هو الرَّغبة فيه بشدَّة، ويُعرف هل هو مدْحٌ أم ذمٌّ أم وصف مجرَّد من الأمرينِ بالسِّياق والسِّباق واللِّحاق؛ فعندما أُخاطب أبنائي بأسلوب الشَّفقة والرَّحمة والنُّصح والتَّحذير، فهذا ليس ذمًّا، ولا تحقيرًا، ولا تهميشًا، ولا إزدراءً، كما ذكَر الأخ، أمَّا أنَّه يتوافق مع تعبيرات الإعلاميِّين، فليكن إن كان حقًّا.
5.   سأل كثيرون وعتَبوا على عدم ذَهاب العُلماء إلى ساحات القتال.
أقول لهؤلاء: المقال لم يتحدَّث عن دَور العلماء؛ فهذا له مجالٌ آخَرُ، المقال كان نُصحًا للشباب المتحمِّس الراغب في الجِهاد أنْ يَحذرَ الغلوَّ الموجود لدَى بعض الفصائل الجهاديَّة، ولا يُمكن أن تَجعل مقالًا في صفحات معدودة يَفِي بجميعِ إشكالات المجاهدين واحتياجاتهم.
6.  أصبحتِ المقالات والكتابات تُدبَّج ويُصرف لها وقت كثير، وتقليب صفحات، وبحث وتحرٍّ... من أجل تأصيل القُعود عن الجهاد!
هذا مثال للمفاهيم المغلوطة لدَى البعض، وفَهم الكلام فهمًا خاطئًا، فأصبح الكلامُ عن أخطاء المجاهدين، وأخطرها الغلوُّ والتسرُّع في التكفير - تأصيلًا للقعود عن الجِهاد؛ عجبًا!
7.   هذا المقال يُراد منه إسقاط المجاهدين بتجهيلهم وتسفيههم.
وهذا مثال آخَر لسوء الفَهم، وأيضًا فيه ما أكدتُ عليه في المقال، مِن أنَّ هناك فِئامًا من الناس لا ينظرون إلى الجِهاد إلَّا من خلال فصيلٍ معيَّن، مع أنَّ المقال ليس فيه إسقاط أيِّ مجاهد، بل فيه: (باطِنُ الأرض خيرٌ من ظاهرها لمن يُريد إسقاطَ الجهاد)!
8.   المقال يدعو إلى تطبيق الديمقراطيَّة، وهل سيتركنا الصليبيُّون للديمقراطية الكافِرة، أم سيفعلون بنا كما فعَلوا بمرسي وهنيَّة؟!
أمَّا أنَّ المقال يدعو إلى تطبيق الديمقراطيَّة، فهذا بُهتان عظيم، بل المقال يقرر وجوب التحاكم إلى الشرع بل عدَّ عدم التحاكم إليه وعدم الرضا به كفرًا وردة.
 
وأمَّا: هل سيتركنا الغرب؟ فالجواب كما قال الحقُّ سبحانه وتعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}؛ سواء حصَل التمكين بالقوَّة أو بغيرها، وعندنا أمثلة من واقعنا المعاصر من هذا وذاك.
9.  المقال يدعو إلى قَبول آليات الديمقراطيَّة، وعدم المطالبة بتحكيم الشَّريعة، وهذا كُفر ورِدَّة، وجميع الفصائل الجهاديَّة متَّفقة على تحكيم الشَّريعة.
أيضًا هذا من سوء الفَهم؛ فليس في المقال دعوةٌ إلى هذا أو ذاك، بل فيه وجوب تحكيم الشريعة، لكن ليس المقصود من المقال تحريرَ مسألة قَبول آليات الديمقراطيَّة، أو مسألة المطالبة بتحكيم الشَّريعة الآن قبل التمكين، بل المقصود تبيانُ أنَّها مسألة اجتهاديَّة؛ لا يصحُّ أن يُوالَى عليها ويُعادى. أمَّا أنَّ جميع الفصائل والحركات الجهاديَّة متَّفقة على تحكيم الشَّريعة، فهذا الظنُّ بهم، وليس في المقال أنَّهم ليسوا كذلك، ومَن لم يكُن كذلك، فجِهاده ليس لإعلاء كلمة الله، لكن هل مِن الحِكمة أن تكون المطالبةُ قبل التمكين أم بعدَه؟
10.     المقال فيه دفاعٌ عن المرجئة، واتِّهام المجاهدين بأنَّهم خوارج.
عُقدة تقزيم الجِهاد وتحجيمه في فصيل معيَّن ما زالت تُلاحِق كثيرًا من الناس، والذي في المقال وأؤكِّده هنا: أنَّ من صِفات الخوارج وسماتِهم التي لا يُنكرها إلَّا جاهلٌ أو مكابر: التسرُّعَ في التكفير، واستباحة الدِّماء المعصومة؛ فمن كان كذلك فقد اتَّصف بخِصالهم، ومَن لم يكُن كذلك، فقد عافاه الله منها.
أمَّا أنَّ في المقال دِفاعًا عن المرجئة، فهذا من المضحكات! ويبدو أنَّ قائل هذا الكلام لا يعرِف شيئًا عن المرجئة؛ فأنصحه بقراءة كتاب: ((التوسُّط والاقتصاد، في أنَّ الكُفر يكون بالقول والعمل والاعتقاد)).
11.     المقال يُخالف إجماع أئمَّة الدعوة في مسألة العُذر بالجهل.
المقال ليس فيه تحريرٌ لهذه المسألة، بل فيه: أنَّ مسألة العُذر بالجُهل مسألةٌ اجتهاديَّة، وفيها خلافٌ كبير بين العلماء، وليس صحيحًا أنَّه لا خِلاف بين أئمَّة الدَّعوة في هذه المسألة، فهذا كلام مَن لم يَخبُرْ كلامَهم وفتاويهم، بل لو طالع المرءُ كتُبَ الإمامين ابن باز وابن عثيمين وفتاويهما - ومِن قبلهما السعدي وابن إبراهيم - لوجَد اختلافًا بينهما في هذه المسألة.  
12.     ما الذي يمنع أن تكون أحاديثُ الشام وجُند الشام مقصودًا بها المجاهِدون في الشَّام الآن؟
لا شيءَ يمنع ذلِك، وفضل الله واسع، ولم ينفِ المقالُ ذلك، لكن فيه التحذير من تنزيل أحاديث معيَّنة على فصيل معيَّن، دون بيِّنة أو برهان، وأسوأ منه عندما يكون الحديثُ غيرَ صحيح، وقد وجدْنا أقوامًا يفعلون ذلك.
13.   المقال كأنه رِدَّة فِعل جزئيَّة على سِجال فكري محدود، وجلُّ القضايا التي يُنكرها المقال هي من تنوُّع الرؤى السائغ، وليست من الغلوِّ؛ وهذا يُعمِّق الإشكاليات، ويزيد التباعُد، ولا يُقرِّب وجهات النظر، بل ويَزيد الغُلاة غلوًّا.
صحيح أنَّ جلَّ القضايا التي في المقال من قَبيل تنوُّع الرُّؤى السائغ، لكنَّ الغلوَّ ناتجٌ من الإصرار عليها، وكأنَّها مسائلُ لا خِلافَ فيها؛ فيُوالون عليها ويعادون، وهذا هو الغلوُّ الذي من أجْله كانت المقالة.
14.     القول بأنَّ الجهاد فرضُ عينٍ ليس من الغلوِّ كما في المقال.
ليس في المقال أنَّ القولَ بفرضيَّة الجهاد غلوٌّ، بل ما في المقال بحروفه: (مِن مسائل الجِهاد التي تحتاج إلى وقفةِ تأمُّل: الحُكمُ بأنَّ الجِهاد فرضُ عينٍ في بلدٍ معيَّن، وتضليلُ مَن لم يقُل بذلك، وتجهيلُه واتِّهامه)؛ فتضليلُ مَن لم يقُل بذلك وتجهيلُه واتهامُه هو الذي وردَ في المقال أنَّه من الغلوِّ.
15.     قضية أنَّ المهاجرين عبءٌ على أهل البلد في الطَّعام والشَّراب والسِّلاح ليست واقعيةً البتةَ.
لا يفتأ المجاهدون هناك يطلُبون المساعدة بالمال والدَّواء والسِّلاح؛ ودعمهم واجب وهو من الجهاد بالمال الذي غفل عنه كثيرٌ من النَّاس، فكيف يُقال: إنَّها ليست واقعيَّةً؟! ثم إنَّ هذا ذُكِر في المقال مقابلَ مَن يُطالب الأمَّةَ كلَّها بالنَّفير إلى هناك.
16.     يوسف عليه السَّلام، والنَّجاشي لم يثبت أنَّ أحدًا منهما أمَره الله أو رسولُه بأمرٍ ولم يُقِمْه.
هذا غيرُ صحيح، كلُّهم مأمورون بتحكيم شَرْع الله، النبيُّ من أوَّل نبوَّته، والنجاشي منذ أوَّل دخوله في الإسلام بما بلَغَه منه، ولم يمنعْهم من ذلك في ظرفٍ معيَّن إلَّا العجز وعدم الاستطاعة وخشية وقوع مفسدة أعظم، لكن ليس في المقال تقريرٌ للمسألة، إنما فيه التحذير من أن يتناحَر عليها المجاهدون ويعتبرونها من مسائل الولاء والبراء.
17.   عبارة : "النصوصُ الشرعيَّة، والسيرة النبويَّة جاءت بترْك حُكم الشرع في حالات معيَّنة" خاطئة، بل النُّصوص الشرعيَّة والسِّيرة النبويَّة تأمُر بالعمل بحُكم الشرع "وقد يكون حُكم الشرع حينًا عدمَ قتْل منافق معيَّن مثلًا.. فهذا حُكم الشرع، وليس تركًا لحُكم الشرع".
أمَّا أنَّ النصوص الشرعيَّة تأمُر بالعمل بحُكم الشرع، فهذه مسألة لا يختلف فيها مسلمان. وأمَّا أنَّه قد يكون حُكم الشرع حينًا هو عدم قتْل منافق معيَّن مثلًا.. وأنَّ هذا حُكم الشرع وليس تركًا لحُكم الشرع، فهذا لا يُغيِّر في الأمر شيئًا، سواء قلنا: حُكم الشَّرع هو قتْلُه، ولكنَّه استثنَى قتْلَه لظرف معيَّن، أو قُلْنا: حُكم الشَّرع هو عدَمُ قتْله، فالنتيجة واحدة، وهي: أنَّ حكم الشَّرع في هذا الظَّرف المعيَّن هو عدم قتْله بقول الشَّارع أو فِعله، وهذه المسألة بحثَها الأصوليُّون كثيرًا، وفي مسألتنا هذه أنَّ الشريعة جاءتْ بوجوبِ تحكيمِ الشَّريعة والاستسلام الكامِل لها، وهذه مُسلَّمة، فلو رأتْ جماعةٌ من الناس أنَّهم لو رفَعوا عقيرتَهم بذلك، حصلتْ لهم مفسدةٌ عظيمة، فأرجؤوا هذا إلى حِينه؛ فإنَّ تضليلَهم واتهامَهم - فضلًا عن تكفيرهم - يُعدُّ غلوًّا بلا شكٍّ.
 
اللهُمَّ اهْدِنِا لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ،
 
والحمد لله ربِّ العالمين ،،،
مرات التقييم:«102»

التعامل مع المبتدعة في مقام الدعوة

الهجر كعلاج للبدعة: ومن بين أهم المعالجات التي شرعها الإسلام في مواجهة بعض الانحرافات -ومن بينها البدعة- هجر أصحابها، وذلك لتضييق دائرة تأثير أصحابها وقصر مفسدتها وإظهار المجتمع في موقف الرافض لها ليستفيق صاحبها من غفلته ويعود إلى رشده.
ومن فوائد الهجر التي قصدها الشارع:
1 - بعث اليقظة في نفوس المسلمين من الوقوع في البدعة وتحذيرهم منها.
2 - تحجيم انتشار البدعة.
3 - إعطاء ضمانة للسنن من شائبة البدع.
4 - قمع المبتدع وزجره ليضعف عن نشر بدعته. [انظر رسالة (هجر المبتدع)، بكر بن عبدالله أبو زيد -رحمه الله، إعداد سلمان بن عبدالقادر أبوزيد، بتصرف.].
فمعاشرة صاحب البدعة ومخالطته فتولد في صاحب البدعة طمأنينة إلى ما هو عليه، وربما أشعره بقبول المجتمع لبدعته وتزكيته إياها؛ وهذا قد يُغرر بالعامة، إذ أن العامة غالبا في حال جهلهم لا يفرقون بين السنة والبدعة، وربما استحسنوا ما استحسنه المبتدع فوقعوا فيما وقع فيه، فلا بد إذاً من الحجر على المبتدع استصلاحاً للديانة، وأحوال الجماعة، وهو ألزم من الحجر الصحي لاستصلاح الأبدان.
وبعد أن نقل الشاطبي -رحمه الله تعالى- بعض الآثار في النهي عن توقير المبتدع، قال: (فإن الإيواء يجامع التوقير، ووجه ذلك ظاهر؛ لأن المشي إليه والتوقير له تعظيمٌ له لأجل بدعته؛ وقد علمنا أن الشرع يأمر بزجره وإهانته وإذلاله بما هو أشد من هذا كالضرب والقتل، فصار توقيره صدوداً عن العمل بشرع الإسلام، وإقبالاً على ما يضاده وينافيه، والإسلام لا ينهدم إلا بترك العمل به، والعمل بما ينافيه)
[(الاعتصام) (1/85).] .
وعلى كل حال فإن غياب التعامل الصحيح للمبتدع يحيي البدع ويميت السنن، وفي هذا هدم للإسلام بعينه.
أنواع الهجر:
أنواع الهجر ثلاثة:
الأول: الهجر ديانة، أي: الهجر لحق الله تعالى، وهو من عمل أهل التقوى، في هجر السيئة، وهجر فاعلها، مبتدعًا أو عاصيًا.
وهذا النوع من الهجر على قسمين:
1- هجر ترك: بمعنى هجر السيئات، وهجر قرناء السوء الذين تضره صحبتهم إلا لحاجة أو مصلحة راجحة، قال الله تعالى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5]، وقال سبحانه: {وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [المزمل: 10]، وقال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68]، وقال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء: 140]، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) [أخرجه البخاري في الإيمان.].
2- هجر تعزير: وهذا من العقوبات الشرعية التبصيرية التي يوقعها المسلم على المبتدعة على وجه التأديب، في دائرة الضوابط الشرعية للهجر حتى يتوب المبتدع ويفيء.
وهذا النوع بقسميه من أصول الاعتقاد، والأمر فيه أمر إيجاب في أصل الشرع، ومباحثه في كتب السنن والتوحيد والاعتقاد وغيرها.
النوع الثاني: الهجر لاستصلاح أمر دنيوي، أي الهجر لحق العبد، وفيه جاءت أحاديث الهجر بما دون ثلاث ليال، رواها جماعة من الصحابة رضي الله عنهم بأسانيد في الصحيحين وغيرها، وجميعها تفيد أن الشرع لم يرخص بهذا النوع من الهجر بين المسلمين إلا بما دون ثلاث ليال. وليس هو مجال حديثنا.
النوع الثالث: الهجر قضاء، وهو من العقوبات التعزيرية للمعتدين، وهذا يبحثه الفقهاء في باب التعزير. [من رسالة (هجر المبتدع)، مرجع سابق، بتصرف].
وجعل شيخ الإسلام -رحمه الله- أنواع الهجر في الشرع قسمين، فقال:
(الهجر الشرعي نوعان:
أحدهما: بمعنى الترك للمنكرات.
والثاني: بمعنى العقوبة عليها.
فالأول: هو المذكور في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68]،.. فهذا يراد به أنه لا يشهد المنكرات لغير حاجة مثل قوم يشربون الخمر يجلس عندهم، وقوم دعوا إلى وليمة فيها خمر وزمر لا يجيب دعوتهم، وأمثال ذلك...
النوع الثاني: الهجر على وجه التأديب، وهو هجر من يظهر المنكرات، يهجر حتى يتوب منها، كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله توبتهم، حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر) [((مجموع الفتاوى)) (28/20)].
صفات الهجر:
الأصل في الهجر هو الإعراض عن المبتدع والبراءة منه. ومن مفرداته تركُ: مجالسته، ومجاورته، وتوقيره، ومكالمته، والسلام عليه، والتسمية له، وبسط الوجه له، وسماع كلامه، ومشاورته.. كل ذلك بقصد إصلاحه إذا عُلم تحقق ذلك؛ أما إذا عُلم فساد حاله أكثر أو تضييع مصلحة المسلمين فتقدر الأمور بقدرها.
وللهجر الشرعي ضوابط، منها:
1- لا بد أن يؤدي هذا الهجر إلى الهدف الذي شرع من أجله، وهو الإقلاع عن هذه البدعة، وإلى عدم فعل ما يشبهها من قبله، أو من قبل غيره، أما إذا كان المبتدع لا يزيده الهجر إلا تمادياً في السوء، وركوناً إلى أهل السوء، أو غير ذلك من المفاسد فإنه لا يهجر.
فالمؤمن كالطبيب إذا رأى العلاج نافعاً فعله؛ لأن الهجر من باب العلاج،فإنكان الهجر يؤثر خيراً وينفع هُجر، وكان ذلك من باب العلاج لعله يتوب ويرجع عن خطئه إذا رأى من إخوانه أنهم يهجرونه، أما إذا كان الهجر يسبب مزيداً من الشر وكثرة أهل الشر وتعاونهم فإنه لا يهجر، ولكن يديم له النصح والتوجيه وإظهار الكراهة لما عمل، ولا يبين لهموافقته على باطله، ولكن يستمر في النصيحةوالتوجيه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم فإن المقصود به -يعني الهجر- زجر المهجور وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعاً، وإن كان لا المهجور ولاغيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر؛ بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف... وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل، ولهذا كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع -كما كثر القدَر في البصرة والتنجيم بخراسان والتشيع بالكوفة- وبين ما ليس كذلك، ويفرق بين الأئمة المطاعين وغيرهم، وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه) [((مجموع الفتاوى)) (28/203)].
ولو أن طالب علم مثلاً ذهب إلى أهله في بادية بعيدة وخاصة التي يغلبُ عليها البدع، فوجدهم يفعلون ما يفعلون من البدع، فقال: أنا أعرف أن من أصول أهل السنة والجماعة هجر أهل البدع فلنهجرهم، فإنه لن يدع أحداً إلا هجره؛ لأن الناس ألفوا هذه البدع وعاشوا عليها، فيصير هو المنكر المهجور؛ لأن الهاجر في هذه الحالة ضعيف والمصلحة لا تتحقق، والمشكلة ليست في عدم قيام طالب العلم بالإنكار أو عدم هجره لأهل البدع، ولكن المشكلة أن المصلحة الشرعية غير حاصلة. [من رسالة (هجر المبتدع)، مرجع سابق، بتصرف.]
2- الهجر الشرعي عبادة من جنس الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعبادة لا بد من توفر ركنيها: الإخلاص، والمتابعة، أي بأن يكون الهجر خالصاً صواباً، خالصاً لله صواباً وفق السنة، وإن هوى النفس ينقض ركنية الإخلاص، كما أن ركن المتابعة ينقضه عدم موافقة الهجر للمأمور به.
3- هجر المبتدع ليس عاماً في كل حال ومن كل إنسان ولكل مبتدع، كما أن ترك الهجر والإعراض عنه بالكلية، تفريط، وهجر لهذا الواجب الشرعي المعلوم وجوبه بالنص والإجماع، وإن مشروعية الهجر هي في دائرة ضوابطه الشرعية المبنية على رعاية المصالح ودرء المفاسد، وهذا مما يختلف باختلاف البدعة نفسها، واختلاف مبتدعها، واختلاف أحوال الهاجرين، واختلاف المكان والقوة والضعف، والقلة والكثرة، فلا بد من مراعاة كل هذا.

 

الدرر السنية

مرات التقييم:«125»

الداعية القدوة والسفر للسياحة

 
علوي بن عبد القادر السَّقَّاف
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد:
فقد ظهرت على بعض الدعاة في السنوات القليلة الماضية عددٌ من الظواهر السلبية، كان من أبرزها وربما أخطرها تراجع عدد منهم في أخذ الدين بقوة، ومجاهدة النفس على السير على خطى أسلافهم من أهل العلم والدعوة في القيام بأمر الشريعة، وتعظيم شعائر الله، الأمر الذي لا ينكره إلا مكابر، ولعل من أهم أسباب ذلك التراجع: تكالب أعداء الإسلام من خارج بلاد المسلمين ومن داخلها على شأن هذا الدين، وكثرة النقد اللاذع للمنهج الإسلامي الصحيح، ثم ما صاحب ذلك من نقدٍ آخر ذاتي، كان أكثر ميلاً إلى الهدم منه إلى البناء، لاسيما من بعض الدعاة الذين عتورهم شيء من الهزيمة النفسية، ناهيك عن شيوع فتاوى برامج الفضائيات والمعتمدة على ما يسمى بالتيسير بصرف النظر عن الدليل، الأمر الذي أنتج تراجعاً عند بعض الدعاة عن ذلك النهج الذي كانوا عليه إلى آخرَ هجين بين التميع والتميز؛ كل ذلك وغيره أدى إلى هذا الضعف العام الذي تشهده ساحة الدعوة، وخاصة فيما يتعلق بتميز أولئك الدعاة في عبادتهم وخلقهم ومظهرهم وربما طريقة تعاملهم مع قضايا الشريعة وأمور الدعوة، مما أدى إلى إفراز كثيرٍ من الظواهر المتعددة والمؤلمة والتي لم تكن تُعهد من قبل، وما ظاهرة السفر إلى خارج البلاد المحافظة التي يعيشون فيها، إلى أخرى مغايرة تماماً لتلك الطبيعة المحافظة، لا لشيء غير مجرد ما يعرف بالسياحة، أو الترويح عن النفس؛ إلا من هذه الظواهر.
وهنا نقول، بأن مِن الدعاة إلى الله مَن لا يكترث لهذا التميز أصلاً، فليس هو مقصودنا بهذا الحديث، وإنما مقصودنا أولئك الإخوة الذين اعتادوا أخذ هذا الدين بقوة {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} [الأعراف:145]، وأقاموا الشريعة بمأخذ الجد، فحملوا همَّ هذه الدعوة شهوراً متتابعة، طيلة العام باذلين أوقاتهم وجهدهم، منشغلين بدعوتهم عن ترفيه أنفسهم وأهل بيتهم وأبنائهم؛ فلا شك أن مثل هؤلاء قد يجدوا في أنفسهم، وفي من يعولون من أهلٍ وذرية، حاجة إلى شيء من الترفيه عن النفس بسفرٍ أو نزهةٍ أو ما شابه ذلك، وما من شك كذلك أن هذا أمر مباح لا بأس به، وقد يكون مطلوباً أحياناً، والأصل في السفر الإباحة، وقد يكون أحياناً مندوباً أو واجباً، ومرادنا في هذه المقالة ذلك السفر والانتقال إلى بلاد يكثر فيها الفساد والمنكر، من تبرجٍ وسفورٍ وتناول للخمور، وغيرها مما لا يخفى على أحد، كل ذلك وهذا الداعية والقدوة المسافر إلى تلك البلاد، يشهد ذلك كله أو بعضه، لكنه عاجز عن إنكار شيء منه، بل قد يلجأ إلى المكوث في موقع حدوث المنكر – كالمطارات، وأماكن التسوق، وبعض المطاعم، والطرقات - ساعات طوال، مشاهداً، أو مستمعاً، وترى كثيراً من هؤلاء الإخوة يتذرع بشبه واهية، لعل من أبرزها أنهم في رحلة إلى بلاد إسلامية، مع أن واقع كثيرٍ من هذه البلاد - للأسف - لا يختلف كثيراً عن أكثر بلاد الكفار من حيث مظاهر التبرج والسفور، والعري، وتناول الخمور، وفشو المنكرات.
ثم إن المرء ليعجب من قيام البعض منهم بحَثِّ الآخرين على الذهاب إلى تلك البلاد متذرعين بحجة المساهمة في تحسين الوضع الاقتصادي للمسلمين هناك!، ولم يفرق أولئك الإخوة بين ما يمكن أن يقال للمفرِّطين من المسلمين الذين يريدون الذهاب إلى بلاد الكفر، وبين ما لا ينبغي على الدعاة فعله لا سيما من هم في موطن القدوة ، وكم هو نفيس كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن حضور الأماكن التي تكثر فيها المنكرات، مع العجز عن إنكارها، -وهذا يشمل السفر والحضر- ، يقول رحمه الله في مجموع الفتاوى (28/239) : ((ليس للإنسان أن يحضر الأماكن التي يشهد فيها المنكرات ولا يمكنه الإنكار، إلا لموجب شرعي، مثل أن يكون هناك أمر يحتاج إليه لمصلحة دينه أو دنياه لا بد فيه من حضوره، أو يكون مكرهاً، فأما حضوره لمجرد الفرجة وإحضار امرأته تشاهد ذلك؛ فهذا مما يقدح في عدالته ومُروءته إذا أصرَّ عليه، واللّه أعلم)) انتهى. وهذا مبنيٌ على ما هو مستقر ومعلوم من الشريعة بأن الأصل وجوب الإنكار باليد، أو اللسان، - والغالب أن ذلك متعذرٌ في أكثر تلك البلاد- فإن لم يمكن، فإنكار القلب هو أضعف الإيمان، والإنكار بالقلب كما قال العلماء يكون ببغض المنكر وهجرانه والبعد عنه لا بالذهاب إليه اختياراً دون مصلحة دينية أو دنيوية راجحة، كما هو ظاهر من كلام شيخ الإسلام وغيره، فمن تلك المصالح الدينية طلب العلم والدعوة إلى الله، ومن الدنيوية العلاج المتعذر في بلاد تخلو من تلك المنكرات، والتجارة التي لا بد منها، ونحو ذلك، أمَّا مجرد الذهاب لغرض الفرجة، أو النزهة، أو السياحة، فليست من ذلك في شيء، فكيف بمن يذهب بزوجته وأبنائه وبناته الذين بلغ بعضهم سن المراهقة؟!
ولو أن الداعية القدوة تأمل تلك المحاذير الشرعية والمفاسد الأخلاقية المترتبة على هذا النوع من السفر لأعاد النظر فيه، أو تردد قبل الإقدام عليه، لا سيما مع وجود نوع آخر من المنكرات، كاضطرار الداعية المسافر لوضع صور زوجته، وبناته، في جواز السفر ومن ثم رؤية الرجال لهن عند نقاط التفتيش، ومعابر الحدود وغيرها، ومن ذلك أيضاً اعتياد أبناء الدعاة وبناتهم واستمراؤهم مشاهدة تلك المنكرات، وهم مع ذلك يرون أباهم الداعية القدوة لا يحرك ساكناً، بل ربما اضطر أحياناً إلى محادثة نساء متبرجات و التعامل معهن!، ومن جهة أخرى فإن تكرار مثل هذا السفر، يولد لدى أسرة الداعية رغبة في مزيد منه حباً في التعرف على بلد جديد أو ثقافة مختلفة، ولذلك قلما ترى مسافراً لهذه الأماكن عاماً إلا وتراه يسافر العام أو الأعوام التي بعده، ومما يؤسف له أن ترى كثيراً من أبناء أولئك الدعاة وبناتهم وأسرهم يتفاخرون بأسفارهم تلك، وربما حثوا غيرهم على القيام بها، ولنا أن نتخيل حال ذلك الجيل الذي يمثِّلُ فيه أبناءُ الدعاة وبناتهم محط النظر، ومقصد الاقتداء.
وهنا نخاطب إخواننا الدعاة قائلين:
إذا كان لا يسوغ لنا التوسع في فعل المباح في بعض الأوقات، فكيف يسوغ لنا الإقدام على فعلٍ، أقل ما يقال فيه، أنه من المشتبهات المفضية إلى الحرام؟!
قال الأوزاعي رحمه الله: (كنا نمزح ونضحك فلما صرنا يقتدى بنا , خشيت ألا يسعنا التبسم) (سير أعلام النبلاء: 7/132)
و قال ابن القيم في (مدارج السالكين: 2/26):
(قال لي يوماً شيخ الإسلام -قدس الله روحه- في شيء من المباح: هذا ينافي المراتب العالية وإن لم يكن تركه شرطاً في النجاة).
فنصيحتي لهؤلاء الدعاة -وكذا الداعيات- أن يعيدوا النظر في أسفارهم تلك، وليتذكروا أن ثمَّت من يقتدي بهم، وربما قلدهم في أفعالهم وتصرفاتهم، وأنهم بتصرفهم هذا يسيئون لأنفسهم، ولأبنائهم وبناتهم، ولدعوتهم ولطلابهم ومن يقتدي بهم، وليبحثوا عن بدائل تتناسب مع مقامهم الذي وضعهم الله فيه، وهي كثيرة ومتوفرة ولله الحمد.
وأخيراً قد يقول بعض هؤلاء إنَّ حجم التغيرات التي تشهدها الساحة تتجاوز الحديث في مثل هذه الموضوعات، فبلاد المسلمين تُحتَل وتُدَمَّر، وأنت تتحدث عن ظواهر سلبية عند بعض الدعاة وعن سفرهم للسياحة، فأقول:
إن كان الأمرُ كذلك –وهو كذلك - فكيف يسوغ لكم السفر للسياحة والنزهة وصرف الأموال فيها؟!
وقد يقول آخرون: إن الزمان قد تغير والمنكرات موجودة في كل مكان، فأقول:
هذا صحيح، وعين المرء لا تخطيء ذلك، لكن، هل السفر للسياحة ومخالطة المنكرات وضياع الأموال والأعمار تُصلح فساد المجتمعات؟ ألسنا الآن أحوج من ذي قبل إلى تميزنا وتمسكنا بديننا؟!
اللهم رب جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون،اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
مرات التقييم:«153»

الموقف الشرعي الصحيح من وفاة أهل البدع والضلال (البوطي، مثالاً)

علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف

إن المسلم الحق كما يحزن لموت العلماء والدعاة إلى الله، يفرح بهلاك أهل البدع والضلال، خاصة إن كانوا رؤوساً ورموزاً ومنظرين، يفرح لأن بهلاكهم تُكسر أقلامُهم، وتُحسر أفكارُهم التي يلبِّسون بها على الناس، ولم يكن السلف يقتصرون على التحذير من أمثال هؤلاء وهم أحياء فقط، فإذا ماتوا ترحموا عليهم وبكوا على فراقهم، بل كانوا يبيِّنون حالهم بعد موتهم، ويُظهرون الفرح بهلاكهم، ويبشر بعضهم بعضاً بذلك.

ففي صحيح البخاري ومسلم يقول صلى الله عليه وسلم عن موت أمثال هؤلاء: ((يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب)) فكيف لا يفرح المسلم بموت من آذى وأفسد العباد والبلاد.

لذلك لما جاء خبر موت المريسي الضال وبشر بن الحارث في السوق قال: لولا أنه كان موضع شهرة لكان موضع شكر وسجود، والحمد لله الذي أماته،..(تاريخ بغداد: 7/66) (لسان الميزان: 2/308)

وقيل للإمام أحمد بن حنبل: الرجل يفرح بما ينزل بأصحاب ابن أبي دؤاد، عليه في ذلك إثم؟ قال: ومن لا يفرح بهذا؟! (السنة للخلال: 5/121)

وقال سلمة بن شبيب: كنت عند عبد الرزاق -يعني الصنعاني-، فجاءنا موت عبد المجيد، فقال: (الحمد لله الذي أراح أُمة محمد من عبد المجيد). (سير أعلام النبلاء: 9/435) وعبد المجيد هذا هو ابن عبدالعزيز بن أبي رواد، وكان رأساً في الإرجاء.

ولما جاء نعي وهب القرشي -وكان ضالاً مضلاً- لعبد الرحمن بن مهدي قال: الحمد لله الذي أراح المسلمين منه. ( لسان الميزان لابن حجر: 8/402)

وقال الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية 12/338) عن أحد رؤوس أهل البدع: (أراح الله المسلمين منه في هذه السنة في ذي الحجة منها، ودفن بداره، ثم نقل إلى مقابر قريش فلله الحمد والمنة، وحين مات فرح أهل السنة بموته فرحاً شديداً، وأظهروا الشكر لله، فلا تجد أحداً منهم إلا يحمد الله)

هكذا كان موقف السلف رحمهم الله عندما يسمعون بموت رأسٍ من رؤوس أهل البدع والضلال، وقد يحتج بعض الناس بما نقله الحافظ ابن القيم في (مدارج السالكين: 2/345) عن موقف شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية من خصومه حيث قال: (وجئت يوماً مبشراً له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني وتنكَّر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم وقال: إني لكم مكانه ...) ومن تأمل ذلك وجد أنه لا تعارض بين الأمرين فمن سماحة شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا ينتقم لنفسه ولذلك عندما أتاه تلميذه يبشره بموت أحد خصومه وأشدهم عداوة وأذى له= نهره وأنكر عليه، فالتلميذ إنما أبدى لشيخه فرحه بموت خصمٍ من خصومه لا فرحه بموته لكونه أحد رؤوس البدع والضلال.

وبالأمس قُتل أحد علماء الضلالة (محمد سعيد رمضان البوطي)، وفرح بذلك أهلُ التوحيد والإيمان، وكيف لا يفرحون بهلاك من أفتى طاغية الشام بقتل شعبه، وشبَّه جنود نظامه النصيري بالصحابة، وقال عن أبيه الهالك حافظ الأسد مليء قلبه إيماناً، وظلَّ سبعين عاماً معادياً لأهل التوحيد، ومناصراً لأصحاب البدع والخرافات من القبوريين وغيرهم؟ إلى غير ذلك من تخبطاته وشطحاته.

فمن هذا حاله، ألا يُفرح بموته؟!

وفي مقابل هذا الفرح، -مع الأسف- حزن آخرون وأسفوا لذلك ودعوا الله أن يخلف على المسلمين مثله! –لا أجاب الله دعاءهم- فأمثال هؤلاء يُخشى على دينهم، لأنه ما من مسلم يخشى الله ويغار على هذا الدين إلا ويفرح بهلاك من ببقائه هدم الإسلام، ومن بموته ينكسر معول من معاول هذا الهدم.

نسأل الله عز وجل أن يفرحنا بهلاك كل طاغية وكل من أعانه، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن يثبتنا على دينه وكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.
 

مرات التقييم:«121»

حَديثُ الثَّقلَينِ (كتاب الله وعترتي) (كتاب الله وسنتي) دِراسة حديثية فقهية

علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
 
الحمدُ لله ربِّ العالَمِين، والصَّلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسَلين، وعلى آله وأصحابه الغُرِّ الميامين، وعلى تابعيهم بإحسانٍ ومَن سار على نهجِهم واقْتفَى آثارَهم  إلى يومِ الدِّين.
 
أمَّا بعدُ:
 
فإنَّ حديثَ الثَّقلَينِ - ((تَركتُ فِيكم الثَّقلين، ما إن تمسَّكتُم بهما، لن تضلُّوا: كِتابَ اللهِ، وعِترتي أهلَ بيتي))- مِن الأحاديثِ التي كثُر فيها القولُ صِحَّةً وضعفًا، وتباينتْ فيه الأفهام، واشتبه على بعضِ الناس معناه؛ فأردتُ بهذه الدِّراسة المختصرة للحديث توضيحَ الصواب فيه، وتنتظم هذه الدراسةُ في ثلاث مسائلَ:
 
المسألة الأولى: ألفاظ الحديث، وتخريجها.
 
المسألة الثانية: معنى الحديث.
 
المسألة الثالثة: الردُّ على الشُّبَه المثارة حوله.
 
المسألة الأولى: ألفاظ الحديث، وتخريجها.
 
جاء حديث الثَّقلين بلفظ: ((... كتاب الله، وعِترتي أهلَ بيتي)) عن جمْعٍ من الصَّحابة؛ منهم: علي بن أبي طالب، وأبو سعيد الخُدري، وجابر بن عبد الله، وجُبَير بن مُطعِم، وحُذيفة بن أَسيد، وزَيد بن أرقمَ، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن حَنطب، ونُبَيط بن شُرَيط، (رضي الله عنهم أجمعين)، بألفاظٍ مختلفة - كما سيأتي.
 
وجاء بلفظ: ((كِتَابَ الله، وسُنَّتي))، أو: ((... وسُنَّة نبيِّه)) عن جمْع من الصَّحابة أيضًا؛ منهم: عُمر بن الخطَّاب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبَّاس، وأبو هُريرَة، وأبو سعيد الخدريُّ، وأنس بن مالك، وعبد الله بن أبي نَجيحِ، وعُروة بن الزُّبير، وعَمرو بن عوف المـُزَني، وموسى بن عُقبةَ، وناجية بن جُنْدُب، (رضي الله عنهم أجمعين)، بألفاظٍ مختلفة - كما سيأتي.
 
وليس واحدًا منها في أحد الصَّحيحين - البخاري ومسلم - بل الذي في صحيح مسلم ليس فيه التمسُّك بالعِترة ولا بالسُّنة، بل فيه التمسُّك بالكتاب، والوصيةُ بالعترة، ولفظُه: ((أنا تاركٌ فِيكم ثَقلينِ: أوَّلهما: كتابُ الله، فيه الهُدى والنُور؛ فخُذوا بكتاب الله، واستمسِكوا به، فحثَّ على كِتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: وأهلُ بَيْتي، أُذكِّركم اللهَ في أهلِ بيتي، أُذكِّركم اللهَ في أهل بيتي، أُذكِّركم الله في أهلِ بَيتي))، وسيأتي بيانُ ذلك بالتفصيل.
 
والحاصل: أنَّ حديث الثقلينِ جاء تارةً بالأمْر بالتمسُّك بالكتاب والسُّنَّة، وتارةً بالتمسُّك بالكتاب والعِترة، وتارةً أخرى بالتمسُّك بالكتاب والوصيةِ بأهلِ بيت النبيِّ صلَّى الله عليه وعليهم وسلَّمَ، وسمَّى الكتاب ثَقلًا، وجاء في بعض الروايات والطرق تسمية السُّنة ثَقلًا، وجاء في بعضها تسمية العِترة ثَقلًا.
 
أولًا: الأحاديث التي ذُكرت فيها العترة دون السنة
 
جاء ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها مِن حديث: عليِّ بن أبي طالب([1]) وأبي سعيدٍ الخدريِّ([2])، وجابر بن عبد الله([3])، وجُبَير بن مُطعِم([4])، وحُذيفةَ بن أَسيد([5])، وزيد بن أرقمَ([6])، وزيد بن ثابت([7])، وعبد الله بن حَنْطَب([8])، ونُبَيط بن شُرَيط([9])، رضي الله عنهم، ومن ألفاظ ذلك: ((وَاللَّهُ سَائِلُكُمْ عَنِ اثْنَتَيْنِ: عَنِ الْقُرْآنِ، وَعَنْ عِتْرَتِي))، وهذه لن أتعرَّض لها؛ رغبةً في الاختصار.
 
وجاء ذِكرها مع الحثِّ على التمسُّك بها تارةً بقوله: ((مَا إنْ أخذتُم به))، وتارةً: ((ما إنْ تمسَّكتُم به))، وأخرى: ((إنِ اتَّبعتُموهما))، من حديث: عليِّ بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيدٍ الخُدريِّ، وزيد بن أرقمَ، وزيد بن ثابتٍ، رضي الله عنهم، وهذا تفصيلها([10]):
 
1- حديثُ عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه: ((تركتُ فيكم ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا: كتابَ الله، سببُه بيده وسببُه بأيديكم، وأهلَ بَيتي))([11]).
 
2- حديثُ زَيد بن ثابتٍ رضي الله عنه: ((إني تاركٌ فيكم ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا: كتاب الله، وعِترتي أهل بيتي؛ فإنَّهما لن يفترقَا حتى يرِدَا عليَّ الحوضَ))([12]).
 
3- حديث زَيد بن أرقمَ رضي الله عنه: ((إنِّي تاركٌ فيكم ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا بعدي - أحدُهما أعظمُ من الآخَر -:كتاب الله، حبْلٌ ممدودٌ من السَّماء إلى الأرض، وعِترتي أهل بيتي، ولن يتفرَّقَا حتى يرِدَا عليَّ الحوضَ، فانظروا كيف تَخلُفوني فيهما))([13]).
 
وفي لفظ آخر: ((أيُّها الناس، إنِّي تاركٌ فيكم أمرينِ لن تضلُّوا إن اتَّبعتموهما، وهما: كتابُ الله، وأهلُ بيتي عِترتي))([14]).
 
4- حديثُ جابرِ بن عبد الله رضي الله عنهما: ((يا أيُّها الناس، إني تركتُ فيكم ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا: كتاب الله، وعِترتي أهْلَ بَيتي))([15]).
 
5- حديث أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه: ((إنِّي قد تركتُ فيكم ما إنْ أخذتم به، لن تضلُّوا بعدي: الثَّقلَينِ - أحدهما أكبرُ مِن الآخَر - كتاب الله، حبْلٌ ممدود من السَّماء إلى الأرض، وعِترتي أهل بيتي، ألَا وإنهما لن يَفترِقَا حتى يرِدَا عليَّ الحوضَ))([16]).
 
وفي لفظ آخر: ((تركتُ فيكم ما إنْ تمسَّكتم به، فلن تضلُّوا: كتابَ الله، وأهلَ بيتي))([17]).
 
وفي لفظ آخر: ((إني تاركٌ فيكم ما إنْ تمسَّكتم به، لن تضلُّوا بعدي - أحدهما أعظمُ من الآخَر -: كتاب الله، حبلٌ ممدود من السَّماء إلى الأرض، وعِترتي أهْل بيتي، ولن يتفرَّقَا حتى يرِدَا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تَخلُفوني فيهما)) ([18]).
 
ثانيًا: الأحاديث التي ذُكرت فيها السنة دون العترة
 
جاء الحثُّ على التمسُّك بكتاب الله وسُنَّة نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ في أحاديثَ عن عددٍ من الصَّحابة - كما تقدَّم - وهي:
 
1- حديث عُمرَ بن الخطَّاب رضي الله عنه: ((تركتُ فيكم أمرين لن تضلُّوا بعدهما: كتابَ الله جلَّ وعزَّ، وسُنَّةَ نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ)) ([19]).
 
2- حديث عبد الله بن عُمرَ رضي الله عنهما: ((...وما عطَّلوا كتابَ الله وسُنَّةَ رسولِه، إلَّا جعَل الله بأسَهم بينهم))([20]).
 
3- حديث عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما: ((تركتُ فيكم أيُّها الناس، ما إنِ اعتصمتم به، فلن تضلُّوا أبدًا: كتاب الله، وسُنَّة نبيِّه))([21]).
 
4- حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: ((قد تركتُ فيكم بَعْدي ما إن أخذتُم، لم تضلُّوا: كتاب الله، وسُنَّة نبيِّكم صلَّى الله عليه وسلَّمَ))([22]).
 
5- حديث أبي هُرَيرة رضي الله عنه: ((إنِّي قد خَلَّفتُ فيكم اثنين، لن تضلُّوا بعدهما أبدًا: كتاب الله، وسُنتي، ولن يتفرَّقَا حتى يرِدَا عليَّ الحوض))([23]).
 
6- حديث أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه: ((يا أيُّها الناس, إنِّي قد تركتُ فيكم الثَّقلين: كتاب الله، وسُنَّتي؛ فاستنطِقوا القرآن بسُنَّتي, ولا تعسفوه؛ فإنَّه لن تعمَى أبصارُكم , ولن تَزِلَّ أقدامكم, ولن تقصرَ أيديكم ما أخذتُم بهما))([24]).
 
7- حديث عُروة بن الزُّبير رضي الله عنهما: ((تركتُ فيكم ما إنِ اعتصمتُم به، لن تضلُّوا أبدًا: أمرين بيِّنينِ: كتاب الله، وسُنَّة نبيِّكم))([25]).
 
8- حديث عبد الله بن أبي نَجِيح رضي الله عنه: ((تركتُ فيكم ما إن اعتصمتُم به، فلن تضلُّوا أبدًا: كتاب الله، وسُنَّة نبيِّه))([26]).
 
9- حديث عَمرو بن عوف المُزني رضي الله عنه: ((تركتُ فيكم أمرين، لن تضلُّوا ما تمسكتم بهما: كِتاب الله، وسُنَّة نبيِّه))([27]).
 
10- حديث موسى بن عُقْبة رضي الله عنه رضي الله عنه: ((... لن تضلُّوا بعده أبدًا، أمرًا بيِّنًا: كِتاب الله، وسُنَّة نبيِّه))([28]).
 
11- حديث ناجية بن جُنُدب رضي الله عنه: ((تركتُ فيكم ما إنْ أخذتم به، لم تضلُّوا: كتاب الله، وسُنَّته بأيديكم! ويقال: قد تركتُ فيكم: كتابَ الله، وسُنَّة نبيِّه))([29]).
 
12- وعن مالكٍ أنَّه بلَغَه أنَّ رسولَ اللَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((تَركتُ فيكُم أمرَينِ، لن تضِلُّوا ما تَمسَّكتُم بهما: كِتابَ اللَّه، وسُنَّةَ نَبيِّه))([30]).
 
الخلاصة:
 
ورد حديث الثقلين بلفظ: (كتاب الله وعترتي) ولفظ: (كتاب الله وسنتي) بأسانيد ضعيفة، وبأسانيد جياد يصح الاحتجاج بها، والله أعلم.
 
المسألة الثانية: معنى الحديث وفقهه
 
يُسمَّى هذا الحديث "حديث الثقلين"؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّمَ كما في بعض ألفاظه: ((إنِّي تاركٌ فيكم الثَّقَلينِ))، والثَّقَل: (المتاع المحمولُ على الدَّابَّة)([31])؛ قال القاضي عياض: (قِيل سُمِّيَا بذلك؛ لعِظم أقدارهما، وقيل: لشدَّة الأخْذ بهما)([32])، وقال النوويُّ: (سمِّيَا ثَقلين؛ لعظمهما، وكبير شأنهما)([33])، وقال البغويُّ: (فجَعلهما ثَقلينِ؛ إعظامًا لقدرهما)([34]).
 
وقد تمسَّك الشِّيعةُ ومَن تلوَّث بلوثتهم بلفظ: ((كتاب الله، وعِترتي)) حتى زعَموا زعمًا باطلًا أنَّ الأمر بالتمسُّك بالكتاب والعِترة جاء في صحيح مسلم، وتمسَّك بعض أهلُ السُّنَّة بلفظ: ((كِتاب الله، وسُنَّتي)) حتى ضعفوا لفظ ((وعِترتي))!
 
والأولى الجمع، حيث لا تعارض بينهما، كما سيتضح ذلك من خلال البحث.
 
وقبل نقْل أقوال العلماء وفَهمهم للحديث تجدُر الإشارة إلى أنَّ الأمر بالتمسُّك بالكتاب والسُّنَّة والاعتصام بهما، من أساسيات هذا الدِّين، وقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، وفي الأحاديثِ الصَّحيحة، فسواء صحَّ لفظ: ((كتاب الله، وعِترتي))، أو لفظ: ((كتاب الله، وسُنَّتي))، أو لم يصحَّ منهما شيء، فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
 
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
 
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
 
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].
 
وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: ((عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ))([35]).
 
وقال: ((فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي))([36]).
 
وقال: ((خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ))([37]).
 
وقال: ((ألَا إنِّي أوتيتُ الكِتابَ ومثلَهُ معهُ))([38]).
 
أقوال العلماء في معنى الحديث:
 
1- قال ابن قُدامة المقدسيُّ: (لا نسلِّم أنَّ المراد بالثقلين: القرآن، والعِترة، وإنَّما المراد: القرآن والسُّنة، كما في الرِّواية الأخرى: ((تركتُ فيكم أمرين لن تضلُّوا ما تمسَّكتم بهما: كتاب الله، وسُنَّة رسوله))، أخرجه مالكٌ في الموطأ([39])، وإنَّما خصَّ - صلَّى الله عليه وسلَّمَ - العترةَ بالذِّكر؛ لأنَّهم أخبرُ بحاله صلَّى الله عليه وسلَّمَ)([40]).
 
2- وقال الآمديُّ: (لا نُسلِّم أنَّ المراد بالثَّقلينِ: الكتاب، والعترة، بل الكتاب، والسُّنَّة، على ما رُوي أنَّه قال: "كِتاب الله، وسُنَّتي")([41]).
 
3- وقال شيخ الإسلام ابنُ تَيميَّة: (إنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال عن عِترته: إنَّها والكتاب لن يَفترِقَا حتى يرِدَا عليه الحوضَ، وهو الصادقُ المصدوق؛ فيدلُّ على أنَّ إجماع العِترة حُجَّة، وهذا قولُ طائفةٍ من أصحابنا، وذكره القاضي في المعتمَد، لكن العترة هم بنو هاشم كلهم: ولد العبَّاس، وولد عليٍّ، وولد الحارث بن عبد المُطَّلب، وسائر بني أبي طالب وغيرُهم، وعليٌّ وحده ليس هو العِترة، وسيِّد العِترة هو رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ... [و] إجماع الأمَّة حُجَّة بالكتاب والسُّنَّة والإجماع، والعترة بعضُ الأمَّة، فيلزم من ثُبوت إجماعِ الأمَّة إجماعُ العِترة)([42]).
 
4- وقال ابنُ حجر الهيتميُّ: (وفي روايةٍ صحيحة: ((إنِّي تاركٌ فيكم أمرين، لن تضلُّوا إن تبعتموهما، وهما: كتابُ الله، وأهلُ بيتي عِترتي))... وفي روايةٍ: (( كِتاب الله، وسُنَّتي)) وهي المرادُ من الأحاديث المقتصِرة على الكتاب؛ لأنَّ السُّنة مبيِّنة له، فأغْنى ذِكرُه عن ذكرها، والحاصل: أنَّ الحثَّ وقَع على التمسُّك بالكتاب، وبالسُّنة، وبالعلماء بهما من أهل البَيت)([43]).
 
5- وقال الملا عليٌّ القاري: (أهلُ البيت غالبًا يكونون أعرفَ بصاحب البيت وأحواله؛ فالمراد بهم أهلُ العلم منهم، المُطَّلعون على سِيرته، الواقفون على طريقته، العارفون بحُكمه وحِكمته، وبهذا يصلُح أن يكونوا مقابلًا لكتاب الله سبحانه، كما قال: {وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ})([44]).
 
6- وقال الألبانيُّ: (من المعروف أنَّ الحديث ممَّا يَحتجُّ به الشِّيعة، ويَلهجون بذلك كثيرًا، حنى يتوهَّم بعضُ أهل السُّنة أنهم مصيبون في ذلك، وهم جميعًا واهمون في ذلك، وبيانُه من وجهين:
 
الأوَّل: أنَّ المراد من الحديث في قوله صلَّى الله عليه وسلَّمَ: ((عِترتي)) أكثرُ ممَّا يريده الشِّيعة، ولا يردُّه أهلُ السُّنة، بل هم مستمسكون به، ألَا وهو أنَّ العترة فيه هم أهلُ بيته صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وقد جاء ذلك موضَّحًا في بعض طرقه كحديث الترجمة: ((وعِترتي أهْل بيتي))، وأهل بيته في الأصل: هم نِساؤه صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وفيهنَّ الصِّدِّيقةُ عائشةُ رضي الله عنهن جميعًا...، وتخصيص الشِّيعة (أهل البيت) في الآية بعليٍّ وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، دون نِسائه صلَّى الله عليه وسلَّمَ من تحريفهم لآياتِ الله تعالى؛ انتصارًا لأهوائهم ...
 
الوجه الآخَر: أنَّ المقصود من ((أهل البيت)) إنَّما هم العلماءُ الصالحون منهم، والمتمسِّكون بالكتاب والسُّنة؛ قال الإمام أبو جعفر الطحاويُّ رحمه الله تعالى: (العِترة: هم أهلُ بيتِه صلَّى الله عليه وسلَّمَ، الذين هم على دِينه، وكذلك المتمسِّكون بأمْره)).
 
والحاصل: أنَّ ذِكر أهل البيت في مقابل القرآن في هذا الحديث كذِكر سُنة الخلفاء الراشدين مع سُنَّته صلَّى الله عليه وسلَّمَ في قوله: ((فعليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاء الرَّاشدين...))... إذا عَرفتَ ما تقدَّم، فالحديث شاهدٌ قويٌّ لحديث ((الموطأ)) بلفظ: ((تركتُ فيكم أمرينِ لن تضلُّوا ما تمسَّكتم بهما: كتاب الله، وسُنَّة رسوله))([45]).
 
المسألة الثالثة: الردُّ على الشُّبه المثارة حوله
 
أثار الشِّيعة ومَن تأثر بهم شُبهةً حول هذا الحديث، طارت في الآفاق، وصدَّقها بعضُ الناس، وتساءل عنها آخَرون، خلاصتها: أنَّ حديث الأمر بالتمسُّك بالعِترة واتِّباع أهل بيت النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ صحيح، وأنَّه ثابتٌ في صحيح مسلم، بخِلاف التمسُّك بالسُّنة؛ فلم يُروَ في أحد الصَّحيحين، وأسانيده ضِعاف.
 
والردُّ على ذلك من وجوه:
 
الوجه الأول: ليس في صحيح مسلم الأمرُ باتِّباع العِترة، بل أمَر فيه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ بالأخْذ بكتاب الله، والتمسُّك به، وحثَّ عليه، ورغَّب فيه، ثم أوْصَى فيه أصحابَه بأهلِ بيته، وكان هذا في حَجَّة الوداع قبل موته صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ولفظ الحديث: ((أيُّها النَّاسُ، فإنَّما أنا بَشَرٌ يوشِك أنْ يأتيَ رسولُ ربي فأُجيبَ، وأنا تاركٌ فيكم ثَقلَينِ: أوَّلهما: كتابُ الله، فيه الهُدى والنُّور؛ فخُذوا بكتابِ الله، واستمسِكوا به - فحثَّ على كتاب الله، ورغَّب فيه - ثم قال: وأهل بَيتي، أُذكِّركم الله في أهْل بيتي، أُذكِّركم اللهَ في أهل بيْتي، أُذكِّركم اللهَ في أهْل بيتي))([46]).
 
قال أبو العبَّاس القرطبيُّ: وقوله : ((وأهل بيتي، أُذكِّركم الله في أهل بيتي - ثلاثًا))؛ هذه الوصية، وهذا التأكيد العظيم يَقتضي : وجوبَ احترام آل النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وأهل بيته، وإبرارَهم، وتوقيرهم، ومحبَّتهم وجوبَ الفروض المؤكَّدة، التي لا عُذرَ لأحد في التخلُّف عنها. هذا مع ما عُلِم من خصوصيتهم بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وبأنهم جزءٌ منه؛ فإنَّهم أصولُه التي نشأ منها، وفروعُه التي تنشأ عنه)([47]).
 
وقال ابنُ كثير: (ولا تُنكَرُ الوصاةُ بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم وإكرامهم؛ فإنَّهم من ذريَّة طاهرة، مِن أشرف بيت وُجد على وجه الأرض، فَخرًا وحسَبًا ونسَبًا، ولا سيَّما إذا كانوا متَّبِعين للسُّنة النبويَّة، الصَّحيحة الواضحة الجليَّة، كما كان عليه سلفُهم، كالعبَّاس وبنِيه، وعليٍّ وأهل بيتِه وذُريَّته، رضي الله عنهم أجمعين)([48]).
 
وقال ملا علي القاري: ( "فخُذوا بكِتاب الله"، أي: استنباطًا وحِفظًا وعِلمًا، ((واستمسكوا به))، أي: وتمسَّكوا به اعتقادًا وعملًا، ومِن جملة كتاب الله العملُ بأحاديث رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ لقوله سبحانه: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] و{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] - وفي رواية: ((فتمسَّكوا بكتاب الله، وخُذوا به)) - ((فحَثَّ)) - بتشديد الـمُثلَّثة - أي: فحرَّض أصحابَه ((على كتاب الله))، أي: على محافظةِ ومراعاةِ مبانيه ومعانيه، والعمل بما فيه، ((ورغَّب فيه)) -بتشديد الغَين المعجَمة-، أي: ذكَر المرغِّبات من حصول الدرجات في حقِّه، ثم يمكن أنَّه رهَّب وخوَّف بالعقوبات لِمَن ترك متابعةَ الآيات، فيكون حذفه من باب الاكتفاء، ويمكن أنَّه اقتصر على البشارة؛ إيماءً إلى سَعة رحمة الله تعالى، وأنَّ رحمته للعالَمِين، وأمَّته أمَّة مرحومة.
 
(ثم قال)، أي: النبيُّ عليه السَّلام ((وأهل بيتي))، أي: وثانيهما أهْلُ بيتي ((أُذكِّركم الله)) - بكسر الكاف المشدَّدة - أي: أُحذِّركموه، ((في أهل بيتي)): وُضِع الظاهر موضعَ المضمر؛ اهتمامًا بشأنهم، وإشعارًا بالعِلَّة، والمعنى: أُنبِّهكم حقَّ الله في محافظتهم، ومراعاتهم واحترامهم وإكرامهم، ومحبَّتهم ومودَّتهم، ... كرَّر الجملة لإفادة المبالَغة، ولا يبعُد أن يكون أراد بأحدهما آلَه، وبالأخرى أزواجَه؛ لِمَا سبَق من أنَّ أهل البيت يُطلق عليهما)([49]).
 
وقال ابن باز: (نحن معكم في محبَّة أهل البيت الملتزمين بشريعة الله، والترضِّي عنهم، والإيمان بأنَّهم من خِيرة عباد الله؛ عملًا بوصية رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ حيث قال في حديث زيد بن أَرقمَ المُخرَّج في صحيح مسلم : "إني تاركٌ فيكم ثَقلينِ: أولهما: كتاب الله، فيه الهُدى والنُّور؛ فخُذوا بكتابِ الله، وتمسَّكوا به... ثم قال: وأهل بيتي، أُذكِّركم الله في أهل بيتي، أُذكِّركم الله في أهْل بيتي")([50]).
 
وقال في موضع آخَر: ((إني تاركٌ فيكم ثَقلينِ: أوَّلهما: كتاب الله، فيه الهُدى والنُّور؛ فخُذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، ثم قال: وأهل بيتي، أُذكِّركم الله في أهل بيتي))، يعني بهم: زَوجاتِه، وقَراباتِه من بني هاشم, يُذكِّر الناس بالله في أهل بيته، بأن يَرفُقوا بهم, وأن يُحسنوا إليهم, ويكفُّوا الأذى عنهم, ويُوصوهم بالحقِّ, ويُعطوهم حقوقَهم ما داموا مستقيمين على دِينه، متَّبِعين لشريعته عليه الصَّلاة والسَّلام)([51]).
 
فالحديث - إذن - فيه الوصيةُ والتذكير بآل بيته صلَّى الله عليه وسلَّمَ بعدَ موته، وليس فيه الأمرُ بالتمسُّك والاتباع. ولم يقل أحدٌ من علماء الأمة ممن تعرض لشرح الحديث أن أفراد عترته صلى الله عليه وآله وسلم يكون لقولهم من المنزلة مثل ما للقرآن، فضلاً عن أن يكون أولى بالاتباع من سنة سيد ولد عدنان صلى الله عليه وسلم.
 
الوجه الثاني: على تقدير أن ما صح من الأحاديث جاء فيها الأمر بالاتباع فقد جاء في الحديث: ((وعِترتي أهل بيتي))، وعترة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ هم بنو هاشم كلهم، من ولد العبَّاس، وولد عليٍّ، وولد الحارثِ بن عبد المطَّلب، وسائر بني أبي طالب وغيرهم([52])، وليس هم فقط عليَّ بن أبي طالب وابْنَيه: الحسن والحسين، وذُريتهم - كما تزعم الإماميَّةُ الاثنا عشرية - كما أنَّ أهل بيته يدخُل فيهم أزواجُه رضي الله عنهن؛ فعبد الله بن عبَّاس، وعائشةُ رضي الله عنهم - وهما من أكثر الصَّحابة روايةً عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ومن أكثرهم فقهًا وعِلمًا - داخلان في هذا الحديث بلا شكٍّ دخولًا أوليًّا. وهذا الأمر لا يرتضيه من يحتج بهذا الحديث على تقديم العترة في رأيهم وما ينقلونه هم عنهم على أدلة التشريع المتفق عليها.
 
الوجه الثالث: ما المقصودُ بعِترة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ؟
 
 هل هم الذين صحِبوه ورَوَوْا عنه، كعليِّ بن أبي طالب، وابنيه: الحسن والحسين، والعبَّاس بن عبد المطَّلب وابنيه: عبد الله وعُبيد الله، وجعفر بن أبي طالب وابنه عبد الله، وعَقيل بن أبي طالب؟
 
أمْ عليُّ بن أبي طالب وذُريَّته، بل وأحد عَشرَ رجلاً منهم فقط، كما تزعُم الشيعة؛ تحكُّمًا منهم بلا برهانٍ ولا بيِّنة؟!
 
أم أنَّهم عامَّة العِترة، وفيهم - كما هو الواقع اليوم - السُّنِّي، والشِّيعي، والزَّيدي، والصُّوفي، والعالم والجاهل؟
 
فمَن هم العترة المعنيُّون في الحديث؟
 
لا يمكن أن يَستقيم فَهْمُ الحديث إلَّا بجَمْعه مع اللَّفظ الآخَر (كتاب الله وسُنَّتي)؛ فنفهُم منه - إذن - أن العِترة هم المتَّبعون لسُنة النبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم.
 
الوجه الرابع: تقدَّم معنا أنَّ اتباع السُّنة كاتِّباع القرآن، وفيهما الأمرُ بالاقتداء بصحابة رسولِ الله، وليسوا كلُّهم من العترة، بل في الحديث الصحيح الأمر بالتمسُّك بسُنَّة الخلفاء الراشدين؛ ((عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخُلفاء المهديِّين الرَّاشدين؛ تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ))، وفيهم أبو بكر، وعمر، وعُثمان، وهم ليسوا من العترة، بل في الحديث الصحيح: ((اقتدُوا باللذَيْنِ من بعدي: أبي بكرٍ وعمرَ))([53])، ومع ذلك فتعظيم أهل السُّنَّة للسُّنَّة عصَمَهم من أن يجعلوا الاقتداء بأبي بكرٍ وعمرَ أصلًا من أصول الإسلام مقابل الكتاب والسُّنَّة.
 
الوجه الخامس: على فرض أن ما صح من الأحاديث جاء فيها الأمر بالاتباع فماذا لو خالفتِ العترةُ كتابَ الله؟ مَن يجب علينا  نتَّبع منهما؟!
 
لا شكَّ يجب أنْ نتبع كتابَ الله، ومَن شكَّ في ذلك، فقد كفَر!
 
إذن العِترة تابعةٌ لكتاب الله، وفي كتاب الله الأمرُ باتِّباع سُنَّة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}، {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}؛ إذن العترة تابعةٌ للسُّنة باتِّباعها لكتاب الله، فكان مردُّ العِترة للسُّنة، والحمد لله ربِّ العالمين. بل إن شرف العترة ومكانتهم فرعٌ على شرف من شرَّفهم الله به، وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يستقيم في شرعٍ ولا عقلٍ تقديم التابع على المتبوع، والفرع على الأصل، لمن كان له عقل يعي به، والله المستعان.
 
الخاتمة:
 
حَديثُ الثَّقلين - ((إنِّي تاركٌ فيكم الثَّقَلين)) - جاء بلفظ: ((كتاب الله، وعِترتي أهْل بَيتي))، وبلفظ: ((كِتاب الله وسُنَّتي))، وقد اختلف العلماءُ في تصحيحها وتضعيفها، ولم يرِدْ في صحيح مسلم كما يظنُّ ويُردِّد البعض، ومردُّ العِترة إلى الكتاب والسُّنَّة، والحمدُ لله ربِّ العالمين.
 
وأخيرًا:
 
فلا بدَّ هنا مِن تذكير كلِّ مَن يَمُتُّ إلى هذه العِترة الشَّريفة بصِلة، بما أنعم الله به عليهم من النَّسَب الشَّريف، وبما أوجبه الله على عباده المؤمنين من محبَّتهم ومودَّتهم، مِن أنَّ هذه نِعمةٌ يُسألون عنها يوم القِيامة.
 
فيا مَن شرَّفكم اللهُ تعالى بهذا النَّسَب، إيَّاكم أن تغترُّوا بما يُنمِّقه لكم مَن ضلَّ سعيُه، وعمِي عن الرَّشاد منهجُه، ممَّن يريد أن يتجاوز بكم خيرَ المنازل التي وضعَكم اللهُ تعالى ورسولُه صلَّى الله عليه وسلَّم بها!
 
وإيَّاكم والفرحَ ببعض أقوال أهل الأهواء التي ضخَّمت من هذا الحديث، وأوهمت بإعطاء العِترة من المكانة في التَّشريع ما لم يأذنْ به الله؛ فكلُّ عاقل منكم يعلم أنَّه ليس في قوله هو ولا فِعله ولا هَدْيه فلاحٌ إلَّا بمقدار اتِّباعه واستمساكه بهَدْي النبيِّ المعصوم صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم.
 
ومِن ثَمَّ فلا حاجةَ، ولا فرحَ، ولا مزيَّةَ، ولا فخرَ لأحدٍ منكم بأن يظنَّ أنَّ قولَه أو فِعله، أو قول أحدٍ من الناس وفِعله يكون حُجَّةً بمنزلة قول محمَّد بن عبد الله، وفِعله، صلواتُ الله وسلامُه وبركاتُه عليه.
 
أسأل اللهَ تعالى أن يَدلَّنا على الحقِّ، وأن يُرشِدنا إلى الصِّراط المستقيم.
 
والحمدُ لله ربِّ العالَمين،،،
 
 
 
*****
 
 
 
 
 
 
([1]) أخرجه البزَّار (864)، وأبو نُعَيم في ((حلية الأولياء)) (9/64).
 
([2]) أخرجه أحمد (11119) و(11147)، وأبو يَعلَى (1027) وابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (2/194)، وابن الجَعد في ((مسنده)) (2711)، والآجُريُّ في ((الشريعة)) (1702)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (3/66) (2679).
 
([3]) أخرجه الخطيب في ((المتفق والمفترق)) (2/31)
 
([4]) أخرجه ابن أبي عاصم في ((السُّنة)) (1465)
 
([5]) أخرجه بَقيُّ بن مَخلَد في ((الحوض والكوثر)) (16)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (3052) و(2683)، وأبو نُعَيم في ((حلية الأولياء)) (1/355).
 
([6]) أخرجه أحمد (19332)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (3/66)، و(5/167)، والبزَّار (4325) والنَّسائي في ((السُّنن الكبرى)) (8464)، والطَّحاوي في ((شرح مُشكِل الآثار)) (1765).
 
([7]) أخرجه أحمد (21618) و(21697)، وابن أبي شَيبة في ((المصنف)) (32337)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (5/153) (4921).
 
([8]) أخرجه الطبراني كما في ((مجمع الزوائد)) (5/198).
 
([9]) أوردَه الذهبيُّ في ((نسخة نُبيط)) (29).
 
([10]) واختصارًا سأذكر الشاهدَ منها فقط.
 
([11]) أخرجه إسحاقُ بن رَاهُوْيهِ كما في ((إتحاف الخِيَرة المَهَرة)) للبُوصِيري (7/210)، و((المطالب العالية)) لابن حجر (4/252). والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (1760). وفي سنده كثير بن زيد: قال أحمد بن حنبل: ما أرى به بأسا، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو زرعة: صدوق فيه لين، وقال النسائي: ضعيف، وقال أبو جعفر الطبري: وكثير بن زيد عندهم ممن لا يحتج بنقله. وقال ابن حبان: كان كثير الخطأ على قلة روايته لا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد، وقال ابن حجر: صدوق يخطىء.
 
 ينظر: ((الجرح والتعديل)) (841)، ((الضعفاء والمتروكين)) (505)، ((المجروحين)) (894)، ((تقريب التهذيب)) (5611)، ((تهذيب التهذيب)) (745).
 
والحديث صحَّح إسناده الحافظ ابن حجر في ((المطالب العالية)) (4/252).
 
([12]) [إسناده ضعيف] أخرجه عَبْدُ بن حُمَيد في ((مسنده)) (240).
 
وفي سنده يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني؛ متَّهم بالكذب، وسِرقةِ الحديث. ينظر: ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (399)، ((تقريب التهذيب)) لابن حجر (7591).
 
([13]) أخرجه الترمذي (3788)، والفَسَوي في ((المعرفة والتاريخ)) (1/536)، والشَّجري في ((ترتيب الأمالي)) (738). قال الترمذيُّ: (حسن غريب). وفي سنده عليُّ بن المنذر كوفي؛ قال عنه النَّسائي: شيعيٌّ محض، ثِقة. وقال ابن حجر: صدوق يتشيَّع. ينظر: ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (1128)، و((تقريب التهذيب)) لابن حجر (4803)، وفي سنده أيضًا: محمَّد بن فُضيل؛ قال أحمد: كان يتشيَّع، وكان حسنَ الحديث. ووثَّقه يحيى بن معين، وذكَره ابن حبَّان في ((الثقات))، وقال: كان يَغْلُو في التشيُّع. وقال أبو داود: كان شيعيًّا محترقًا. ينظر: ((تهذيب الكمال)) للمزي (26/297)، و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (660).
 
والحديث ضعَّفه الإمام أحمد؛ قال شيخُ الإسلام ابن تيميَّة في ((منهاج السنة )) (7/394): (سُئل عنه أحمدُ بن حنبل، فضعَّفه، وضعَّفه غيرُ واحد من أهل العِلم، وقالوا: لا يصحُّ)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (3788).
 
([14]) [إسناده ضعيف] أخرجه الحاكم (4577)، والشجري في ((ترتيب الأمالي)) (712). وفي سنده: محمَّد بن سَلمة بن كُهَيل؛ واهٍ. ينظر: ((الثقات)) لابن حبان (10505)، ((ميزان الاعتدال)) للذهبي (7614).
 
([15]) [إسناده ضعيف] أخرجه الترمذي (3786)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (3/66) (2680)، قال الترمذي: حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه. وقال الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (5/89): (لم يَروِ هذا الحديثَ عن جعفر بن محمَّد إلَّا زيدُ بن الحسن الأنماطي)، وزيد هذا قال عنه أبو حاتم: منكَر الحديث، وقال الذهبي: ضُعِّف. وضعَّفه ابن حجر. ينظر: ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (2533)، ((الكاشف)) للذهبي (1731)، ((تقريب التهذيب)) لابن حجر (2127).
 
والحديث صحَّحه الألبانيُّ في ((صحيح سنن الترمذي)) (3786).
 
([16]) [إسناده ضعيف] أخرجه أحمد (11578)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (1553)، وأبو يَعلَى (1140)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (3/65) (2678)، والبغوي في ((شرح السنة)) (3914) واللفظ له. وفي سنده عطية العوفي ضعفه أحمد، وأبو حاتم الرازي وقال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به ولا كتابة حديثه إلا على جهة التعجب. وقال ابن حجر: صدوق يخطئ كثيرا وكان شيعيًّا مدلسًا. ينظر: ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (6/383)، ((المجروحين)) لابن حبان (2/176)، ((تقريب التهذيب)) لابن حجر (4616)
 
([17]) [إسناده ضعيف] أخرجه أحمد في ((فضائل الصحابة)) (170)، وفي سنده: إسماعيل بن موسى ابن بنت السُّدِّي؛ قال ابن عدي: أنكروا عليه الغلو في التَّشَيُّع وَأما في الرِّواية فقد احتمله النَّاس وَرووا عنه. ينظر: ((الكامل في الضعفاء)) (1/529)
 
وفيه: أبو الجَحَّاف - واسمه داود بن أبي عَوف؛ قال ابن حجر: صدوق، شيعيٌّ، ربَّما أخطأ. ينظر: ((تقريب التهذيب)) (1811).
 
وفيه عطيَّة العَوفي؛ ضعيف، وقد تقدم الكلام عليه.
 
([18]) [إسناده ضعيف] أخرجه الترمذي (3788). قال الترمذي: حسنٌ غريب. وفي سنده عطيَّة العوفي أيضًا، والحديث صحَّحه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (3788).
 
([19]) [إسناده ضعيف] أخرجه بَحْشَل في ((تاريخ واسط)) (ص50)، وفي سنده مجهول.
 
([20]) أخرجه البيهقيُّ في ((شُعب الإيمان)) (3315).
 
ضعَّف إسنادَه البيهقيُّ، والسَّخاوي في ((الأجوبة المرضية)) (2/546)، وصحَّحه لغيره الألبانيُّ في ((صحيح الترغيب)) (2187).
 
([21]) [صحيح] أخرجه الحاكم في ((المستدرك))، والمروزيُّ في ((السُّنة)) (68)، والعُقيلي في ((الضعفاء الكبير)) (2/250)، (318)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (5/449).
 
قال الحاكم: احتجَّ البخاريُّ بأحاديث عِكرمة، واحتجَّ مسلمٌ بأبي أُويس، وسائرُ رُواته متَّفق عليهم. وقال المنذريُّ في ((الترغيب والترهيب)) (1/61): أصلُه في الصَّحيح. وجوَّد طريقَه ابنُ الملقِّن في ((البدر المنير)) (6/693)، وصحَّح إسنادَه ابنُ القيِّم في ((تهذيب السنن)) (7/279)، وصحَّحه ابن العربي في ((أحكام القرآن)) (4/250)، والألبانيُّ في ((صحيح الترغيب)) (40).
 
([22]) [إسناده ضعيف] أخرجه أبو نُعَيم في ((تاريخ أصبهان)) (1/138).
 
وفيه يَزيد الرَّقَاشي: قال البخاري: تكلَّم فيه شُعبة. وقال أبو داود عن أحمدَ: لا يُكتب حديث يزيد. وقال ابن مَعِين: رجل صالح وليس حديثُه بشيء. وقال أبو حاتم: في حديثه ضَعْف. وقال النَّسائي والحاكمُ أبو أحمد: متروكُ الحديث. وقال ابن عَديٍّ: له أحاديثُ صالحةٌ عن أنس وغيره، وأرجو أنه لا بأسَ به؛ لروايةِ الثقات عنه. ينظر: ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (11/271)
 
([23]) أخرجه البزَّار (8993) واللفظ له، والعُقيلي في ((الضعفاء الكبير)) (2/250)، وابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) (4/69)، والدارقطني (4/245)، والحاكم (4321).
 
وفي سنده صالحٌ الطَّلحي؛ ضعَّفوه، انظر: ((ذخيرة الحفاظ)) لابن القيسراني (2/1010)، و((المهذب)) للذهبي (8/4105)، والحديث صحَّحه ابن حزم في ((الإحكام في أصول الأحكام)) (2/251)، والألبانيُّ في ((صحيح الجامع)) (3232).
 
([24]) [إسناده ضعيف] أخرجه الخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) (1/275).
 
فيه: سيف بن عُمر؛ قال ابن مَعين: ضعيفُ الحديث. وقال أبو حاتم: متروكُ الحديث، يُشبه حديثُه حديثَ الواقديِّ. وقال أبو داود: ليس بشيءٍ. وقال النَّسائيُّ والدارقطنيُّ: ضعيف. ينظر: ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (4/259).
 
وفيه أيضًا: أَبَان بن إسحاق الأسديُّ، والصَّبَّاح بن محمَّد؛ مختلَف فيهما. ينظر: ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (1/275)، و((المجروحين)) لابن حبان (1/413)، و((معرفة الثقات)) للعجلي (757) و((تقريب التهذيب)) لابن حجر (2898).
 
([25]) [إسناده ضعيف] أخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (5/448).
 
وفيه: عبد الله بن لَهِيعة؛ ضعيفٌ. ينظر: ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (5/147)، ((المجروحين)) لابن حبان (1/431)، ((تاريخ أسماء الضعفاء والكذابين)) لابن شاهين (ص118)، ((الكاشف)) للذهبي (2934)، و((تقريب التهذيب)) لابن حجر (3563).
 
([26]) أخرجه الطبريُّ في ((تاريخه)) (12/181) بإسناد رجالُه ثقات، إلَّا شيخ الطبري محمَّد بن حُمَيد الرازي.
 
([27]) [إسنادُه ضعيفٌ جدًّا] أخرجه ابن عبد البَرِّ في ((جامع بيان العلم وفضله)) (1389)، والشجري في ((ترتيب الأمالي)) (753)؛ وفيه إسحاق بن إبراهيم الحُنَينيُّ، وكثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف؛ ضعيفان. ينظر: ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (1/194) و(8/377).
 
([28]) أخرجه البيهقيُّ في ((دلائل النبوة)) (5/448).
 
وفيه: ابن أبي أويس؛ قال أحمد: لا بأسَ به. وقال يحيى بن مَعين: صدوق، ضعيفُ العقل، ليس بذلك. وقال أبو حاتم الرازي: محلُّه الصدق، وكان مغفَّلًا. ((الجرح والتعديل)) (613).
 
([29]) أورده الواقديُّ في ((مغازيه)) (2/577).
 
والواقديُّ: متروك الحديث. ينظر: ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (9/323).
 
([30]) أخرجه مالك بلاغًا في ((الموطأ)) (2/899).
 
قال ابن عبد البَرِّ في ((التمهيد)) (24/331): محفوظٌ، معروفٌ، مشهورٌ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عند أهل العِلم، شهرةً يكاد يُستغنَى بها عن الإسناد.
 
([31]) انظر: ((الفائق)) للزمخشري (1/170).
 
([32]) انظر: ((مشارق الأنوار على صحاح الآثار)) (1/134).
 
([33]) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) (15/180).
 
([34]) انظر: ((تفسير البغوي)) (7/447).
 
([35]) أخرجه أبو داود (4607)، والترمذيُّ (2676)، وابن ماجه (42)، وأحمد (17184)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
 
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في ((جامع بيان العلم)) لابن عبد البَرِّ (2/1164)، وابنُ تيميَّة في ((مجموع الفتاوى)) (20/309)، وابن الملقِّن في ((البدر المنير)) (9/582)، والعراقي في ((الباعث على الخلاص)) (1)، وابن حجر العسقلاني في ((موافقة الخبر الخبر)) (1/136).
 
([36]) أخرجه البخاريُّ (5063)، ومسلم (1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
 
([37]) أخرجه مسلم (867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
 
([38]) أخرجه أبو داود (4604)، والترمذي (2664)، وابن ماجه (12)، وأحمد (17213) من حديث المِقدام بن مَعْدِ يكَرِبَ رضي الله عنه. جوَّد إسنادَه أحمدُ الحكمي في ((معارج القبول)) (3/1217)، وابنُ باز في ((مجموع فتاواه)) (1/245)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (4604)، وحسَّنه لغيره الوادعيُّ في ((صحيح دلائل النبوة)) (591)، وصحَّح إسنادَه ووثَّق رجالَه شُعيبٌ الأرناؤوط في تحقيق ((مسند أحمد)) (4/130).
 
([39]) بلاغًا، وتقدَّم تخريجه.
 
([40]) ((روضة الناظر)) (1/470).
 
([41]) ((الإحكام في أصول الأحكام)) (1/308).
 
([42]) ((منهاج السنة النبوية)) (7/393-397).
 
([43]) ((الصواعق المحرِقة)) (2/439).
 
([44]) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) (9/ 3975).
 
([45]) ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (4/260).
 
([46]) أخرجه مسلم (2408) من حديث زيد بن أَرقمَ رضي الله عنه.
 
([47]) ((المفهِم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) (20/51).
 
([48]) ((تفسير ابن كثير)) (7/201).
 
)[49]) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) (9/3967).
 
([50]) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (3/37).
 
([51]) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (9/34).
 
([52]) انظر: ((النهاية في غريب الحديث والأثر))لابن الأثير، مادة (عتر)، ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (7/395)، ((التنوير شرح الجامع الصغير)) للصنعاني (2/376).
 
([53]) أخرجه الترمذي (3662)، وابن ماجه (97)، وأحمد (23293).
 
حسنه الترمذي، وابن عبدالبر في ((جامع بيان العلم)) (2/1165)، وابن حجر في ((موافقة الخبر الخبر)) (1/143)، وصححه ابن العربي في ((العواصم من القواصم)) (252)، وابن الملقن في ((شرح البخاري)) (13/555)، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (3662).
 
المصدر موقع الدر السنية
 
الاسم: 
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
مرات التقييم:«33»

طلابُ العلمِ والدعاةُ في رمضان

علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
 
شهرُ رمضانَ شهرُ الصيامِ والقيامِ وقراءةِ القرآنِ، هذا ما يعرفهُ ويردِّدُهُ كثيرٌ من المسلمينَ، والجميعُ مشتركونَ فيه إلا مَنْ حَرَمَهُ اللهُ، فتجدَ الداعيةَ وغيرَ الداعيةِ وطالبَ العلمِ والعاميَّ يصومونَ رمضانَ ويصلونَ التراويحَ ويُكثرونَ من قراءةِ القرآن، فما الذي يُميِّزُ طالبَ العلمِ والداعيةِ إلى اللهِ في رمضانَ عن غيرِه؟ هل يكتفي بصيامِ النهارِ وصلاةِ التراويح التي لا تزيدُ مدتُها في أغلبِ المساجدِ عن ساعةٍ واحدةٍ؟! ويقرأُ جزءاً من القرآنِ يختمُ به المصحفَ آخرَ الشهرِ؟! إذا كانَ الأمرُ كذلكَ - وهذا حالُ الكثيرينَ منهمْ للأسفِ- فما الفرقُ بينَه وبينَ عامَّةِ النَّاسِ ونحنُ نراهم يفعلونَ ذلكَ في كلِّ رمضان؟! الأمرُ إذن يحتاجُ إلى وقفةِ تأملٍ ومحاسبةٍ، فإذا أضفنا إلى ذلكَ أن بعضَ الدعاةِ وطلبةَ العلمِ قدْ يشتركونَ معَ العامَّةِ أيضاً في السهرِ ليالي رمضانَ وضياعِ الأوقاتِ - لكنْ أولئكَ في المحرماتِ وهؤلاء في المباحاتِ- من خلالِ كثرةِ تصفحِ الانترنت ومشاهدةِ التلفازِ خاصَّةً بعدَ انتشارِ بعضِ القنواتِ النافعةِ، وهذا في حقِّهم قبيحٌ في غيرِ رمضانَ فكيفَ بهِ في رمضان؟! وأقبحُ منهُ ضياعُ صلاةِ الظهرِ جماعةً في المسجدِ بسببِ السَّهرِ!
وبعضُهم ربما اقتصرَ الاجتهادَ في العبادةِ على أواخرَ شهرِ رمضانَ محتجاً بحديثِ: ((كانَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ إذا دخلَ العشرُ الأواخرُ شدَّ المئزرَ وأيقظَ نساءَه)) والحديثُ فيه زيادةٌ الاجتهادِ في العبادةِ في العشرِ الأواخرِ وليسَ فيهِ اقتصارُها على العشر.
ومنهم منْ يقدِّمُ بعضَ الشكلياتِ على الأساسياتِ، فتجدُه يتنقلُ يومياً من مسجدٍ إلى آخرَ بحثاً عن صاحبِ الصوتِ الجميلِ في القراءةِ فلا يقنعُ بهذا ولا ذاكَ زاعماً أنَّ الصلاةَ خلفَ صاحبِ الصوتِ الجميلِ أخشعُ للقلبِ، ونحنُ لا ننكرُ أنَّ القراءةَ الحسنةَ لها تأثيرٌ على النُّفوسِ، لكن ما بالُ صاحبِنا هذا يعزِفُ عنْ أصحابِ القراءاتِ والصلواتِ الخاشعةِ المؤثرةِ طلباً للصوتِ الجميلِ فحسب؟! وآخرَ يتنقلُ من مسجدٍ إلى آخرَ بحثاً عن صاحبِ القنوتِ الطويلِ المسَجَّعِ! أمَّا منْ يبحثُ منهم عنْ قِصَرِ الصلاةِ فهذا لهُ شأنٌ آخر!
ومنَ المظاهرِ الجيدةِ التي انتشرتْ في السنواتِ الأخيرةِ بين الدعاةِ وطلابِ العلمِ إحياءُ سُنَّةِ الاعتكافِ بعدَ أنْ هَجَرَها كثيرٌ من المسلمين، لكنْ منَ الأخطاءِ في ممارسةِ هذهِ الشعيرةِ أنها تتحولُ أحياناً إلى مسامرةٍ يضيِّعونَ فيها أوقاتَهم ويخسرونَ بسببها لذةَ هذهِ العبادةِ.
ومنَ المظاهرِ الجيدةِ أيضاً جِوارُ كثيرٍ منَ الدعاةِ لبيتِ اللهِ الحرامِ والحرصُ على الصلاةِ فيهِ طمعاً في مضاعفةِ الأجرِ، لكنْ لا ينقضي العجبُ من ظاهرةٍ كَثُرتْ في الآونةِ الأخيرةِ عندَ بعضهم، ألا وهيَ حرصُهم على الصلواتِ الجهريةِ في المسجدِ الحرامِ دون السِّرِّيَّةِ، بلْ حرصُهم على صلاةِ التراويحِ والقيامِ أكثرَ منْ حرصِهِم على بعضِ الصلاةِ المفروضةِ علماً أنَّ مضاعفةِ الأجرِ في صلاةِ التطوعِ فيها خلافٌ بين العلماءِ مشهورٌ بخلافِ الصلواتِ المفروضةِ، وأعجبُ منْ ذلكَ صلاةُ بعضهم الظهرَ مع العصرِ قصراً و جمعاً في سكنهم القريبِ منَ المسجدِ الحرامِ بحجةِ أنَّهم مسافرون! ولئنْ أفتى بعضُ العلماءِ بجوازِ ذلكَ فهوَ لا يليقُ لأصحابِ المراتبِ العاليةِ ولمن يُقْتدى بهم.
نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته وأن يجعلنا بعد رمضان خيراً مما كنا قبل رمضان.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
مرات التقييم:«130»

عرض ونقد لكتاب «الحرية أو الطوفان» للدكتور حاكم المطيري

مؤسسة الدرر السنية

أولًا: عرْض الكتاب

ظهَر هذا الكتاب قُبيل اندلاع الثورات في العالم العربي، وأُعجب به كثيرٌ من الناس، بينما تناولته طائفةٌ بالنقد، وإبداء بعض الملاحظات، ثم في الطبعة الثانية أضاف المؤلِّف إليها بعض الملحقات، وفيها ردَّ المؤلِّف على بعض هذه الانتقادات، وأجاب عن بعض تلك الإشكالات.

والكتاب فيه أمورٌ كثيرة حسَنة وجيِّدة؛ كتأكيد المؤلِّف على وجوب الرُّجوع إلى نصوص الشرع كتابًا وسُنَّة، واتِّباع سُنَّة الخلفاء الراشدين، وذكر الأمثلة الناصعة من الخلفاء الذين انتهجوا نهج العدل بين الرعية، وكذا ذكر أمثلة لأكابر العلماء والفقهاء الذين نصحوا للأمراء، وتأكيده على أنَّ الأمَّة جميعًا ملزَمة ببذل كل ما تَستطيع للنهوض للإصلاح ونيل الكرامة والحريَّة الحقَّة. وكذا ردُّه على الاتجاه العلماني الجارف المولَع بفصل الدِّين عن الدولة، وتأكيده على أنَّ الإسلام دين ودولة معًا، وتأكيده على وجوب التَّحاكُم إلى شرع الله تعالى واعتقاد حاكمية الله تعالى لكل شيء في هذا الكون، وأن َّالقوانين الوضعيَّة المخالفة لشرع الله تعالى وتحكيمها في دماء العباد وأعراضهم وإنزالها منزلةَ الشرع المطهَّر، هو من حُكم الجاهليَّة، ومن الكُفر بخالق السَّموات والأرض، وكذا حديثه عن الجهاد وأهميَّته وتأكيده على أنَّه بنوعيه (جهاد الدفع، وجهاد الطلب) فرْض في الجملة.

وقد تألَّف الكتاب من ثلاثة فصول، بحسب المراحل التاريخيَّة للخطاب السياسي الشرعي، ولكلٍّ منها خصائص وملامح تميزها:

الفصل الأوَّل: المرحلة الأولى: مرحلة الخطاب السِّياسي الشَّرعي المنزَّل، وتبدأ من بقيام الدولة الإسلاميَّة في المدينة بعد هجرة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم إليها، إلى وفاة آخر خليفة صحابي هو عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنه (سنة 73هـ)، وتتميَّز هذه المرحلة بضرورة الدولة للدِّين، وأنه لا دِين بلا دولة، وبضرورة إقامة السُّلطة، وأنه لا دولة بلا إمام، وأنه لا عقد بيعة إلَّا برضا الأمَّة واختيارها، ولا رضا بلا شورى، ولا شورى بلا حرية، وأنَّ الحاكميَّة والطاعة المطلقة لله ورسوله وطاعة ما سواهما مقيَّدة، وتحقيق مبدأ العدل والمساواة، وحماية الحقوق والحريَّات الفرديَّة والجماعيَّة وصيانتها، ووجوب الجهاد في سبيل الله.

الفصل الثاني: المرحلة الثانية: مرحلة الخطاب السِّياسي الشرعي المؤوَّل (73 هـ - 1350 هـ تقريبًا)، ومن خصائص هذه المرحلة مصادرة حقِّ الأمة في اختيار الإمام، وتحوُّل الحُكم من شورى إلى وراثة، ومصادرة حقِّها في الرأي والشورى، وتراجُع دورها في مواجهة الظلم والانحراف، وظهور المستبد العادل.

الفصل الثالث: المرحلة الثالثة: الخطاب السِّياسي الشرعي المبدَّل، وأهم ملامحها: إثبات عدم شرعية الخِلافة، وإثبات مشروعية التحاكم إلى القوانين الوضعيَّة، وإثبات عدم مشروعية الجهاد في سبيل الله.

ثانيًا: نقد الكتاب

مؤلِّف هذا الكتاب هو واحد مِن دُعاة الإصلاح الذين ينشدونه ويدْعون إليه بالعودة إلى فَهم السَّلف الصالح في أمور الدِّين كله عمومًا، وفيما يتعلَّق بأمور السياسة الشرعيَّة وأمور الشُّورى والحُكم خصوصًا، وهذا ممَّا يُمدح له، ويُشكر عليه، وفي الكتاب جُمل حسَنة، وأمور كثيرة متَّفق عليها، سبق الإشادة بها ولا نتعرَّض لها هنا لأنَّها واضحة ولا إشكال فيها، إلَّا أنَّ هناك بعض المآخذ على المؤلِّف وطريقته في الطَّرح، نذكُر أهمَّها في هذه العُجالة:

فمِن هذه المآخِذ:

1- قوله (ص: 13): (ضرورة الدَّولة للدِّين، وأنَّه لا دِين بلا دولة):

وهذا هو أوَّل المبادئ لمرحلة الخطاب المنزَّل التي ذكَرها المؤلِّف؛ يقول (ص: 13 - 14): (وتتميَّز هذه المرحلة بوضوح المبادئ التالية: ضرورة الدَّولة للدِّين، وأنَّه لا دِين بلا دولة: فقد تجلَّى مبدأ ضرورة قيام الدولة، أنَّ الإسلام دِين ودولة في هذه المرحلة؛ إذ لا يُتصوَّر أن يكون الإسلام الرسالة الخالدة للإنسانيَّة، والشريعة الكاملة التي ارتضاها الله للبشرية، دون دولة تتجلَّى فيها أحكام هذه الرِّسالة، وتُقام فيها الواجبات والحقوق والحدود التي تصون هذه الحقوق، وقد أكَّد القرآن ضرورة الدولة في آيات كثيرة كغاية وهدف؛ كما في قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ...} [النور: 55]... ومعلوم أنَّ أكثر الواجبات لا يمكن أداؤه على الوجه الأكمل - بل لا يمكن أداؤه أصلًا - إلَّا في ظلِّ دولة تحكُم بالإسلام وتنفِّذ شريعته، كالزَّكاة و... وما لا يتم الواجب إلَّا به فهو واجب ضرورة... وقد عمِل على تحقيق هذه الغاية وهو في مكَّة... ولا يتحقَّق ذلك القسط إلَّا بإقامة دولة تُحقِّق هذا الهدف...).

التعقيب:

 ممَّا هو مُتَّفق عليه بين المسلمين كافَّة أنَّ دِين الإسلام شامل لكلِّ نواحي الحياة، وأنه دِين ودولة وأنَّ أمور الدولة تُساس وتصلُح بهذا الدِّين فقط، وأن القول بأنه لا دين في السياسة، أو أن الإسلام دين بلا دولة - الذي افتراه علي عبد الرازق في كتابه (الإسلام وأمور الحُكم)- هو قول أبطل من الباطل نفسه؛فأمور التشريع والسياسة، ونصب الأئمة والولاة، والحُكم بين الناس بالعدل، وإقامة الحدود، وجباية الزكاة، وأحكام الحرب والسلم...إلخ من أمور الخلافة والسياسة الشرعيَّة وضبط أمور الناس في معاشِهم - كل ذلك مُفصَّل ومبيَّن في كتاب الله تعالى وسُنَّة نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم بأتم تفصيل، وأوضح بيان، ممَّا لا يدع لأحد شكًّا أنَّ هذه الأمور كلها من الدِّين، الذي شرَعه ربُّ العالمين، وأنه كما - ذكَر المؤلِّف - مِن وسائل إقامة الدِّين.

وأمَّا القول بأنَّه لا دِين إلَّا بدولة، وأنَّ الدَّولة غاية وهدف، فهو قول غير صحيح؛ ولا ينبغي أن يُردَّ على التفريط بالغلو، بل أعدلُ الأمور أواسطها؛ فكم من الأنبياء والمرسَلين أقام الله تعالى بهم الدين، ولم تقم لهم دولة؛ ومنهم من هم من أولي العزم من الرسل كنوح أول المرسلين، وإبراهيم الخليل، وموسى الكليم، وعيسى المسيح – عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم، بل نبينا محمد صلَّى الله عليه وسلَّم أقام الدين في مكة ثلاث عشرة سنة في مكة، ومن توفاه الله تعالى من أتباعه في هذه المرحلة هل نقول إنه مات على دين ناقص؟! لا يقول بهذا أحد. على أن المسلمين مكلفون بما يستطيعون فإنْ عجزوا عن إقامة الدولة؛ فهم مكلفون بما يستطيعون من إقامة الدين، ولا إثم عليهم ودينهم كامل، ثم ما المقصود بالدولة التي هي ضرورة للدين عند المؤلف؛ أهي الخلافة العظمى التي ينضوي تحتها المسلمون كلهم في جنبات الأرض؟ أم هي الدويلات المتفرقة بالمفهوم المدني الحديث؟ هذا أمر يحتاج إلى تفصيل، وإن كان يشير في كلامه أنه يريد الخلافة العظمى، وهذا أمر صعب المنال، ولم يقل قائل بأن أحكام الدين تتوقف على إقامة الخلافة العظمى؛ إذًا لتعطلت كثير من أمور الدِّين.

2- حصْرُه سُنن الخُلفاء الراشدين في أمور الخِلافة وسياسة شؤون الأمَّة فقط:

يقول (ص: 252) عن دعوة الإمام محمَّد بن عبد الوهاب - بعدما أشاد بها وذكَر بعض الجوانب الإصلاحيَّة التي قام بها الشَّيخ -: (كما لم يتمَّ بحث هذه القضايا التي هي من المفاهيم السَّلفية التي أجمع عليها الصَّحابة، وهي ممَّا حث عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله: ((عليكم بسُنَّتي وسُنة الخُلفاء الراشدين))، وإنَّما المقصود سُننهم في أمور الخِلافة وسياسة شؤون الأمَّة...).

وحصْر المؤلِّف لسُنة الخلفاء الراشدين في أمور الخِلافة وسياسة شؤون الأمَّة، لم يقل به أحدٌ من العلماء فيما علمنا، بل هو عام في كلِّ أمور الدِّين ومنها هذه الأمور، وهذا صنيع العلماء الفقهاء وشراح الأحاديث واعتمادهم على ما رُوي عن الخلفاء الراشدين في كثير من مسائل الدِّين العلميَّة الاعتقاديَّة والعمليَّة الفقهيَّة، واعتماد رأيهم وإجماعهم في أي مسألة حُجَّة معمول بها، من ذلك ما جمع عمر عليه الصَّحابة من (مسائل من الفرائض كالعول، وفي زوج وأبوين وزوجة وأبوين أن للأم ثلث الباقي، وكقضائه فيمن جامع في إحرامه أنَّه يمضي في نُسكه وعليه القضاء والهدي، ومثل ما قضى به في امرأة المفقود، ووافقه غيره من الخلفاء أيضًا، ومثل ما جمع عليه الناس في الطلاق الثلاث، وفي تحريم متعة النساء)؛ [ينظر: (جامع العلوم والحِكم) لابن رجب (2/ 125)] وغير ذلك مما هو منثور في كتب التفسير والفقه وشروح الأحاديث والآثار. ثم إنَّ إخضاع النصوص للتأويل المتعسِّف، أو حصر معناها في معنًى واحد؛ لتوافق مذهبًا أو رأيًا معينًا خطأ منهجي كبير، وهو ما أنكره المؤلف نفسه، وادعاه على الفقهاء ومدوِّني العقائد أنهم أوَّلوا النصوص تحت ضغط الواقع السياسي - كما سيأتي.

3- قياسه بيعة الإمام على الوكالة وتهوينه من أمر فسخها:

قال المؤلِّف (ص: 28): (فإذا ثبت كلُّ ذلك، وأنَّه لا إمامة بلا عقْد البَيعة، ولا عقد إلَّا برِضا الطَّرفين، وأنَّه عقد وكالة: الأمَّة فيه هي الأصيل، والإمام هو الوكيل عنها في القيام بمهامَّ محدَّدة، وَفق صيغة محدَّدة، نصُّها: (بايعناك على بيعة رِضا، على إقامة العدل والإنصاف والقيام بفروض الإمامة)، أو: (بايعناك على الكتاب والسُّنَّة)،كما كان الصحابة يفعلون - إذا ثبَت ذلك كلُّه فإنَّه لا يوجد عقد في الشريعة يقتضي الاستدامة ولا يمكن فسخُه، بل جميع العقود التي تقبل الاستدامة وطول المدَّة - كالإجارة والوكالة والنِّكاح - يمكن فسخُها ورفْعُها، خصوصًا عقود الوكالة؛ إذ هي أوسعُ العقود في الشريعة الإسلاميَّة في هذا الباب؛ إذ لكلٍّ من طرفي العقْد فسخُه، فإنَّ للأصيل الحقَّ في عزل الوكيل متى شاء؛ إذ هو صاحب الحقِّ... فعقد الإمامة كغيرِه مِن العقود التي يُمكن فسخُها).

التَّعقيب:

 إنَّ تشبيه عقد بيعة الإمام بعقد الوكالة من كلِّ وجه لا يصحُّ؛ نعم هناك أوجه شبه، كما أنَّ ثمَّت فروقًا كثيرة بينهما، وهي مهمَّة جدًّا؛ من ذلك أن عقد الوكالة عقد جائز، أما عقد البيعة فالأصل أنَّه عقد لازم غير مؤقَّت وهذا صنيع الخلفاء الراشدين ولا نعرف لهم مخالفًا من الصحابة رضي الله عنهم، والبيعة عهد يجِب الوفاء به؛ لذا جاء التشديد والنهي عن فسخها، كقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((مَن كَرِهَ مِن أميرِهِ شيئًا فلْيَصْبِرْ: فإنَّهُ مَن خرج مِن السُّلطانِ شِبْرًا ماتَ مِيتَةً جاهليَّةً)) [رواه البخاري (7053) مسلم (1849)]، وغيره من الأحاديث. ثم إنَّ هذا التشبيه بعقد الوكالة من كلِّ وجه والزعم بجواز فسخها متى شاء الأصيل (الأمَّة)، يجعل هذا العقد عُرضةً للفسخ لأدنى موجِب ولو لم يكن في نفسه موجِبًا حقيقيًّا، كما أنه يُسقط كل تبعات هذا الفسخ من حصول المفاسد الكبيرة التي قد تطال الدماء، وتؤدِّي إلى التنازع والتقاتل على الإمارة. كما أن عقد الوكالة يمكن توقيته، أمَّا الأصلفي عقد البيعة فهو الاستدامة والتأبيد، كما أن البيعة لا تجوز لأكثر من واحد في وقت واحد، بينما تجوز الوكالة لأكثر من واحد في وقت واحد. وأيضًا لا يجوز عقد البيعة للمرأة، وهذا جائز في الوكالة...إلخ من هذه الفروق. فالذي ينبغي ألَّا يعد عقد البيعة كعقد الوكالة من كل وجه، وألا يُستهان بأمْر فسخه، وآثار ذلك وتَبعاتِه كبيرة كما هو معلوم.

4- قوله (ص: 63): (فاعتقاد وَحدانية الله في حاكميته هو الأصل الذي يقوم عليه توحيده في عبادته وطاعته، والأمر الوارد في الآية (أمَر) هو فرد من أفراد (الحُكم) ونوع من أنواعه، فلكون الحاكمية لله عز وجل، ولكونها حقًّا من حقوقه التي لا ينازعه فيها أحد؛ لهذا أمر ألا يعبد إلا هو، فلا يعرف التوحيد من الشرك، ولا الطاعة من المعصية، ولا الإيمان من الكفر إلا بحكم الله، فمن لم يثبت هذا الأصل الإيماني العظيم - أي توحيد الله المطلق في حاكميته وإفراده بها – لم يسلم له توحيد الله في عبادته وطاعته؛ إذ العبادة والطاعة لله لا تعرف إلا عن طريق حكم الله وشرعه، ولا سبيل لالتزام حكم الله إلا بالإقرار والإيمان بأنه وحده الذي له الحكم والتشريع والأمر، كما له الخلق: {أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: ٥٤[).

وفي هذا التأصيل غلوٌّ في مسألة الحاكميَّة؛ نعم! الحُكم لله تعالى وحْده، وأنَّه من مقتضيات توحيد الرُّبوبيَّة؛ فمِن خصائص الربِّ الحُكم والقضاء، ومِن مقتضيات توحيدِ الألوهيَّة؛ فتحكيم الله تعالى في كلِّ الأمور عبادة لا تُصرف إلَّا له وحده؛ فإنَّ الله تعالى هو الحَكم. أمَّا أنَّه الأصل الذي ينبني عليه توحيد العبادة والطاعة؛ فهذا هو ظاهر نصوص الأدلَّة كما في قوله تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((حقُّ الله على العباد أنْ يَعبدوه ولا يُشركوا به شيئًا)) [رواه البخاري (2856)، ومسلم (30)] ...إلخ؛ وهو فيما نعلم مخالِفٌ لتأصيل العلماء في ذلك؛ فإنَّهم عكسوا الأمر وجعلوا توحيد الله تعالى في عبادته هو الأصل، ومن ضِمنه إفرادُه سبحانه بالحُكم.

5- ومن المآخذ أيضًا: قول المؤلِّف في ذكره لأهمِّ أسباب شيوع الخِطاب السِّياسي المؤوَّل - على حدِّ تعبيره – (ص: 166 - 169): (إنَّ الأسباب التي أدَّت إلى شيوع هذا الخِطاب المؤوَّل كثيرة؛ أهمها: 1- نظر أصحاب هذا الخطاب إلى حوادث التاريخ نظرةً جزئيَّة لا نظرة كليَّة، فظنُّوا أنَّ كلَّ خروج لم يترتَّب عليه سوى الفساد؛ قال ابن القيِّم: (الإنكار على الملوك والخروج عليهم أساسُ كلِّ شرٍّ وفتنة إلى آخر الدهر). ولم ينظروا إلى الحوادث التي ترتَّب عليها كثير من الصَّلاح؛ فقدْ خرج ابن الزبير على يزيد وكان عهده خيرًا من عهدهم، وظهور شيخ الإسلام محمَّد بن عبد الوهاب وأقام دولته مع محمد بن سعود، وكان عصرهم خيرًا ممَّن قبلهم... إلخ. وحوادث التاريخ كثيرة جدًّا، بل هذا تاريخ شعوب العالم كلِّه يؤكِّد عدم صحَّة هذه النظرية... ثم استدلَّ بالثورات في أوربا وثورة إيران، وأنَّ الحال بعدها عندهم كان خيرًا من الحال قبلها...

ثم قال: 2- خلْطهم بين مفهوم الخروج السياسي لمواجهة طغيان السُّلطة دفاعًا عن الأمَّة، ورفعًا للظُّلم عنها، ومفهوم الخروج العقائدي الذي يستحلُّ أصحابه دماء المسلمين وأموالهم ويُكفِّرونهم، وهم الذين جاءت النصوص بذمِّه... ثم ذكر كلام شيخ الإسلام ابن تيميَّة في التفريق بين قتال الخوارج وقتال البغاة، وإنكاره على الفقهاء الخَلْطَ بينهما...).

والردُّ على هذا من وجوه:

أوَّلها: أنَّ في هذا الكلام ازدراءً لأهل العلم واتهامًا لهم بالسطحيَّة والجزئية والخَلط في الحُكم على الأمور، وهذا لا يليق بهم، وخُصوصًا العلَّامة ابن القيِّم الذي اشتهر بأنَّه من المحقِّقين، وفي كلام ابن تيميَّة الذي استشهد به المؤلِّف ما يدفع هذا عن عامَّة أهل الحديث والفقهاء والمتكلِّمين، وعليه نصوص أكثر الأئمَّة وأتباعهم من أصحاب مالك وأحمد والشافعي وغيرهم. على أنَّ ابن تيميَّة أيضًا داخل عند المؤلِّف في ضِمن أصحاب الخطاب المؤوَّل؛ إذ لم يستثنه المؤلِّف وأشار إلى شيوع ذلك الخِطاب عنده أيضًا كما في (ص: 164)! وسيأتي مزيدُ بيان لهذه النقطة.

ثانيها: أنَّ حوادثَ التاريخ شاهدةٌ بصِدق وصحَّة كلام المحقِّق ابن القيِّم رحمه الله تعالى؛ فإنَّ الذين خرجوا على الحجَّاج ندموا بعد ذلك؛ لكثرة ما أُسيل من الدماء.

وثالثها: أنَّ تقسيم المؤلِّف الخروج على الحاكم المسلِم قِسمين: الأوَّل: خروج سياسي، وهو غير مذموم، والثاني: خروج عقائدي، وهو الذي جاءت النُّصوص بذمِّه، وقياسه هذا الأمر على ما ذكره ابن تيميَّة في قتال البغاة وقتال الخوارج - غير متَّجه أيضًا، ويحتاج إلى تأمُّل؛ لأنَّ أصل الخروج هو الخروج عن بيعة الإمام سواء كان سياسيًّا أو عقديًّا، وهذا ممَّا ورد النهيُ عنه، إلَّا لمن رأى كفرًا بواحًا وقدَر على خلعه بغير مفسدة متوقَّعة أكبر من مفسدة وجوده؛ فهذا هو الواجب حينئذٍ.

ورابعها: أنَّ هذا يؤدِّي إلى الخروج والفِتنة إلى ما لا نهاية؛ فالعباسيُّون خرجوا على الأمويِّين وامتدح المؤلِّف هذا الخروج، وجعله ناقضًا لكلام السَّلف، ثم ذكر أنَّ أبا حنيفة كان يستحبُّ أو يوجب الخروجَ على العباسيِّين ويرى أنَّ قتالهم خيرٌ من قتال الكفَّار! فهذا خروج على مَن خرج، وهكذا إلى ما نهاية، وإغراق للأمَّة في الدِّماء والفِتنة.

وخامسها: أنَّ الزعم بأنَّ عصر العباسيِّين أفضلُ من عصر الأمويِّين غيرُ مسلَّم للمؤلِّف؛ فلقد ظهر في عهد العباسيِّين القولُ بخلق القرآن، وعُرِّبت كتب اليونان التي أدخلت مِن الفساد على عقائد الأمَّة ما الله تعالى به عليم، وصِيغت الشريعة صياغة فلسفيَّة، وقرِّب أهل البدع...إلخ، إضافةً إلى أنَّ بني أُمية كان فيهم الخليفةُ العادل عمر بن عبد العزيز، مع انتشار الإسلام وكثرة الفتوح فيها، (ثم السُّنة كانت قبل دولة بني العبَّاس أظهر منها وأقوى في دولة بني العبَّاس؛ فإنَّ بني العبَّاس دخل في دولتهم كثيرٌ من الشِّيعة وغيرهم من أهل البِدع) كما يقول شيخ الإسلام في (منهاج السنة) (4/ 130).
وسادسها: أنَّ كثيرًا ممَّن دخل في القتال ووصَفه المؤلِّف بأنَّه خروج واستدلَّ به، قد ندِموا على ما وقعوا فيه، مع ما في توصيف المؤلِّف من نظر أيضًا؛ يقول شيخ الإسلام في ((منهاج السنة)) (4/ 116، وما بعدها): (وهكذا عامَّة السابقين ندِموا على ما دخلوا فيه من القتال؛ فندِم طلحة والزُّبير وعلي رضي الله عنهم أجمعين، ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء قصد في القتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم...إلخ). كما أنَّ ابن الأشعث ومَن معه الذين خرَجوا على الحجَّاج والْتقوا هم والحجَّاج إحدى وثمانين وقعةً، سالت فيها دماءٌ كثيرةٌ، وانتصروا في هذه المعارك، إلَّا أنَّهم في آخر وقعة (يوم دير الجماجم سنة 83هـ) هُزِموا هزيمة نكراء! وأصبحوا ما بين قتيل وشريد وسجين، حتى تمنَّوا أنهم لم يكونوا شاركوا في هذا القتال وأنْ لو لم يفعلوا لكان خيرًا لهم، وقد استدلَّ المؤلِّف بهذه الهزيمة على هزيمة الفقهاء وتأويلهم للخِطاب السِّياسي الشرعي بناءً على هذه الهزيمة! وهذا من تحليله وتحميله الواقع أكثرَ ممَّا يحتمل.

6- التَّحديد الزَّمني للمرحلة الثانية من مراحل الخطاب السِّياسي الشَّرعي (مرحلة الخطاب المؤوَّل)، والتَّعميم في الحُكم عليها:

ذكر المؤلِّف (ص: 105 - 238) أنَّ من أهمِّ ملامح المرحلة الثانية - والتي حدَّدها زمنيًّا (من 73 هـ - إلى 1350 هـ تقريبًا)، وفي (ص: 206) أنَّها بدأتْ (منذ نصف القرن الأول تقريبًا)-: مصادرةَ حق الأمَّة في اختيار الإمام، وتحوُّل الحُكم من شورى إلى وراثة، ومصادرة حقِّها في الرأي والشورى، وتراجُع دورها في مواجهة الظُّلم والانحراف، وهذا الفصل هو من أكبر فصول الكتاب.

فأولًا: المؤلِّف في تحديده الزَّمني لهذه المرحلة غير مسبوق، وليس على هذا التحديد دليلٌ صريح، بل معالم الخِطاب السِّياسي المنزَّل - على حدِّ قوله - كانت قائمةً       إلى حدود سنة ستٍّ ومئة، ويُشير إلى هذا كلام الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (13/ 214 - 215) في شرحه لحديث: ((تدور رَحَى الإسلام على خمس       وثلاثين أو ستٍّ وثلاثين، فإنْ هلكوا فبسبيل مَن هلك، وإن بقُوا بقِيَ لهم دِينُهم سبعين سَنَة))، على أنَّ الحديث لم يتعرَّض لبقاء الخلافة أو الدولة، بل نصَّ على   بقاء الدِّين، فضلًا أنَّ تلك المرحلة - على تحديد المؤلِّف - قد طالتْ لقرون عديدة، ويصحُّ أنها شمِلت تاريخَ أمَّة الإسلام كلَّه إلَّا 73 عامًا أو نِصف القرن الهجري الأوَّل فقط؛ كل هذه المدَّة المديدة تعيش أمَّة الإسلام مرحلة الخِطاب المؤوَّل المخالِف للخطاب المنزَّل – على حسَب رأي المؤلِّف!

وثانيًا: أنَّ الناظر بعين الإنصاف والبصيرة يجِد أنَّ هذه الأحكام لا تنطبق على كلِّ هذه المرحلة الزمنيَّة الكبيرة، ولا على مُعظمِها، بل كانت بعض تلك المراحل من أزهى عصور الإسلام، خصوصًا وأنَّ تلك المرحلة يدخل فيها قرنانِ ورُبع من القرون المفضَّلة الأولى، وكثير من الخلفاء والأمراء قد اتَّصفوا بالعدل مع العلم والصَّلاح والفضل، كما ذكر المؤلِّف نفسه (ص: 188): (لم يخلُ عصر أو مِصرٌ من خلفاء وملوك عدول، وعلماء وقضاة ربانيِّين، كان لهم أكبر الأثر في استقرار الحضارة مدَّة ألف عام، كأثر من آثار العدل - الذي اشتهر به كثير من الخلفاء والقضاة - والذي هو السَّبب في استقرار المجتمعات وازدهارها وتطورها...)، وفي سرْد أخبارهم التي عطَّر بها صفحات كتابه (ص: 190 - 223)، ثم قال: (... إذ ثبت أنَّ أكثرهم من أهل العلم والفضل والصلاح والعدل، لا كما يدَّعيه بعض الكتَّاب المعاصرين اليوم من أنَّ التاريخ الإسلامي كله ظلم ودمويَّة واضطهاد).

هذا، مع وجود كثرة كاثرة من الفقهاء والعبَّاد والصالحين ممَّن يقوِّمون الحُكَّام، ويأخذون على أيديهم، ويواجهون الظُّلم والطُّغيان، ووجود الشورى أيضًا...إلخ؛ فلا يصحُّ بحال سحب هذه الأحكام كلها على هذه المرحلة كلِّها، نعم هناك بعض الخلفاء والأمراء انحرفوا، وفشَا الظلم والاضطهاد في بعض تلك المراحل.. لكن تعميم الحُكم على كلِّ هذه المرحلة بعيدٌ عن الصَّواب.

وفي حديث التجديد المشهور ((إنَّ الله يبعث لهذه الأمَّة على رأس كلِّ مئة سنةٍ مَن يُجدِّد لها دِينَها)) ما يُفيد أن انحراف الأمَّة لا يبقى كلَّ هذه المدة دون أن يبعث الله تعالى مَن يكون على يديه أو بتأصيله الصلاحُ في هذه الأبواب، وإخراج الإمام أبي داود - وهو إمام فقيه جِهبذ - لهذا الحديث في أوَّل (كتاب الملاحم) فيه إشارة واضحة إلى جهاد هذا المجدِّد وانتصاره في تلك الملاحم والحروب، وهذا ممَّا يفيد أنَّ هذا التجديد كما يكون في النواحي العِلميَّة، فإنه يكون أيضًا في النواحي العمليَّة كالجهاد، وأمَّا القول باجتماع الفساد العلمي والعملي لمئات السِّنين، ففيه إبطالٌ لدَلالة الحديث.

وممَّا يتَّصل بهذه المسألة في هذه المرحلة ما سمَّاه المؤلِّف:

7- ظاهرة المستبِدِّ العادل:

فقد ذكر المؤلِّف أنَّه ظهرتْ في المرحلة الثانية ظاهرة المستبِدِّ العادل، يعني أنَّه خليفة عادل صالح، ولكنَّه في نفس الأمر مستبِدّ! وسرَد (ص: 190 - 223) - وأطال - أخبارًا وقصصًا مِن صفحات التاريخ الناصعة التي تُشِيد بالخلفاء في هذه الآونة، وتبيِّن أنَّ أكثرهم من أهل الفضل والصَّلاح، ثم خرَج بنتيجة مخالفة لهذه الآثار!

قال (ص: 224): (وكل ما سبق ذِكره يؤكِّد بروز ظاهرة (المستبِد العادل) في هذه المرحلة التي تُعدُّ أحد أسباب استمرار الحضارة الإسلاميَّة واستقرارها، كما يكشف بطلان ما يُشاع عن الخلفاء والملوك في هذه الفترة الطويلة من تاريخ الإسلام؛ إذ ثبت أنَّ أكثرهم من أهل العلم والفضل والصلاح والعدل، لا كما يدَّعيه بعض الكتَّاب المعاصرين اليوم من أنَّ التاريخ الإسلامي كله ظلم ودموية واضطهاد..).

بل ينسب هذا الاستبداد للفقهاء والعلماء! فيقول (ص: 134): (لقد كان كثير من الخلفاء والملوك أهل صلاح وعدل وفضْل، وحِرص على اتباع أحكام الشرع وتنفيذها، غير أنهم لم يجدوا عند علماء عصرهم وفُقهائه سوى الخِطاب السِّياسي الشَّرعي المؤوَّل، الذي همَّش موضوع الشورى واختزله أسوأ اختزال، ممَّا أدَّى إلى شيوع ظاهرة (العادل المستبد) في الشرق الإسلامي).

فنقول: كيف يجتمع الضدَّان؟! كيف يكون عادلًا صالحًا فاضلًا، ومستبدًّا في الوقت نفْسه؟! وكيف يكون مستبدًّا وتكون هذه المرحلة مِن أسباب استمرار الحضارة الإسلاميَّة واستقرارها؟! بل إنَّ كثيرًا من الأخبار التي ذكرها المؤلِّف لتنبئ بغير ذلك؛ إذ تشهد لهؤلاء الخلفاء بأنهم كانوا غير مستبدِّين إطلاقًا، بل كانوا يَستشيرون العلماء والفقهاء، ولا يقطعون أمرًا دونهم، ويأمرون عُمَّالهم وولاتِهم بذلك، ولا يحتجبون عن الرَّعية، ويسمعون شكايتهم بأنفسهم، وينتصفون للمظلوم، ويأخذون على يد الظالم، بل يُوقِفون أنفسَهم أمام القاضي مع خُصمائهم من الرعية، مع تنبيه القاضي إلى أنْ يحكم بالعدل، ولا ينظُر إلى مقام الخليفة، كما ذكر المؤلِّف نفسه (ص: 211 - 213) عن الملك نور الدين زنكي... إلخ، فإنْ لم يكن هذا بُعدًا عن الاستبداد؛ فلا ندري كيف يكون البُعد عنه!

وما ادَّعاه المؤلِّف من أنَّ العلماء والفقهاء كانوا هم السبب في استبداد الخلفاء، يتَّضح في المأخذ التالي:

8- زعْمه أنَّ الفقهاء والعلماء إنَّما عبَّروا عن واقع عصرهم أكثرَ من تعبيرهم عن مبادئ الخطاب السِّياسي الإسلامي، وأنَّهم جعلوا التأويل وسيلةً لتبرير الأمر الواقع وإضفاء الشرعيَّة عليه، وأنَّهم ليس عندهم سوى الخطاب السِّياسي الشَّرعي المؤوَّل، الذي همَّش موضوع الشُّورى واختزله أسوأ اختزال، ممَّا أدَّى إلى شيوع ظاهرة (العادل المستبد) في الشرق الإسلامي:

يقول (ص: 9) : (لم يعُدْ دِين الناس اليوم هو الدِّين الذي كان عليه الصحابةُ رضي الله عنهم، مع كون القرآن ما زال غضًّا طريًّا كما نزل، إلَّا أنَّه حِيل بين الناس وبينه بمفهوم مئات العلماء وشُروحهم وتأويلهم...).

ويقول (ص: 110): (... وقد صار الواقع يفرض مفاهيمه الجديدة على الفقه الإسلامي، وبدأ التأويل يأخذ طريقه لنصوص الخطاب السِّياسي، فإذا جاز لأبي بكر رضي الله عنه أن يعهد للأمر مِن بعده لمَن يراه، فجائزٌ - قياسًا على ذلك - العهد بالأمر للأبناء؟! دون مراعاة للفرق بين عهد أبي بكر لعمر وعهد من بعده لأبنائهم وإخوانهم؟! ... وذكر تلك المبرِّرات لهذا العهد..

ثم قال: (لقد تم إلغاء جميع هذه الاعتبارات والفروق بين عهد أبي بكر لعمر، وعهد غيره لأبنائهم؛ ليبدأ الفقهاءُ والفقه بتقبُّل هذا القياس فاسدِ الاعتبار، وإضفاء الشرعيَّة على هذه العهود التي تستلب الأمَّةَ حقَّها في اختيار الإمام).

ومن ذلك قولُه (ص: 150) عن الإمام الحسن البصريِّ المـُجمَع على إمامته وفضله وعبادته: (وبهذا قامتْ دولة بني العبَّاس على أنقاض دولة بني أميَّة؛ ليثبت بطلان نظرية الحسَن البصري وادِّعائه عدمَ قدرة القوة على التغيير، وأنَّ التوبة هي السبيل إلى التغيير الواقع ورفع الظلم، وأنَّه ما أفلح قوم خرجوا على إمامهم قط)، وقوله (ص: 151): (لقد كان نجاح هذه الحركة مؤذِن [الصواب: مؤذِنًا] ببطلان نظرية الحسن البصري التي روَّج لها، وبشَّر بها، وتأوَّل من أجل إثباتها الآياتِ والأحاديث)!

ومن ذلك قوله (ص: 182) عن الإمام المبجَّل أحمد بن حنبل، الصابر وقتَ المِحنة، الثابت عند الفِتنة: (لقد فرض الواقع مفاهيمه على أهل العصر، فجاءت آراؤهم تعبيرًا عن هذا الواقع أكثر منها تعبيرًا عن النُّصوص؛ ولهذا ردَّ الإمام أحمد حديث ابن مسعود: ((يكون أمراءُ يقولون ما لا يفعلون؛ فمَن جاهدهم بيده فهو مؤمن))، وقال: "هذا الكلام لا يُشبه كلام ابن مسعود؛ ابن مسعود يقول: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((اصبروا حتى تَلْقَوني))، وقد روى أحمد هذا الحديث في مسنده بلفظ: ((إنَّه لم يكن نبيٌّ قطُّ إلَّا وله من أصحابه حواريُّون وأصحاب يتَّبعون أثره، ويقتدون بهديه، ثم يأتي من بعد ذلك خوالفُ أمراء يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤمرون)) ولم يذكُر آخر الحديث وهو: ((فمَن جاهدهم بيده فهو مؤمن))؟!)!

ولم يكتفِ المؤلِّف بهذا حتى زعم (ص: 248) أنَّ مَن تصدَّى من العلماء لهذا الانحراف في الخطاب السياسي، كانت دعوتهم لا تخرُج عن دائرة الدعوة إلى العودة إلى الخطاب السياسي الشرعي المؤوَّل! قال: (لقد تم التصدِّي للدعوة إلى إلغاء تطبيق الشريعة، وإبطال الخلافة... إلخ، إلَّا أنَّ أحدًا لم يدْعُ دعوةً صريحة إلى عودة الأمَّة إلى الخطاب السِّياسي الشَّرعي المنزَّل كما كان عليه المسلمون في العصر الأوَّل بردِّ الأمر شورى، تختار الأمَّة فيه مَن يسوس أمرها ولا يقطع أمرًا دونها، ولا يتصرَّف في مالها إلَّا عن إذنها)، ثم أشار (ص: 252) إلى حركة الإمام المجدِّد محمَّد بن عبد الوهاب، وأنَّه نجح في تجديد الخطاب السِّياسي في بعض جوانبه... إلَّا أنَّه لم يتمَّ بحْث قضية جعْل الأمر شورى، وأنَّ الخطاب المؤوَّل عاد بعد قيام الدولة الإسلاميَّة الجديدة في نجد... وأنَّه لو نجح الشيخ في إحياء هذه المفاهيم لكان للدعوة صدًى أكبر، وأثرٌ أبلغ...))

التعقيب:

لا يُسلَّم للمؤلِّف هذا الزعم بأنَّ الفقهاء والعلماء أوَّلوا النُّصوص بسبب ضغط الواقع المخالف لها، ولا يُسلَّم أنهم عبَّروا عن الواقع أكثر من تعبيرهم عن النُّصوص؛ لأنَّ هذا - أولًا - مخالف لحُسن الظنِّ الواجب بهم، ومعلوم أنَّ علماء الإسلام وفقهاءه ليسوا كرهبان النصارى ولا أحبار اليهود في طمْس الحقائق الشرعيَّة وتحريفها وتبديلها؛ لتتوافق مع الواقع المخالف لها؛ فـ(قد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم؛ إذ كلُّ أمَّة - قبل مبعث نبيِّنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم - فعلماؤها شِرارها, إلَّا المسلمين، فإنَّ علماءهم خيارهم؛ فإنهم خلفاء الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم في أمَّته, والمُحيون لما مات من سُنَّته. بهم قام الكتاب, وبه قاموا, وبهم نطَق الكتاب وبه نطقوا. ولْيُعلمْ أنه ليس أحد من الأئمَّة -المقبولين عند الأمَّة قبولًا عامًّا - يتعمَّد مخالفة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في شيء من سُنته؛ دقيق ولا جليل) - كما يقول شيخ الإسلام في (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) (ص: 8)، وهم وسائلُ للفَهم عن الله تعالى وعن رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، وإنْ كان كلٌّ يُؤخذ من قوله ويُردُّ؛ فهداية الأمَّة في الرجوع إلى عُلمائها، وهم أئمَّة الهدى يُستضاء بهم في دياجير الظلام؛ يقول الأمير الصَّنعاني في ((إرشاد النقَّاد إلى تيسير الاجتهاد) (ص: 105): (وفرْق بين تقليد العالم في جميع ما قاله، وبين الاستعانة بفَهمه...، والاستعانة بفَهمه - وهو الثاني – بمنزلة الدَّليل في الطريق، والخِرِّيت الماهر لابن السبيل، فهو دليلٌ إلى دليل)، ويقول العلَّامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ في ((الدُّرر السَّنية)) (4/ 93) عن أقوال أهل العلم والفقهاء: (والعلم بها من أسباب الفَهم عن الله ورسوله)، ويقول الشيخ السعديُّ في ((توضيح الكافية الشافية)) (ص: 153): (مَن ألغى أقوال العلماء وهدَر مقالات أئمَّة الهدى، ومصابيح الدُّجى، ولم يستعِنْ بنور فَهمهم، ولا استعان بعُلومهم، أو بعدما استفاد منهم لم يشكُرْهم على ذلك؛ فهذا قد حُرِم خيرًا كثيرًا). والكلام في هذا الأمر طويل جدًّا، وينظر: كتاب "شرف أهل الحديث" للخطيب البغدادي، ففيه جُمل باهرة في جهد أهل الحديث وفِقهه في حفظ الدِّين وبيان الحق للخلق... وغير ذلك من المصنَّفات كثير.

وإنْ كنَّا نوافق المؤلِّف أنَّ هناك مِن الفقهاء مَن انحرف في بعض الآراء، وأخطأ في تأويل بعض النُّصوص، ولكن جمهورهم وأئمَّتهم على غير ذلك، وما زال العلماء يردُّ بعضهم على بعض، وكثيرٌ من الأمور التي انتقدها المؤلِّف على الفقهاء قد بيَّنوها وشرحوها وفصَّلوها، واستدلُّوا لها بالنصوص الصحيحة الصريحة، ممَّا لا يدَعُ مجالًا للشكِّ أنهم يتَّبعون النصوص ويَحكُمون على الواقع من خلالها، لا العكس، وهذه شُبهة خطيرة جدًّا تردَّدت على ألْسنة كثير من الكتَّاب المعاصرين، والمؤلِّف نفسه قد ذكر نماذج ناصعةً من تأصيل العلماء في مختلف العصور، ممَّا يردُّ هذا الادِّعاء أيضًا.. انظر (ص:126 - 127)، ومن عجبٍ أنَّ المؤلِّف بعدما ذكر الأمثلة الناصعة للفقهاء قال (ص: 127 - 128): (ومع كلُّ هذا التفصيل والثراء الفقهي في هذا الموضوع إلَّا أنه ظلَّ بحثًا نظريًّا بعيدًا عن الواقع الذي سيطرتْ عليه نظرية الاستيلاء بالقوَّة، وهي الطريقة التي أجازها مَن أجازها اضطرارًا ومراعاة للمصلحة، فإذا بها تصبح أصلًا للوصول إلى السُّلطة مدَّة ألف وثلاثمئة وخمسين سنة؟!).

فما ذنب الفقهاء إذًا؟! ومَن قال مِنهم: إنَّ طريق الاستيلاء أصل للوصول إلى الحُكم؟! ومَن حَكى الاتِّفاق والإجماع على أنَّ هذه طريقة سائغة للوصول إلى الحُكم؟!

كل هذا لم يكن؛ فقد اتَّضح لنا أنَّ هذه المدة تخلَّلها عصور صالحة، وأخرى فاسدة، وأنَّ أمر التغلُّب والاستيلاء بالقوَّة إنَّما هو عند وجوده كونًا وإنْ كان مخالفًا شرعًا، وإن كان المتولِّي بالشوكة عاصيًا لله تعالى إذا كان فاسقًا كما نقل المؤلِّف نفسُه عن الإمام النووي (ص: 122)، أو غير مستجمع لشروط الولاية.. مع كلِّ هذا فالواجب شرعًا هو طاعتُه إذا قام بمقصود الولاية، وإنْ كان عاصيًا في الوقت نفسه، وهذا فقهٌ سديد، وتأصيلٌ منضبط على قواعد الشرع المطهَّر؛ مراعاة للمصالح، ودرءًا للمفاسد..

وقد كان للماورديِّ في كتابه"الأحكام السلطانية"، النصيبُ الأوفر من نقد المؤلِّف، مع تعميم كلامه على الماورديِّ على الفقهاء كما مرَّ، كما في قوله (ص: 129): (وبمِثل هذا الفقه الماوردي شاع الاستبداد السياسي، واستقرَّت سنة هرقل وقيصر).

مع أنَّ كثيرًا من العلماء والفقهاء لم يوافقوا الماورديَّ في كثير من أحكامه، ومِن أبرزهم الجويني في "الغياثي"؛ فقد انتقَده في كثير من آرائه؛ انظر: "غياث الأمم" (ص: 141 وما بعدها)، و(ص: 155 وما بعدها)، و(ص: 205 وما بعدها)، ومِن هذه المآخذ التي أخذها الإمامُ الجوينيُّ على الإمام الماورديِّ: أنَّه يَحكي الآراء حكايةً واحدة لا يفرِّق بين المختلَف فيه والمتَّفَق عليه؛ يقول الجوينيُّ: (وشرُّ ما فيه [الماوردي]، وهو الأمر المعضل الذي يعسُر تلافيه، سياقةُ المظنون والمعلوم على منهاج واحد، وهذا يؤدِّي إلى ارتباك المسالك، واشتباك المدارك، والْتِباس اليقين بالحُدوس، واعتياص طرائق القطع في هواجس النُّفوس...)، والمؤلِّف قد عمَّم الأحكامَ التي ذكرها الماورديُّ، وأنَّها شاعت وكأنَّها محلُّ اتِّفاق بين الفقهاء، والأمر ليس كذلك.

9- ومِن هذه المآخذ:

قوله (ص: 92): (إنَّ حرية الإنسان تقتضي عدم وضع قيد على هذه الحرية، وعدم إكراه الإنسان بأي نوع من أنواع الإكراه؛ ولهذا قرَّر الإسلام مبدأ:{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256]، والدين بمفهومه العام يعني الطاعة والخضوع. فلا يحق للسلطة أن تخضع الأفراد لطاعتها بالقوة والإكراه، ولا أن تلزمهم برأي أو وجهة نظر، بل للإنسان الحرية في أن يؤمن أو لا يؤمن؛ {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99]، وله الحرية في اتباع دينه الذي يدين به:{لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6] ).

إنَّ مسألة حريَّة الاعتقاد، والزعم بأنَّ للإنسان الحريةَ في الإيمان أو الكفر، ممَّا كثر فيها الخلط والخبط، وهذا من أبطل الباطل. والقول الحق: أنَّ عدم الإكراه لا يعني إطلاق الحرية في الكفر، أو أنَّ هذا من حق الإنسان أن يؤمن أو لا يؤمن، بل الواجب أن يؤمن، ويحذر من الكفر، وليس هو حُرًّا في ذلك، بل هو مهدَّد ومتوعَّد على عدم إيمانه، وإنْ كان لا يُكره عليه؛ قال شيخ المفسرين الطبري في ((تفسيره)) (18/ 10): ({فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} يقول: من شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء الله له الكفر كفر، وهو قوله: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}، وليس هذا بإطلاق من الله الكفر لمن شاء، والإيمان لمن أراد، وإنما هو تهديد ووعيد.وقد بيَّن أنَّ ذلك كذلك قوله: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا} والآيات بعدها)، وكذا تفسير بقية الآيات التي استدلَّ بها المؤلف وفهمها على الوجه الصحيح، ينتظم مع هذا المعنى الصحيح. ينظر: ((المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز)) لابن عطية (1/ 343)، و((تفسير ابن كثير)) (1/ 682)، و((تفسير البغوي)) (5/ 317)...إلخ.

وقد لا يكون هذا مقصود المؤلِّف، لكن كلامه يوهِم هذا، فكان عليه في مثل هذه المسألة الخطيرة أن يبيِّن مقصوده بكلِّ وضوح ولا يدَع هناك سبيلًا للفَهم الخاطئ.

10- ومن المآخذ أيضًا:

أنَّ المؤلف أشار إلى أهميَّة حريَّة الكلمة، وفوائد التعدديَّة الفكرية...إلخ، ولم يتطرَّق إلى مفاسد الاختلاف وتعدُّد الآراء، وأنَّ الخلاف كله شرٌّ، بل اقتصر على حرية الكلمة، وحرية الرأي دون وضع ضابط لها،وفي هذا تغافل عن قوله تعالى:{وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46] وغيرها من الآيات،وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة...)). وكما هو معلوم أنَّ الحقَّ واحد لا يتعدد ولا يختلف فرقًا، وأن الائتلاف رحمة وهي من أعظم صفات أهل السنة والجماعة، والفرقة عذاب وهي من أخس أوصاف أهل البدعة والاختلاف؛ فليس تعدد الرأي ممدوحًا بإطلاق، وليس كل الاختلاف له حظ من النظر.

كما أنَّ المؤلِّف في حديثه عن الشورى (ص: 107 - 130) أطال الحديث جدًّا، ذاكرًا أهميتها مرجِّحًا وجوبها لا استحبابها، وأنَّها حقٌّ للأمَّة قد صُودر واختزل...إلخ، وفي هذا الفصل أشياء حسَنة، ومع ذلك لم يضَع ضوابط لهذه الشورى؛ في أيِّ الأمور تكون؟ ومَن هم أهلُ الشُّورى المأمونون؟ ومتى يكون الإمام ملزمًا بها ومتى لا يكون؟ إلى غير ذلك ممَّا قرَّره الفقهاء والشُّرَّاح والمفسِّرون، ممَّا يطول ذكره هنا، ويكفي فيه التنبيه.

11- ومن المآخذ أيضًا:

قَصْر الإصلاح عن طريق السُّلطة فقط:

يقول الدكتور حاكم (ص: 317): (إنَّ على الحركة الإسلاميَّة أن تُدرك أنَّ جميع الحركات الإصلاحيَّة في العالم كله إنَّما حقَّقت مشاريعها الإصلاحيَّة عن طريق السلطة، ولا سبيل إلى تحقيق الإصلاح أو نهضة أمَّة إلَّا بصلاح السلطة نفسها، فبصلاحها يتحقَّق إصلاح المجتمع ونهضته، وكلُّ جهد يُبذَل في غير هذا الاتِّجاه لا يمكن أن يُحقِّق الإصلاح العام للمجتمعات الإسلاميَّة، وإنْ عاد على بعض الأفراد بالخير والصَّلاح...).

إنَّ مسألة ربط الإصلاح بالسلطة فقط، غير صحيح! نعمْ للسلطة دَور كبير، وتأثيرها بالغ في الشعوب، لكن ليس الصلاح منوطًا بها فقط، وفي تاريخ الأنبياء والمرسلين شاهد على ذلك؛ فإنَّ من الأقوام ما انصلح حالهم بمجرَّد الإيمان كما هو حال قرية يونس، وقصَّة أصحاب الأخدود وإيمان الشَّعب وصلاحه، مع طُغيان الملك والسُّلطة وفسادهما. كما أن كثيرًا من الأنبياء بلَّغوا رسالتهم ودعوا أُممهم، من غير وجود سُلطة. بل في تاريخ الإسلام شواهدُ كثيرة على أنَّ الصَّلاح غير مرتبط بالحكَّام والسُّلطة فقط، وأكبر مثال على هذا: الدولة العبيديَّة، المسمَّاة زورًا بالفاطميَّة؛ فقد عاثوا في الأرض فسادًا وسبًّا للصحابة الأبرار الأطهار، وطمسًا لمعالم الدِّين في مصر، ولكن شعب مصر المسلِم ظلَّ على دِينه واعتقاده، حتى أذِن الله تعالى بكشف الغمَّة. والمؤلِّف نفسه قد ذكر (ص: 173) أنَّ التغيير يبدأ من نفْس الإنسان إلى الأحسن أو إلى الأسوأ، مستدلًّا بقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]، وعلى هذا فقد قرَّر أنَّ بداية التغيير والإصلاح تبدأ من الرَّعية، وهو كلام حسَن؛ لكنَّه خالفه في آخر الكتاب!

على أنَّ كلام المؤلِّف يكون له محمَل حسن؛ إذا أراد أنَّ تطبيق شرائع الإسلام يسهُل بصلاح السُّلطة، ما لا يسهُل بغير صلاحها، وهو كلام متَّفق عليه، ولكن المشكلة في الكلام الموهم والمجمَل، وعدم فك الاشتباك بين الأمور المشتبِهة والمشتبِكة.

وختامًا:

هل وضع المؤلِّف حلًّا للخُروج من هذه الأزمة، وهل أشار إلى الهَدْي النبويِّ في الإصلاح عامَّة، وكيفية عودة الخلافة الراشدة، وهل الثورة ومجابهة السُّلطات الطاغية وحْدَه كفيلٌ بعودة الأمور إلى مجراها الراشديِّ؟ أسئلة تحتاج إلى إجابة، وكان الأولى بالمؤلِّف أنْ يبيِّن الحلَّ الأمثل الذي يشمل جوانبَ الإصلاح المتعدِّدة، في جوانب التوحيد المختلفة، وتصحيح عقائد الناس وعبادتهم، وحُسن التوكُّل على الله تعالى، والاستعانة والاستغاثة به سبحانه، مع الأخْذ بأسباب النَّصر والتمكين، وإعداد العُدَّة المعنويَّة والحِسيَّة، والاعتصام بحبل الله تعالى وعدم التفرُّق في الدِّين، والتزام معالي الأخلاق في كلِّ التعاملات...إلخ، من غير ذمٍّ أو تقليل، أو تشنيع على أحد؛ فقد يصلح الله تعالى الأمَّة وينصرها بشيء لا نتوقَّعه، وما ذلك على الله بعزيز.

والحمد لله ربِّ العالمين.

مرات التقييم:«162»

فوز حركة النهضة و المفاهيم الإسلامية

علوي بن عبدالقادر السقاف: هربَ طاغيةُ تونس، وسقطَ ديكتاتورُ مصر، وهلكَ طاغوتُ ليبيا، وسيتبعهم نصيريُّ سوريا بإذن الله، وفرح المسلمون بذلك، وحُقَّ لهم أن يفرحوا، كيف لا يفرح المسلم بزوال الطغيان؟!كيف لا يفرح المؤمن بزوال الظلم والاستعباد!من لم يفرح بذلك فليشكَّ في دينه أو عقله. وبعيداً عن الخوض في تداعيات هذه الثورات، فالمؤمَّل أن يكون هذا السقوط في صالح المسلمين إن شاء الله، فرفعُ الظلم والاستعباد الذي وصل في بعض هذه الدول إلى التضييق في العبادات، وإظهار الكفر البواح، لا شك أن فيه خيرًا كبيرًا للإسلام والمسلمين، بعد أن ظلَّ هذا الأمر عقوداً من الزمن حتى يئس كثيرون من تغييره {وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.
 
ثم رأينا بعد ذلك الهروبِ والسقوطِ والهلاكِ ظهورَ واجهاتٍ إسلامية، لم يكن لها أن ترى النور في ظلِّ الأنظمة السابقة، كالجماعات السلفية والإخوان المسلمين في مصر، وحزب النهضة في تونس، وفئامٌ من الإسلاميين في ليبيا، ولا شك أن هذا أيضاً مما يُفرح المسلمين الصادقين ويبهجهم، ويغيظ الله به قلوب الكافرين والمنافقين والعلمانيين.
 
 والمتأمل لأوضاع المسلمين في فترة ما قبل سقوط هذه الأنظمة، وما آلت إليه الأوضاع الآن – رغم ما يكتنفها من مخاوف – لا يسعه إلا أن يتفاءل بأن أوضاع المسلمين في هذه البلدان ستكون إلى الأفضل -والله أعلم-، وليست الخشية الآن من صعود نظام كسابقه، فهذا زمن قد ولَّى، والشعوب لن تقبل به وسترفضه كرفض الشعب التركي لمصطفى أتاتورك جديد، بعد أن تنعمت بحكم أردوغان وحزبه، بل الخشية من ضياع المبادئ والثوابت والمسلَّمات، وتغيير المفاهيم،  ففي العقود الماضية وتحت حكم الاستعباد والظلم، والكفر أحياناً ، كان المسلمون -وعلى رأسهم العلماء والدعاة- يدعون الناس إلى عقيدة صافية ومنهج واضح، ويأمَلُون ويؤمِّلُون الشعوب بحكم إسلامي نظيف، منبعه الكتاب والسنة على فهم سلف هذه الأمة، تحكمه النصوص، ولا يهمل العقل ولا يغفل الواقع، وأعداء الإسلام يعرفون جيداً أنه لو حصل هذا فقد قامت قيامتهم، وقربت نهايتهم، إسلامٌ: شعارُه الحاكميةُ لله، ودثارُه الولاء والبراء، وذروةُ سنامه الجهاد في سبيل الله، إلا أنَّ الأمر الآن بخلاف ذلك إذ أصبحت الرايات تُرفع للعدل، والحرية والمساواة والتنمية، وليس اعتباطاً أن يكون اسم الحزب الحاكم في تركيا الآن هو (حزب العدالة والتنمية)، والحزب الفائز والذي سيحكم تونس قريباً حزب النهضة، شعاره والمكتوب تحت عنوانه: حرية -عدالة- تنمية([1])، فالخشية إذن في ضياع المفاهيم ونسيانها مع وصول هؤلاء للحكم، أمَّا مسألة فرح المسلم بفوز حزبٍ إسلاميٍ سُنِّي- ولو شَابَهُ تخليطٌ وضلالٌ - على نظام لا يعترف بشريعة الله، فهذا أمر لا نُزَايد عليه، وهو من الولاء والبراء الذي أمرنا الله به، وقد حكم عقوداً من الزمن خلفاءُ مسلمون لهم على المسلمين طاعة، وهم أهل بدع وأهواء، فلا شك أن فوز حزب (العدالة والتنمية) في تركيا على الحكم العلماني العسكري السابق مما يفرح المؤمن الصادق -رغم توجهاته الليبرالية-، ولا شك أن فوز (حركة النهضة) في تونس على اليساريين والعلمانيين كذلك، لكن هذا لا يمنعنا من الحديث عن حركة النهضة وزعيمها ووضعهما في ميزان النقد الشرعي، حفاظاً على المبادئ والمفاهيم الإسلامية الأصيلة، فحزب النهضة وإن كان يدعو إلى الإسلام وتطبيق شرائعه، وله جهود في ذلك يشكر عليها؛ إلا أنه حزب عقلاني يشوبه ما يشوب دعاة لبرلة الإسلام  وأسلمة الليبرالية، وهذا الحكم ليس نابعاً من تصريحاتٍ حديثةٍ يمكن أن تُفسَّر على أنها تصريحات مرحلية للفوز في الانتخابات، بل هو مبني على مبادئ من صميم منهج الحزب، والذي كتبه في بياناته ووثائقه، وما صرَّح به رئيسه الأستاذ راشد الغنوشي، بل إنه صرَّح مؤخراً في مقابلة له في قناة (حَنِبَعَل)([2]) التونسية أنَّ ما يقول به الحزب الآن، هو ما كتبه قادة الحزب وهم في السجن والمنفى، وبين يدي الآن وأنا أكتب هذه الوريقات أكثر من عشرين كتاباً وبحثاً ومشاركة في ندوات ومؤتمرات وحوارات له، كتبها كلها وهو في المنفى، فلا يصحُّ أن يقال بعد ذلك إن هذه تصريحات مرحلية، بل صرَّح هو نفسه أن مثل هذا يعد نفاقاً، وأن كل ما يقوله الآن بعد فوز حزبه في الانتخابات كان يقوله اعتقاداً وقناعة، وأنه مسطورٌ في كتبه، وقد صدق، وهذا مما يميز الأستاذ الغنوشي، فهو صادق الكلمة، صريح في أقواله، جريء في عرض قناعاته، لا يتلون كما يتلون بعض السياسيين من الإسلاميين وغيرهم، والحق يقال إنَّ الرجل عقلية فذة، ومفكرٌ عميق لا يرده شيءٌ عن نقد أي فكر، ولو كان ممن هو محل إعجابه والثناء عليه، كالخميني والترابي وأضرابهما([3])، والرجل لديه وعي إسلامي جيد، وإنصافٌ في كثيرٍ من أقواله، وله أيضاً شطحٌ وشططٌ، وعقلنةٌ، وبُعدٌ عن المنهج الحق، وهو متأثرٌ تأثراً بالغاً بالديمقراطية الغربية مع نقده لكثير من تصرفات الغرب ومنهجيته، ومتأثرٌ بالثورة الإيرانية على يد الخميني، وبالحركة السودانية بقيادة الترابي، وبالمودودي مؤسس الجماعة الإسلامية بباكستان، وبالفكر العقلاني المعتزلي، وبالمنهج المميع المتساهل والذي يسمونه (الوسطي المعتدل)، وأنا أنصح المتمكن من العلم الشرعي الذي له اهتمام بالسياسة الشرعية أن يقرأ كتبه ويستفيد منها، وخاصة كتابه: (الحريات العامة في الدولة الإسلامية) ففيه خلاصة قناعاته، وموقف الحركة من مسائل السياسة الشرعية.
 
نشأ الأستاذ الغنوشي ناصريًّا في مصر([4]) ثم يسارياً في سوريا([5])، ثم تحول بعد ذلك إلى الإسلاميين، وترك القوميين، والذي جعله يتحول هو اكتشافه تعارض القومية مع أصول الإسلام، وأنه كان منخدعاً بها لدرجة أن عمره الإسلامي بدأ في ليلة 15/6/1966م حتى إنه اغتسل ووحَّد الله في تلك الليلة – على حدِّ تعبيره([6])، وهذا كله لا إشكال فيه، بل هو منقبة له، ودليل على فطرته الإسلامية السليمة، لكن الإشكال هو أن الفكر القومي ظل مؤثراً عليه إلى يومنا هذا، حتى إنه صرح في مراجعاته على قناة الحوار بأنه- وبعد هذه السنين الطويلة- لا يعتبر اتجاهه الإسلامي نقيضاً لاتجاهه القومي، بل هو امتداد له.
 
 ثم أنشأ بعد ذلك حركة الاتجاه الإسلامي (حركة النهضة حالياً)، وتاريخه طويلٌ مليء بالمعاناة والنضال والسجن والاعتقال والاضطهاد والصبر والمصابرة، مما نسأل الله عز وجل أن يأجُره عليه.
 
والذي يهمنا هنا هو فكره ومنهجه، ومنهج حركة النهضة التي وصلت إلى الحكم في تونس بعد سنين من الاضطهاد، هل هي الحركة التي يرجو المسلم الموحِّد من فوزها أن تطبق شرع الله، وترفع ظلم العباد لأنفسهم ولغيرهم، وهل هذا التمكين هو التمكين المرجو في قوله تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}؟ وهل ينطبق على الحركة قوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}؟
 
حركة النهضة التي اختلف فيها الدعاة اليوم بين مؤيد ومعارض، هي حزب يرفع راية الإسلام، وهو الحزب الوحيد المؤهل الآن لحكم تونس التي قضت عقوداً في العلمنة والإلحاد، لكن هذا لا يمنعنا أن ننقده، ونبين جوانب النقص فيه، وقد جعلت ذلك اختصاراً في ثلاثة محاور.
 
وقبل سرد هذه المحاور  من المهم أن يعلم القارئ أن الحركة –كرئيسها الغنوشي- تقلبت خلال هذه السنين، وانتقلت من حال إلى حال، حيث كان للإخوان المسلمين أثرٌ عليها في بداية النشأة، ثم انتقلت الحركة إلى التوجه العقلاني، وأصبحت تعتبر جماعة الإخوان المسلمين جماعة سلفية تقليدية!!، وإليك جدولاً أعده عبداللطيف الهرماسي قارن فيه بين منهج الحركة وتوجهاتها في السبعينات ومنهجها في الثمانينات، استلَّه من بيانات الحركة وتصريحات زعيمها، نشره مركز دراسات الوحدة العربية، ومما جاء فيه:
 
1- الموقف من تطبيق الشريعة
في السبعينات: - تنفيذ أحكام الله وإقامة الحدود في المرحلة الثانية من الدعوة: مرحلة قيام المجتمع المسلم، التي تلي مرحلة الدعوة والبناء.
في الثمانينات: - تأجيل المسألة إلى أن يتم إعداد الرأي العام.
- تعطيل الحدود حتى تزول أسباب الجريمة، وتتوفر شروط التطبيق.
 
2- الموقف من تعدد الزوجات
في السبعينات: - تعدد الزوجات مباح وجائز بصريح النص المحكم الذي لا شبهة فيه، ولا يجوز للحاكم المسلم أن يمنعه مطلقاً.
في الثمانينات: - إن حركة الاتجاه ما كانت تهدف، ولا هي تهدف الآن إلى مراجعة منع تعدد الزوجات. وهي لا تعتبر التعدد أصلاً من أصول الدين، ولا تعتبر أن حل مشكلات الأسرة يتوقف على السماح بالتعدد.
 
3- الموقف من الاختلاط وتعليم المرأة وعملها
في السبعينات: -الاختلاط سبيل للفجور، وحق المرأة في التعليم محدود فيما يكفل قيامها بوظيفتها الطبيعية: شؤون المنزل ورعاية الأطفال، واشتغالها لا يجوز إلا عند شدة الحاجة، وشرط أن تكون المهنة شريفة، والمرأة دون عائل.
في الثمانينات: - اعتبار أن وجود المرأة في المؤسسة غدا أمراً واقعاً لابد من مواجهته بروح جريئة، واعتبار الممانعة في   تعليم البنت تصوراً بدائيًّا ليس له أساس من الدين.
 
4- الموقف من الديمقراطية
في السبعينات: - الإسلام يتضمن كل ما نحتاج إليه لإدارة المجتمع.
- كل محاولة لإدخال مفاهيم مثل الديمقراطية والاشتراكية هي تعبير عن شعور داخلي بالهزيمة.
- الحرية والديمقراطية والمساواة، ليست سوى أصنام حديثة أو وسائل تخدير واستعباد.
- رفض كل النظم البشرية، والقول بمفهوم الحاكمية.
في الثمانينات: -العلاقة مع الله تمر بالشعب ثم بالحاكم الملتزم بتطبيق البرنامج الذي اختاره الشعب.
- نحن لا نعارض قيام حركة سياسية، وإن اختلفت معنا اختلافاً جذرياً.
- الحاكمية للشعب وحاكمية الله تمر عبر الشعب.]([7]) ا.هـ
والحديث عن حركة النهضة لا ينفك عن الحديث عن رئيسها ومنظِّرها الغنوشي، لذلك فما يُنسب له يُنسب لها، أمَّا المحاور الثلاثة فهي:
 
 
المحور الأول: الاتجاه العقلاني في الحركة والتأثر بالفكر القومي اليساري
وهذه شهادة رئيس الحركة في انتقالها إلى العقلانية مع نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، يقول الغنوشي: (لقد نما النقد داخل الحركة، وكان للعقلانية دورٌ مهم في ذلك، بالإضافة إلى ضغوط الواقع والشعور بعزلة الحركة نتيجة للانكسارات التي أحدثتها في علاقة الفرد مع وسطه، حتى غدا التوتر والعزلة سمتين لأغلب العاملين من أبناء الحركة في علاقتهم بمجتمعهم، ... فلم تنته السبعينات إلا وقد تخلى أغلبية العاملين في الحركة عن الخوض في تلك القضايا،كما انقطع أغلبهم عن حركات الرفع، وبعضهم عن القبض في الصلاة([8])، وانقطعوا جملة عن الخوض في مسألة التوسل والتعرض للصوفية([9])، بل قطعت الجماعة خطوة أبعد، فعملت على تخفيف التوتر مع المشايخ والصوفية، وأخذت في تنظيم لقاءات مع هؤلاء وأولئك، قاطعة بذلك مع التدين السلفي الوارد علينا من المشرق في صيغة كتابات للشيخ ناصر الدين الألباني وجابر الجزائري.
كما أنه قد نما بتأثير التدين العقلاني وتنامي دور الجناح الطلابي وحجمه في قاعدة الحركة ومؤسساتها مع نهاية السبعينات، وهو جناح اضطره موقعه في مهب المعارك الأيدولوجية والسياسية في الجماعة إلى تقديم الإسلام لا كدعوة بل كرؤية أيدولوجية عالمية)([10]).
أمَّا تأثر الحركة بالفكر القومي والناصري فهذا واضح في كثير من تصريحات الغنوشي، وقد أوضح ذلك بشكل جلي فؤاد السعيد في أطروحة له بعنوان: (إعادة كتابة الناصرية إسلاميًّا - قراءة في فكر راشد الغنوشي) نشرها عبد الحليم قنديل، ختم الدراسة بقوله: (إن أطروحات الغنوشي والحركة الإسلامية التونسية قد لا ترضي القوميين بشكل كامل-وهو أمر غير وارد، وإلا تطابقت المواقف، ولم تعد هناك قضية لتناقش بين الطرفين- ولكنها بلا شك الأطروحات الإسلامية الأكثر قرباً من الفكر القومي الناصري، سواءً على مستوى منهج التفكير أو على مستوى الموقف من الاجتهاد والتجديد الإسلامي أو بالنسبة لفهم القضية الاجتماعية أو العلاقة بين الإسلام والعروبة، وهي خطوة كبيرة على طريق التقارب السياسي، بل والتطابق الفكري)([11]).
 
المحور الثاني: الخلل العقدي والمنهجي في الحركة
هذا المنهج العقلاني والفلسفي في الحركة أورثها خللاً منهجيًّا وعقديًّا في كثير من الأمور، فمن ذلك:
1- خلل في الموقف من الثورة الإيرانية، والإمامية الاثني عشرية:
تحدث الغنوشي عن أثر الثورة الإيرانية في الحركة ومن ذلك: (التفاعل العميق مع الثورة الإيرانية في نهاية السبعينات على نحو اختلف نوعاً ما عن تفاعل الحركات الإسلامية السلفية البحتة، فلقد بلغ الحماس هنا لهذه الثورة أوجاً لم ير مثله لدى أية حركة إسلامية أو غير إسلامية في البلاد، وكان لهذا التفاعل أثره الكبير في تجذير الفكر السياسي والحركة للجماعة في اتجاه القطيعة، مع ما قد يكون فيه من تجاوز لمقتضيات المصلحة)([12]). ويقول عن الاتجاه الإسلامي إنه: (تجاوز البعد الطائفي في التعامل مع الثورة الإسلامية في إيران)([13]).
 
ومن أقواله عن التيار الشيعي: (وقد تعاظم شأن هذا التيار في إثر الانتصار الباهر الذي حققته الثورة الإسلامية في إيران ضد النظام البهلوي، وكان الخطاب الإيراني الثوري التعبوي الحامل أنَّات المستضعفين، وآلام القرون، وأشواق الاستشهاد، من خلال كتابات عدد من العلماء المجاهدين الرواد الذين نظروا إلى الفكر الشيعي، وحاولوا نفض غبار القرون عنه وتقديمه رؤية إسلامية عالمية وناطقاً رسميًّا وحيداً باسم الإسلام، وكتابات الشهيد الصدر والمطهري -وشريعتي على رأسها- قد أطلقت موجة عاتية من الفكر الثوري الشيعي اجتاحت عدداً كبيراً من مثقفي العالم ومثقفي السنة، وفي غمرة الحماس لانتصارات الثورة كانت أفكار هؤلاء الرواد، بل حتى التراث الشيعي قبل أن ينفض عنه الغبار، تجد صدى متعاظماً، وكانت انتصارات الثورة تقوم مقام كاسحات الثلوج أمام الفكر الشيعي تفتح في وجهه الطريق فيتقدم دون مقاومة تذكر)([14]).
 
ويقول مخاطباً السنة والشيعة معاً، وأنه لا أحد من الطرفين يحتكر الحقيقة!: (فهل من فَيْأة إلى الرشد تحرر العقول من فكرة احتكار الحقيقة وادعاء كل طرف لا بمجرد أنه أهدى سبيلاً([15])، بل إن سبيل الإسلام هو سبيله ولا شيء غير ذلك، وهو نهج خاطئ علميًّا مضر سياسيًّا، ولا شك في أنه على الطرف الآخر من هذا النهج تقف الدعوة إلى تكفير الشيعة وتجاوز ما استقر عليه أهل السنة من أن الشيعة الإمامية والزيدية: هم من أهل القبلة، مع تسجيل مآخذ عليهم)([16]).
 
وتحدث في مراجعاته على قناة الحوار عن تركيز الحركة على البعد الاجتماعي، بدلاً عن البعد العقائدي، على خلاف السائد لدى الحركات الإسلامية في ذلك الوقت، وأنهم أخذوا عن الحركات اليسارية واستفادوا منها، وكيف أنه كان منخدعاً بفكر سيد قطب الذي تعلموا منه أن الخلافات عقدية حتى ظهرت الثورة الخمينية، فتعلموا منها أن الصراعات بين الأمم أغلبها ليس عقديًّا وتأثروا بها وعرفوا –حسب تعبيره- خطأ فكر سيد قطب وصوابية منهج الخميني.
 
ثم تحدث في الحوار ذاته عن تفسير قوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} وكيف أن الخميني أشعل معناها في صدورهم، فأبرز بُعداً جديدً للصراع في الإسلام وهو صراع المصالح! الصراع بين المستضعفين والمستكبرين! بينما كان سيد قطب يركز فقط على آيات المائدة {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} {الظَّالِمُونَ} {الْفَاسِقُونَ} فجاء الخميني ليبين أن الصراع في العالم ليس صراعاً مبنيًّا على العقائد فحسب، وإنما هناك صراع مصالح أيضاً.
 
والشاهد هنا ليس هو نفي وجود صراع مصالح، فهذا لا ينكره عاقل، بل الشاهد هو تأثره بالفكر الخميني بعد أن كان متأثراً بفكر سيد قطب، بل أكَّد في تراجعاته أنه لا يوجد سبب حقيقي للتصادم بين الإسلام والغرب سوى المصالح!!
 
2- إعجابه بالحركة السودانية على يد الترابي، واعتباره أن من المؤثرات على حركة الاتجاه الإسلامي (حركة النهضة حالياً): (التفاعل مع التجربة السودانية، وهي محاولة من داخل الحركة الإسلامية السنية لتجاوز الرؤية المعاصرة للسلفية، وإقامة نوع آخر من العلاقة بين السلفية الأصولية وبين الواقع الحضاري المعاصر، فقد كان للتجربة السودانية تأثير فعَّال في تطوير الجماعة الإسلامية بتونس على المستوى الأصولي والاجتماعي، وعلى المستوى الطلابي)([17]).
بل من شدة إعجابه بالترابي نعته بالمجدد، فقال عنه: (ولا شك أن الريادة بين الحركات الإسلامية المعاصرة في تحرير المرأة ومشاركتها تظل للحركة الإسلامية السودانية بتأصيلات مؤسسها المجدد الشيخ الترابي ...)([18]).
 
3- الجهاد عنده هو جهاد الدفع، وقد صرَّح بذلك أكثر من مرة، آخرها في مقابلة معه في برنامج (الصراحة راحة) في قناة (حنبعل) التونسية.
 
4- اعتراف الحركة بكل التشكلات الحزبية بما فيها العلمانية والشيوعية([19]).
 
5- شارك بكلمة في المؤتمر القومي الإسلامي الأول عام 1415ه – 1994م،وحث فيها على أن تشارك النساء في لجان المتابعة، ورشح أحد النصارى لعضوية لجنة التنسيق، ودعم حزب الله.
 
 
6- الردة عن الإسلام جريمة سياسية يعاقب عليها الحاكم تعزيرًا لا حدًّا، وليست قضية مرتبطة بحرية العقيدة، وقتال أبي بكر للمرتدين كان سياسة لا دينًا([20]).
 
المحور الثالث: الخلل في السياسة الشرعية
1- ترديد عبارة أن الشرعية والسلطة للجماهير وللشعب، ومن أقواله: (إن أول ما يتعين تأكيده في هذا الصدد هو أن حركتنا هي حركة إسلامية سياسية، ذات طموحات تغييرية تنموية شاملة، تسعى إلى تأصيلها بما يتلاءم وقيم الأمة الحضارية، وتجتهد في تحقيقها استناداً على الشرعية الجماهيرية. فهي بهذا المعنى ليست حركة دينية تجزئ نظرتها للإسلام، وتحتكر الحديث باسمه، وتستمد شرعيتها من سلطة غيبية متعالية تفرض التسلط والاستبداد باسمها، وتصادر حريات المخالفين العامة والخاصة من أجل السيادة)([21]).
 
ويقول: (إن رفض (حركة الاتجاه الإسلامي) اعتبار نفسها دينية بهذا المعنى وتأكيدها في مقابل ذلك على طابعها السياسي بالمفهوم الإسلامي – يجعل حقها في الممارسة السياسية واضحاً ومشروعاً لا يتوقف على أن يحدده أو ينظمه طرف سياسي ما، وإنما يفرضه واقعها الجماهيري، وينظمه القانون، وعلى رأس هرمه (الدستور) الحالي للبلاد، رغم ما لنا عليه من مآخذ)([22]).
 
وفي سؤال وجِّه إليه:
(إذن أنتم تعملون ضمن إطار المجتمع المدني، في استمدادكم للشرعية، ولا تتوجهون إلى هرم السلطة، ولا تنظرون لأنفسكم أنكم فوق المجتمع.
أجاب: التوجه إلى هرم السلطة مبدأ عندنا، والإسلام بوصفه مشروعًا سياسيًّا، لا يختلف عن غيره من المشاريع الأخرى، من حيث إنه لا شرعية له، إلا ما يستمدها من قبول الجماهير.
 
فالمشروع الإسلامي، لا يستمد مشروعيته في حكم الناس، إلا برضاهم، والدولة الإسلامية بالتالي، هي دولة مدنية كسائر المدنيات الأخرى، ليس لها من شرعية، إلا ما تستمده من شعبها، وشعبها هو صاحب السيادة عليها، والاستخلاف في الأرض ليس للدولة وإنما للأمة. واستخلاف الدولة متأت من الأمة. فليس في الإسلام سلطة دينية ثيوقراطية، بل هناك سلطة مدنية تقوم بتنفيذ القانون الإسلامي بوكالة عن الأمة... وللأمة في أي وقت شاءت سحب وكالتها)([23]).
 
2- يخلط الغنوشي بين إجماع علماء المسلمين، وبين إجماع الرأي العام أو الشعب، وقد تكرر هذا في كثير من تصريحاته ومن ذلك قوله: (إن الإجماع الذي عُدَّ في شريعة الإسلام مصدراً من مصادر الشريعة إلى الكتاب والسنة، هذا الإجماع هو دعوة صريحة إلى الاعتراف بالرأي العام، على اختلاف اتجاهاته وميوله الأصلية الثابتة ورعايته عند التشريع، وهذا العنصر البشري الذي دخل على الشريعة جزء منها ليس غريباً عنها، بل هو رشح من هديها ما ظلت الأمة متطهرة كادحة في طريق الله، فلا عجب عندئذ أن تنظر بنور الله، وأن تغدو رؤاها جزءاً من النبوة، فالحسن ما رأته حسناً)([24]).
فالأمة عنده: الرأي العام أو الشعب، بل إنه يصرح بأن {أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} في قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} هم الأمة والشعب، وذلك بقوله: (ذهب بعض العلماء المعاصرين إلى أن {أُولِي الْأَمْرِ} ليسوا علماء الشريعة ضرورة، بل طائفة منهم ومن غيرهم ممن هم مطاعون في قومهم وأصنافهم، مثل زعماء الأحزاب والنقابات وغيرهم، ممن يحوزون على تمثيلية الأمة)[25]، ولا يلزم عنده أن يكون هؤلاء مسلمين، (أما غير المسلمين من مواطني الدولة الإسلامية، وهم الذين رضوا بإعطاء ولاءهم كاملاً للدولة الإسلامية، واعترفوا واحترموا هويتها الإسلامية، فلا مانع من أن توكل إليهم الوظائف في أجهزة الدولة، وأن يكون لهم تمثيل في المؤسسة الشورية، وسيكونون قطعاً أقلية في حكم إسلامي يقوم على أكثرية إسلامية. وإن اشتراط أن يكون أولو الأمر من المسلمين – منكم – يمكن أن يحمل على أنه شرط تغليب، يقتضي أن تكون أغلبية أولي الأمر من المسلمين؛ لضمان عدم تحول الدولة عن أهدافها)[26] (المهم هنا التأكيد على أن الهيئة الشورية في الدولة الإسلامية يمكن أن تضم أقلية أو أقليات غير إسلامية، وأن اشتراط الإسلامية إنما هو لأغلب أعضائها ولرئيس الدولة خاصة)([27]).
 
3- الغنوشي لا يرى شرعية أي دولة جاءت بدون اختيار الشعب عن طريق الانتخاب وصناديق الاقتراع، ولو حكمت بشرع الله، فيقول: (لا شرعية في نظام إسلامي جدير بهذا الوصف غير تلك التي تتأسس على نظام واضح وصارم من الشورى، قائم على مبايعة صحيحة تعبر عن إرادة الأمة، شعب الدولة، وذلك عبر انتخابات تتوفر على كل شرائط الصدق. لا شرعية في نظام إسلامي تستمد من مجرد وراثة أو من استخلاف أو من انقلاب أو من أي صورة من صور التسلط السافر أو الخفي عبر تزييف الانتخابات أو الاستقواء بقوى خارجية أو ادعاء وصاية إلهية على الأمة أو عصمة أو بالاستناد إلى شرعية تاريخية. إلخ. لا ثيوقراطية في الإسلام بل حكم مدني من كل وجه، الأمة، شعب الدولة مصدر كل سلطاته، وطريقه الوحيد البيعة العامة، التي لا تغني عنها البيعة الخاصة، إذ هي مجرد ترشيح)([28])، وهذا جعله- غفر الله له- يتطاول على أمير المؤمنين وخالهم معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ويسيء الأدب معه –وهذا من أثر إعجابه بالثورة الإيرانية- حيث قال عنه: (الوالي المنشق معاوية بن أبي سفيان، وقد غلبت عليه- غفر الله له- شهوة الملك ومواريث عصبيته القبلية، فلم يكتف بأن انتزع الأمر من أهله عنوة وكيداً، بل مضى لا يلوي على شيء حتى صمم على توريثه – كما يورث المتاع – لابنه الفاسق وعشيرته، فجمع في قصة مشهورة ثلة من المرشحين للخلافة، فقام خطيبه معلناً: الخليفة هذا- مشيراً إلى معاوية- وخليفته ذا، مشيراً إلى يزيد، فمن أبى ذلك فليس له غير هذا. مشيراً إلى سيفه، فقال له معاوية: اجلس، فأنت خطيب القوم). ومنذئذ بدا مسلسل الشر والفساد، مؤبِّداً الدكتاتورية وحكم الفرد على اختلاف في الصورة)([29])، فإذا كانت هذه نظرته لخلافة معاوية رضي الله عنه، فكيف هي مع الدولة الأموية وخلافة عمر بن عبد العزيز، وخلافة الدولة العباسية وأخيراً الخلافة العثمانية؟! فعلى هذا التصور فكلها أنظمة غير شرعية!!.
 
بل إنه على هذا النهج تكون خلافة عمر بن الخطاب خلافة غير شرعية حيث ورَّثه أبو بكر الصديق رضي الله عنهما، وكذا عثمان حيث جعله عمر بن الخطاب رضي الله عنهما واحداً من ستة ولم يجعل للشعب خياراً في غيرهم.
 
4- الغنوشي لا يرى طريقاً للحكم إلا عبر الديمقراطية، مهما كلف الحركة من تنازلات، وهو يدعو إلى تبنيها تبنياً كاملاً، والديمقراطية عنده تعني إشراك كافة الشعب في الحكم مسلمهم وكافرهم، ذكرهم وأنثاهم دون تمييز، ومن أقواله في ذلك: (حركة النهضة: تعتبر أبرز وأقدم ممثلي الحراك الإسلامي في تونس والأسبق إلى التبني الكامل للخيار الديمقراطي، والمطالبة بتعددية لا تستثني تياراً سياسيًّا مهما كانت خلفيته الأيدولوجية، وما توسل إليها بطرق الإقناع، جاء في البيان التأسيسي لهذه الحركة أنها ترفض مبدأ الانفراد بالسلطة الأحادية؛ لما يتضمنه من إعدام لإرادة الإنسان، وتعطيل لطاقات الشعب، ودفع البلاد في طريق العنف، وفي المقابل إقرار حق كل القوى الشعبية في ممارسة حرية التعبير والتجمع وسائر الحقوق الشرعية، والتعاون في ذلك مع كل القوى الوطنية، وحجتهم أن المذهبية الإسلامية التي استوعبت في داخلها اليهود والنصارى لهي من المرونة بحيث تستوعب داخل إطارها الشيوعيين والعلمانيين؛ إذ لم يكونوا أكفر من اليهود والنصارى)([30]).
وهو يُعَدُّ رائداً لدى الحركات الإسلامية في تبني الديمقراطية الغربية تبنياً كاملاً، وهذا شهد به عددٌ من الكتاب القوميين وغيرهم، ومن هؤلاء حيدر إبراهيم بقوله: (فقد بدأت الحركة بعد عام 1984م تعلن صراحة وبوضوح قبولها لكل شروط اللعبة الديمقراطية، وما يترتب عليها من نتائج، ويكتب بورغا: "وللمرة الأولى -حسب معلوماتنا- يتخذ مناضلوا الإسلام السياسي في العالم العربي موقفاً صريحاً مع الديمقراطية التي يطالبون بها ويدافعون  -رغم الاختلافات الأيدولوجية- عن حق التعبير والتنظيم بالنسبة لجميع الأحزاب الموجودة حتى إذا كانت هذه الأحزاب تمثل النقيض الأقصى لهم مثل الشيوعيين، ويصل بهم الأمر إلى القول بأنهم على استعداد لاعتبار سلطة الشيوعيين شرعية إذا كانت تلك رغبة الشعب الذي يدلي برأيه بطريقة ديمقراطية. وقد كان كتاب الغنوشي الأخير: (الحريات العامة في الدولة الإسلامية)، كما أسلفنا جهداً فكريًّا لتَبْيِئةِ وتوطينِ الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان في فكر الحركات الإسلامية، ثم في المجتمعات والدول الإسلامية)([31])، (فحركة النهضة أصبحت تمثل تياراً عصريًّا متنامياً داخل الساحة الإسلامية العربية، وخلال ربع قرن من النضال تمكنت حركة النهضة من أسلمة الحداثة، فأكبر إنجاز للحركة الإسلامية التونسية، هو في نقلها الإسلام إلى عالم الحداثة، ونقل الحداثة إلى عالم الإسلام، وتجسيد العلاقة بين هذين العالمين اللذين ظُنَّ أصلاً أنهما لا يتصلان)([32]).
 
5- مفهوم الحرية يتوسع عند الغنوشي حتى يصبح أولى أولويات الحركة وسابق لتطبيق الشريعة: (مسألة الحرية – في تصورنا – ليست مسألة ثانوية، بل هي منطلق أساسي، لكل عملية نهضوية، فنحن لا نتعامل معها على أنها مسألة ظرفية، أو نريد بها استغلالاً آنياً لواقع معين، وإنما هي مبدأ وقيمة لا نتنازل أبداً عنها)([33])، وفي مراجعاته عبر قناة حوار يقول: (إن الحركة لا تعتبر أن مشكلة البلد عدم تطبيق الشريعة، وإنما هو غياب الحرية، وإن مشروع الحركة لا يتجاوز المشروع الوطني العام: مشروع الحريات والديمقراطية، بل مطالبها كلها تدور ولا تزال في الساحة التي تتلخص في حرية التعبير وحرية التجمعات وتكوين الجماعات).
 
6- يقول الغنوشي عن ولاية المرأة الولايات العامة: (ليس هناك في الإسلام ما يقطع بمنع المرأة الولايات العامة قضاء أو إمارة)([34])، بل صرَّح بحقها في رئاسة الدولة([35])، وهذه إمامة عظمى انعقد الإجماع على عدم جوازها، قال ابن حزم رحمه الله: (وجميع فرق أهل القبلة ليس منهم أحد يجيز إمامة امرأة)([36]).
هذا غيضٌ من فيض يجعلك تعرف كِبَر الهوة التي بين منهج هذه الحركة والمنهج الإسلامي الصحيح، وليعذرني القارئ فقد أكثرتُ عليه من النقل لكن ليعرف مدى الغفلة التي يعيشها كثيرٌ من الدعاة اليوم الذين لا يفرقون بين الفرح بفوز حزب إسلامي وبين جعله الفجر المنتظر، والفرج القادم الذي سيعيد للأمة الإسلامية مجدها ورفعتها.
ولو أن حركة النهضة وزعيمها جعلوا ذلك ضرورة تقتضيها المرحلة، أو أنه من باب تحقيق أرجح المصلحتين ودفع أفسد المفسدتين، لأمكن النظر في عذرهم، أمَّا أن يُجعل ذلك هو الدين وهو الإسلام الذي يرتضيه ربُّ العباد لعباده فهذا هو الظلم بعينه للشريعة، وما كان الهدف من هذه الوريقات انتقاص الحركة أو زعيمها، وهي أحوج ما تكون اليوم للمؤازرة والتثبيت على ما عندها من الحق، والتوجيه والإرشاد إلى مواطن الخلل والضلال، ولكنَّ هذه الوريقات المستهدف بها من التبست عليهم الأمور فخلطوا بين الفرح بفوز حزب إسلامي وبين صحة مساره وتوجهه.
وختاماً، هذه خلاصات لما سبق، أجملها في عشر نقاط:
1- حركة النهضة حركة (ليبرو إسلامية) متأثرة بالطرح العلماني، وهي إحدى شبكات ما يسمى بالإسلام المعتدل الذي أوصى تقرير راند بدعم أمثاله، ووصولها للحكم في تونس ليس هو الفجر الصادق المرتقب.
2- الفرح بفوز حركة النهضة ونصرتها من مقتضيات الولاء للمسلم، والتخوف من مستقبل ذلك له ما يبرره، خشية أن يكون ضرر عرض الأحزاب الإسلامية للإسلام عرضًا مشوهًا باسم الإسلام، أكبر من ضرر الأحزاب العلمانية نفسها.
3- الغرب لا يخشى كثيراً من وصول أمثال حركة النهضة للحكم، بل قد يدعمها ليقطع الطريق على حَمَلَة الإسلام النقي من الشوائب ومن ينعتهم بالمتشددين أو المتطرفين.
4- الإسلامُ منهجُ حياة، وهو صالح بكليَّتِه في كل زمان ومكان، والسياسةُ جزءٌ منه، أمَّا الزعم بأنه لا يصلح في زماننا هذا -زمان الديمقراطيات- إلا ما يسمى بالإسلام السياسي، فهو زعم باطل، ووصول بعض من يتبنى ذلك اليوم للحكم ليس دليلاً على صحته.
5- ليس كلُّ من تمكَّنَ من الحكم بعد اضطهادٍ وظلمٍ يكون تمكينُه من جنس ما يدخل فيقوله تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}، حتى يأتي بشروط التمكين فيطبق شرع الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
6- حسنُ النية وسلامةُ المقصد لا يعني بالضرورة صواب العمل والمنهج، وإخواننا هؤلاء نحسبهم صادقين -والله حسيبهم-، وقد قدموا تضحياتٍ كبيرة، ولكنهم يحتاجون لإعادة توجيه بوصلتهم إلى الاتجاه الصحيح.
7-     التأصيل الشرعي يقي مصارع الضلال، والدين الصحيح لا يقوم إلا على علم شرعي صحيح.
8- تثبيت المفاهيم والمبادئ في زمن الضياع والتفلت من أوجب الواجبات على العلماء والدعاة وطلاب العلم، وشدة الخوف وشدة الفرح كلاهما من مظنات فتنة الناس عن حقائق دينها.
9-     التفاؤل بتحسُّنِ أوضاع المسلمين بعد الثورات العربية مطلوب، وعلى دعاة الإسلام اقتناص الفرص والاستفادة منها.
10-        لعل الله يريد خيراً ببعض الناس؛ الذين لو جاءهم الإسلام بتشريعاته، وبصرامته لربما نفروا من أوامره ونواهيه، فقد مضت عقودٌ ودولهم تحت الاستعمار، ثم عقودٌ وهي تحت الاستعباد، عاشت خلالهما الشعوب- في ظلمٍ، وجهلٍ، وفقرٍ، وطمسٍ للمفاهيم وتغييرٍ للحقائق، وتبديلٍ لشرع الله، فانتقالها من هذه الحال إلى حال أخرى توافق شرع الله يحتاج إلى مُددٍ من الزمن، فلعل في هذا حكمة وتدرجاً إلهيًا للشعوب يهيئون من خلاله لمرحلة انتقالية على وِفقِ شرع الله، فبقدر ما يفرح المسلم بسقوط تلك الأنظمة، وبقدر ما يأسف من عدم وجود البديل الشرعي المناسب للوصول إلى السلطة، بقدر ما يستبشر خيراً لمستقبل واعد، إن شاء الله.
{وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.
وصلَّى الله على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلهِ وصحبهِ وسلم
 
([1]) كما أنه ليس اعتباطاً أن تكون الوثيقة الاستراتيجية للأمن القومي الأمريكي والصادرة في مارس 2006 والتي جعلت من تشجيع الديمقراطية والحرية في الوطن العربي، الدعامة الأولى، وجاء فيها ما نصه: ((إن الدعامة الأولى والركيزة الأساسية هي: تشجيع الحرية والعدالة وكرامة الإنسان والعمل على إنهاء الطغيان لتشجيع الديمقراطيات)) انظر تقرير مؤسسة راند لعام 2007 بعنوان: تكوين شبكات من المسلمين المعتدلين.
([2]) يقال إن هذه التسمية نسبة إلى قائد قرطاجي عاش قبل الميلاد.
([3]) ولست هنا في مقام ذكر الانحرافات الهائلة لكل منهما فهذا له محله وقد أُفردت فيه مؤلفات، لكن المراد ذكر تأثره بهما.
([4]) ذكر في مراجعاته مع عزام التميمي على قناة الحوار وقد صدرت في خمس حلقات وهي موجودة على اليوتيوب بعنوان: (مراجعات مع الشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة التونسية): أن الناصرية كانت تملأ قلبه وفكره وبرر تأثره وتأثر من حوله بالفكر الناصري بسبب تغطية الفكر الناصري للنقص الذي كانوا يشعرون به.
([5]) ذكر في مراجعاته أنه انخرط في سوريا بالحزب الناصري وأنضم للاتحاد الاشتراكي.
([6]) ذكر هذا أيضًا في مراجعاته.
([7]) عبداللطيف الهرماسي، (الحركات الإسلامية والديمقراطية) (ص304)، مركز دراسات الوحدة العربية.
([8]) مسألة رفع الأيدي أثناء التكبير في الصلاة والقبض باليمنى على اليسرى، من صفة الصلاة التي أمرنا بها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) والاهتمام بها واجب، أما الانشغال بها بما هو أوجب منها، أو عقد الولاء والبراء عليها فمذموم ومن ضعف الفقه في الدين، وكذا الاستهانة بها وجعلها من القشور كما يُفهم من كلام الغنوشي -عفا الله عنه-.
([9]) وهذا الانقطاع لا مبرر له إلا الاستهانة بأمور البدع وخطر المبتدعة وهذا من أثر المنهج العقلاني الذي تبنته الحركة.
([10]) راشد الغنوشي، حركة الاتجاه الإسلامي في تونس، ص 35، دار القلم 1409هـ، وانظر: بحوث ندوة (الحركات الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي) نشره مركز دراسات الوحدة العربية عام 1987م.
([11]) فؤاد السعيد، (عن الناصرية والإسلام) ص369، تحرير: عبدالحليم قنديل.
([12]) المصدر السابق ص36
([13]) المصدر السابق ص42
([14]) راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، ص21
([15]) ما أضل السُنِّي إن كان لا يرى أنه أهدى سبيلاً من الرافضي.
([16]) المصدر السابق ص152
([17]) راشد الغنوشي، حركة الاتجاه الإسلامي في تونس ص36
([18]) راشد الغنوشي، المرأة في القرآن الكريم، ص128.
([19]) راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، ص305
([20]) المصدر السابق، ص43
([21]) المصدر السابق ص55
([22]) المصدر السابق ص55
([23]) علي العميم، العلمانية والممانعة الإسلامية، ص24، دار الساقي
([24]) راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، ص21
([25]) المصدر السابق، ص129، وهذا خلاف ما أجمع عليه علماء التفسير من أن المقصود من {أولي الأمر منكم} هم العلماء والأمراء من المسلمين.
([26]) المصدر السابق، ص130
([27]) المصدر السابق، ص131
([28]) المصدر السابق، ص176
([29]) المصدر السابق، ص175
([30]) المصدر السابق، ص284
([31]) حيدر إبراهيم علي، التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية، ص247، مركز دراسات الوحدة العربية
([32]) الأحزاب والحركات والجماعات الإسلامية،ص859، المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، 2000م
([33]) علي العميم، العلمانية والممانعة الإسلامية، ص21، دار الساقي
([34]) راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، ص134
([35]) راشد الغنوشي، المرأة في القرآن الكريم، ص113
([36]) ابن حزم الأندلسي، الفصل في الملل والأهواء والنحل، (4/89).
 
 
مرات التقييم:«184»

كتاب "المبالغة في التيسير الفقهي" لمؤلفه خالد المزيني

الدرر السنية: ينتقد هذا الكتاب إحدى الظواهر المنهجية التي أسهمت في صياغة الفقه المعاصر، وهي ظاهرة المبالغة في التيسير في مجال الفقه والفتوى، والمنتسبون إلى هذا المنهج يختلفون باختلاف مشاربهم، فمنهم من يتوخى مقاصد الشرع ويستند إلى مرجعيته الراسخة، ومنهم من يطالب استباحة الممنوع الشرعي بحجة القضاء على التشدد وفتح آفاق التنمية والانفتاح على الآخر، ومما ساعد على ظهور هذه الأصوات تبني الإعلام بعض هذه الأقلام التي لا تفتأ تبث الكراهية ضد كثير من الأحكام الفقهية المستقرة.

افتتح مؤلف الكتاب بعد المقدمة بالتمهيد، بيَّن فيه مفهوم المبالغة في التيسير، وعرَّفه بأنه التزام التيسير على الدوام، بحيث يلفق مذهبه من طائفة من أسهل الأقاويل. وليس المقصود به الأخذ بالتيسير عند وجود مقتضيه من الأدلة الناهضة.

ثم تناول في المبحث الأول أنواع التيسير الفقهي عند المعاصرين، وقسمه إلى قسمين: التيسير المنضبط، والتيسير المبالغ فيه. تحدث فيه عن مفهوم التيسير المنضبط، ودعا بالتوجه إلى هذا النوع من التيسير.

كما تحدث في المبحث الثاني عن مفهوم مظاهر المبالغة في التيسير الفقهي، ذكر فيه عدة مظاهر أولها؛ المبالغة في اعتبار المقاصد في مقابلة النصوص والأصول، وثانيها: تتبع الرخص، وثالثها: تطويع الفقه للواقع.

وبيَّن في المبحث الثالث أسباب المبالغة في التيسير الفقهي، وذكر خمسة أسباب؛ السبب الأول: الجهل بالشريعة، والسبب الثاني: الجهل بمعاني أدلة الشريعة، والسبب الثالث: وقوع التشدد في الفتيا، والسبب الرابع: الخضوع لضغط الواقع، والسبب الخامس: التشوف إلى الشهرة.

وتحدث في المبحث الرابع والأخير عن آثار المبالغة في التيسير الفقهي، ذكر من الآثار، أثر الإخلال بصورة الشريعة، وأن من لوازمه التهوين من الشرائع الجزئية في الدين.
ثم بين الأثر الثاني من الآثار وهو التقليل من أهمية الفرعيات، والحط من شأن البحث في جزئيات الشريعة.

ثم ذكر الأثر الثالث؛ وهو الإخلال بمقاصد الشريعة، كسد الذرائع، واستصلاح الخلق بحجزهم عن التهاون في المحرمات وغيرها.

وختم الرسالة بخاتمة خَلُص فيها إلى أن أحسن السبل في فهم الشريعة والوعي بأحكامها سلوك منهج الوسط والاعتدال، دون غلو ولا تقصير. وأن المبالغة في التسهيل على المستفتين ليست من شأن العلماء الراسخين، وأن لهذه الطريقة في تقديم الدين آثاراً غير حميدة.

 

 

عنوان الكتاب : المبالغة في التيسير الفقهي
اسم المؤلف : خالد بن عبدالله المزيني
الناشر : مركز التأصيل للدراسات والبحوث.
سنة الطبع :الطبعة الأولى 1432هـ.
عدد الصفحات: 69
مرات التقييم:«125»

كتاب "المتشددون منهجهم ومناقشة أهم قضاياهم" لعلي جمعة

بينما تُشن على الدعوة السلفية حملة شعواء ويُطعن في السلفيين من قبل العلمانيين والليبراليين وبعض التوجهات الأخرى، يؤثِر مفتي مصر علي جمعة أن يكون في صف هؤلاء كما كان غالبًا، فيخرج علينا بكتاب عن السلفيين واصفًا لهم بصفة التشدد،وإذا كان مفتي مصر يصف السلفيين بالتشدد فمن حق السلفيين أيضا أن يصفوه بالتساهل، وتتبع رخص العلماء وزلاتهم، والتمييع لقضايا الدين، إلا أن وصفه لهم- بالجملة- كذب وبهتان ووصفهم له حقٌّ ببرهان، ومن ذلك:

1-           فتواه بأن الاختلاط بين الشباب والفتيات في قاعة الجامعة ليس حرامًا.

2-            فتواه بأن طلاق المصريين لا يقع؛ لأنهم ينطقون كلمة طالق بالهمز.

3-           منعه من ختان الإناث بينما كان يجيزه قبل تولي منصب الإفتاء.

4-           مهاجمته النقاب وادعاؤه أنه عادة خلافًا لقوله قبل تولي المنصب.

5-           تجويزه فوائد البنوك الربوية.

6-           إباحته بيع المسلم الخمور في غير الدول الإسلامية.

7-           إباحته ترقيع غشاء البكارة.

8-            تجويزه تولي النصراني رئاسة بلد إسلامية.

9-           إنكاره الشديد هدم بعض الأضرحة لا خشية الفتنة بل لتجويزه بقاءها.

فحُقَّ لمن هذا حاله أن يصف المستمسكين بالكتاب والسنة والسائرين على مذهب السلف بالتشدد . وقبل البدء في عرض بعض ما جاء في الكتاب نقول حتى يكون القارئ على بينة وحتى لا يستغرب ما جاء فيه من آراء نقول إن مؤلفه أشعري المعتقد صوفي المسلك.

تحت عنوان(سمات المتشددين في العصر الحديث) يقول: ((نرى آراء أغلب من تسموا بالسلفيين واتجاهاتهم وسلوكهم ومواقفهم وأحكامهم على الأشياء باطلة)). وفي هذا من البهتان مافيه.

ويقول أيضا عن السلفيين: ((أنهم يتبنون فكراً صداميًّا، وهذا الفكر الصدامى يفترض أموراً ثلاثة وهى:

أولا: أن العالم كله يكره المسلمين، وأنهم في حالة حرب دائمة للقضاء عليهم، وأن ذلك يتمثل في أجنحة الشر الثلاثة الصهيونية (يهود) والتبشير (نصارى) والعلمانية (إلحاد)، وأن هناك مؤامرة تحاك ضد المسلمين في الخفاء مرة وفى العلن مرات، وأن هناك استنفاراً للقضاء علينا مللنا من الوقوف أمامه دون فعل مناسب.

ثانيا: وجوب الصدام مع ذلك العالم حتى نرد العدوان والطغيان، وحتى ننتقم مما يحدث في العالم الإسلامي هنا وهناك، ووجود الصدام يأخذ صورتين الأولى: قتل الكفار الملاعين، والثانية: قتل المرتدين الفاسقين، أما الكفار الملاعين فهم كل البشر سوى من شهد الشهادتين. وأما المرتدون الفاسدون فهم من شهد الشهادتين وحكم بغير ما أنزل الله وخالف فكرهم.

ثالثا: أن فكرهم يراد له أن يكون من نمط الفكر الساري، وهذا معناه أنه لا يعمل من خلال منظمة أو مؤسسة يمكن تتبع خيوطها بقدر ما يعمل باعتباره فكراً طليقاً من كل قيد يقتنع به المتلقي له في أي مكان، ثم يقوم بما يستطيعه من غير أوامر أو ارتباط بمركز أو قائد. وعليه فإن الفوضى سوف تشيع بصورة أقوى وتنتشر بصورة أعمق)). انتهى كلامه.

إن قول مفتي مصر في الفقرة الأولى مردود، فهل تعامى عن الحقيقة الشرعية والواقعية، فالله عز وجل يخبرنا عن هذه العداوة قائلا {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة : 120] ويقول {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة : 82] ويقول {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة : 217] أما الواقع فهو خير شاهد على هذه العداوة قديمًا وحديثًا، فالحروب الصليبية قديمًا، والاحتلال الأجنبي حديثًا،  والمجازر التي ارتكبت في البوسنة والهرسك وسراييفو وغيرها، وما يحدث للمسلمين في العراق وأفغانستان وباكستان والشيشان. وما يحصل في فلسطين وموقف أمريكا والغرب من اليهود ومساندتهم لهم. هذا بالنسبة للعدو الخارجي أما التيار العلماني والليبرالي فموقفه من التيار الإسلامي واضح للعيان لا ينكره إلا أعمى البصر والبصيرة.

ثم في الفقرة الثانية يقول إن السلفيين يرون وجوب الصدام مع ذلك العالم بقتل الكفار وقتل المرتدين . وهذا الكلام إنما صاغه بهذه الصورة ليشنع على السلفيين فهل ينكر المفتي الجهاد، فالجهاد ماض إلى يوم القيامة، ثم إن كان ينكر جهاد الطلب، فهل ينكر جهاد الدفع وحق المسلمين في الدفاع عن بلدانهم المحتلة، ثم إنه من المعلوم أن الكفار أنواع فمنهم محاربون، وأهل عهد، وأهل ذمة ولكل واحد حكمه، فتعميمه الكلام عن السلفيين في هذه المسألة بهذه الصورة غير مقبول وفيه من التلبيس ما فيه.

أما المرتد فحكمه القتل قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من بدل دينه فاقتلوه)) ويقول الحافظ في الفتح: وقتل أبو بكر في خلافته امرأة ارتدت والصحابة متوافرون فلم ينكر أحد عليه ....اهـ. ومسألة الردة والحكم بغير ما أنزل الله فيها تفصيل معروف والحكم فيها يتوقف على توفر الشروط وانتفاء الموانع، خلافا لما يدعيه هذا المفتي من أنهم يحكمون بالردة على مخالفيهم.

ومن هرطقاته أيضاص في هذا الكتاب قوله: ((لقد أصبح توجه هؤلاء المتشددين عائقًا حقيقيًّا لتقدم المسلمين ولتجديد خطابهم الدينى وللتنمية الشاملة التى يحتاجها العالم الإسلامي عامة، ومصر على صفة الخصوص، وهذا التوجه المتعصب أصبح تربة صالحة للفكر المتطرف، وأصلًا للمشرب المتشدد الذي يدعو إلى تشرذم المجتمع وإلى انعزال الإنسان عن حركة الحياة، وأن يعيش وحده في خياله الذي غالبًا ما يكون مريضًا غير قادر على التفاعل مع نفسه أو مع من يحيط به من الناس. ويتميز هذا الفكر المتشدد بعدة خصائص تؤدى إلى ما ذكرنا، وترسم ذلك الموقف الذي يجب على الجميع الآن- خاصة- أن يقاوموه وأن يعملوا بكل وسيلة على إخراج أولئك من عزلتهم؛ لأنهم لم يعودوا ضارين لأنفسهم فقط، لكن ضررهم قد تعدى إلى من حولهم وإلى شباب الأمة ومستقبلها، وإلى المجتمع بأسره. هذا الفكر يريد أن يسحب مسائل الماضي في حاضرنا، وذلك تراه قد حول هذه المسائل إلى قضايا وإلى حدود فاصلة بينه وبين من حوله، وهذه القضايا يتعلق أغلبها بالعادات والتقاليد والأزياء والملابس والهيئات من طريقة الأكل والشرب إلى قضاء الحاجة واستعمال العطور.

وتؤثر هذه الخصيصة التي يستجلب مسائل الماضي وتسحبها وتجرها إلى الحاضر من ناحية، وتحول مجرد المسألة التي كانت في نطاق الماضي لا تعدو مسألة إلى قضية ندافع عنها وننافح من أجلها، وتكون في عقليته معياراً للتقويم وللقبول والرد، فمن فعلها فهو معه، ومن لم يفعلها فهو ضده، يشمئز منه وينفر ويعاديه، ويعيش في هذا الوهم، فيشتد انعزاله عمن حوله. ... ويرى أنه لابد عليه أن يزيد من نسله وأن يملأ الأرض صياحاً بأطفاله محاولًا بذلك أن يسد ثغرة اختلال الكم، حيث أنه يشعر بأنه وحيد وبأنه قلة، وبأن الكثرة الخبيثة من حوله سوف تقضى عليه وتكتم على أنفاسه، فيحاول أن يفر من ذلك بزيادة النسل، بل ويشيع بين أتباعه وأصحابه هذا المفهوم الذي يحدث معه الانفجار السكاني والتخلف التنموي)). انتهى كلامه.

والمفتي – علي جمعة- أولى بهذا من السلفيين فهو الذي يعيش في خياله بعيدا عن الحقيقة، فالسلفيون ليسوا في عزلة عن الحياة بل إنهم ينتمون إلى جميع التخصصات العلمية والمهنية ولو ذكر لنا مثالًا على ما يذكر ولكنه التعصب، نسأل الله السلامة والعافية .

وكأن المفتي ما زال متأثرًا بهذه النعرة القديمة والتي كان فيها بوقًا للحكومة المصرية السابقة بمحاربة زيادة النسل بدلًا من الدعوة إلى التنمية. إن الحد من زيادة نسل المسلمين هدف للغرب يسعون إليه بشتى الطرق، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة). بل إن كثرة الأمة نعمة يمتن الله عزو جل بها على عباده قال تعالى {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} [الأعراف : 86]

ومن أقواله أيضًا : ((ومن خصائص هذا الفكر الانعزالي التشدد، فهو يرى أن الحياة خطيئة، وأنه يجب علينا أن نتطهر منها، وان التطهر منها يكون بالبعد عن مفرداتها، سواء أكانت هذه المفردات هي الفنون أو الآداب أو كانت هذه المفردات هي المشاركة الاجتماعية أو حتى تعلم أساليب اللياقة)). انتهى

ولا أدري عن أي طائفة يتكلم المفتي فالسلفيون في منأى عن هذا الوصف، وهو كلام عار عن الصحة، بعيد عن الواقع، وما مراده بالفنون والآداب؟ هل الغناء والرقص والعري؟ وهل يقصد بالمشاركة الاجتماعية مثل الاحتفال بعيد ميلاده في أحد أندية الليونز الماسونية بين الممثلين والمغنين؟ إن كان يقصد ذلك فحُق للسلفيين أن ينعزلوا عن مثل هذه المشاركات.

ويقول أيضا بعد أن يصفهم بامتلاك عقلية المؤامرة لمن حوله ضده مع اتصافهم بالكبر والعجب: ((من هذه الصفات أنهم يقفون ضد أي إصلاح في المجتمعات الإسلامية بدعوى أن كل جديد بدعة، وأن كل بدعة ضلالة، وأن كل ضلالة في النار، ويبتعدون دائماً عن جوهر الموضوع إلى النظر في مجرد الشكليات، ويعملون الهوى في فهم النصوص، ويضيقون على المسلمين حياتهم بتوسيع دائرة الحرام، ويخرجون عن النظام المعهود من إجلال المشايخ، إلى نظام غريب عجيب يجتهدون فيه من عند أنفسهم في الفقهيات، ويقلدون في العقائد، ويعظمون غير العلماء، ويحطون من شأن العلماء، ويتصدرون بما لا يزيد عن مائة مسألة لتفسيق الناس وتكفيرهم والدعوة إلى منابذتهم ومحاربتهم. لقد آن الأوان وحان الوقت لان يكون مقاومة هذا الفكر المتنطع مطلباً قومياً)) اهـ.

ثم بعد أن يفري هذا الكذب يستعدي الناس على مقاومة فكر السلفيين، فليته ذكر أمثلة لهذا الكلام الإنشائي الذي لا حقيقة له، فهل السلفيون يقفون ضد الإصلاح في المجتمعات الإسلامية بدعوى أن كل جديد بدعة، إن منهج السلفيين واضح في مسألة البدعة فهي محصورة في مجال العبادات وليس كما يدعي أن كل جديد عندهم بدعة.

ثم يقول الدكتور علي جمعة تحت عنوان (أهم مسائل المتشددين التي جعلوها أصولا لهم وعنوانا عليهم): ((لقد تمسك المتشددون بمجموعة من المسائل التي لا تمثل هوية الأمة وكلها مسائل فرعية، وجعلوها معيارا لتصنيف المسلمين، وامتحانا لتقسيمهم، ورُوج لدى طوائف كثيرة من الناس أنها قطعية لا خلاف فيها، وأن الحق معهم وحدهم، وأن القائل بغير ما يقولونه مارق فاسق منحرف أو على أقل تقدير غير ملتزم ومتساهل، أو يتهم بأنه ليس متبعا للرسول صلى الله عليه وسلم. فشغلوا المسلمين بهذه المسائل، التي مذهبهم فيها غالبا ما يكون ضعيفا أو شاذا)) وذكر (17) مسألة فقط ومنها:

-      أنهم  يصفون الله بالمكان

-      ينتقصون الأشاعرة

-      ينكرون اتباع المذاهب الفقهية وتقليدها

-      غير مؤهلين للإفتاء ويحدثون فوضى فى المجتمع

-      يعدون أغلب تصرفات المسلمين بدعا وضلالات

-      يحرمون التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ويعدونه شركا بالله

-      يحرمون الصلاة في المساجد ذات الأضرحة ويصرحون بوجوب هدمها

-      يعدون التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين شركا بالله

-      يحرمون الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

-      يحرمون السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبور الأنبياء والصالحين

-      يتهمون من ترجى بالنبي صلى الله عليه وسلم بالشرك الأصغر

-      يحكمون على والدي المصطفى صلى الله عليه وسلم بالنار يوم القيامة

-      ينفون أي إدراك للميت وشعوره بمن يزوره

-      ينكرون ذكر الله كثيرا ويمنعون الأوراد

-      أكثرهم يمنعون استعمال السبحة في الذكر ويرونها بدعة وضلالة

-      يتمسكون بالظاهر ويتعبدون الله بالثياب (ثوب الشهرة – النقاب)

-      يسعون قبل أن يتعلموا ويخلطون الوعظ بالعلم.

ولا يتسع المقام للرد على كل مسألة من هذه المسائل ونكتفي بتناول ثلاث مسائل فقط.

- المسألة الأولى أنهم يصفون الله بالمكان فيقول : من الأشياء التي يصر عليها من يسمون أنفسهم بالمتشددين وصف الله بالجهة والمكان، ويزعمون إثبات الفوقية المكانية له سبحانه وتعالى. وهذا الإصرار منهم يتعارض مع ما ينبغي أن يكون عليه تنزيه الله سبحانه وتعالى. اهـ.

والجواب أن المفتي يستدل في هذه المسألة العقدية المتعلقة بأسماء الله وصفاته بأثر فيه زيادة وهي (وهو الآن على ما عليه كان) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذه الزيادة وهو قوله (وهو الآن على ما عليه كان) كذب مفترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفق أهل العلم بالحديث على أنه موضوع مختلق وليس هو في شيء من دواوين الحديث لا كبارها ولا صغارها ولا رواه أحد من أهل العلم بإسناد لا صحيح ولا ضعيف ولا بإسناد مجهول وإنما تكلم بهذه الكلمة : بعض متأخري متكلمة الجهمية فتلقاها منهم هؤلاء الذين وصلوا إلى آخر التجهم - وهو التعطيل والإلحاد. اهـ ووافقه علي ذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي.

إن ادعاءه أن السلفيين أثبتوا لله المكان، قول باطل، لم يقله أحد منهم لأنه لم يثبت في القرآن ولافي السنة، وإنما يثبتون لله ما أثبته لنفسه من صفة العلو وغيرها. يقول الشيخ الألباني: إلا أنه مع ذلك لا ينبغي إطلاق لفظ الجهة والمكان ولاإثباتهما، لعدم ورودهما في الكتاب والسنة، فمن نسبهما إلى الله فهو مخطئ لفظاً، إنأراد بهما الإشارة إلى إثبات صفة العلو له تعالى، وإلا فهو مخطئ معنى أيضاً إن أراد حصره تعالى في مكان وجودي، أو تشبيهه تعالى بخلقه. (مختصر العلو ص72).

وقال الشيخ ابن العثيمين: الله ليس له مكان ما في المواقع...، الله منزه عن المكان باتفاق جميع العلماء الإسلام، لماذا؟ لأن الله كان ولا شيء معه، وهذا معروف في الحديث الذي رواه البخاري: ((كان الله ولا شيء معه))، معناه: كان ولا مكان له؛ لأنههو الغني عن العالمين، هذه حقيقة متفق عليها ( منهاج أهل السنة والجماعة في العقيدة والعمل، ص132-133).

- المسألة الثانية أنهم أي السلفيين يحكمون على والدي النبي بالنار. ونقول: سبحان الله وهل هذا القول قاله السلفيون بأهوائهم أم قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح مسلم (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي) يقول النووي الشافعي: فيه جواز زيارة المشركين في الحياة، وقبورهم بعد الوفاة ... وفيه : النهي عن الاستغفار للكفار. انتهى. ويقول أيضا في الحديث الآخر ( أن رجلا قال : يا رسول الله أين أبي ؟ قال : في النار، فلما قفى دعاه قال : إن أبي وأباك في النار ): فيه: أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين. انتهى.

فالنووي يقول بكفر والدي النبي فهل كان متشددا من وجهة نظر المفتي، وهل كان قوله شذوذا فهذا الحكم لم ينفرد به السلفيون بل لهم فيه سلف كالبيهقي والخطابي وابن تيمية وابن كثير وابن حجر والسخاوي وغيرهم بالإضافة إلى أن الأدلة الصحيحة تدعمهم.

 - المسألة الثالثة قوله : (أكثر المتشددين يمنعون استعمال السبحة في الذكر ويرونها بدعة وضلالة) . ويلخص أحد أئمة السلفيين وهو شيخ الإسلام ابن تيمية حكم السبحة قائلًا: والتسبيح بالمسابح، من الناس من كرهه، ومنهم من رخَّص فيه لكن لم يقل أحد: أن التسبيح به أفضل من التسبيح بالأصابع وغيرها .ا.هـ. ويقول ابن عثيمين: التسبيح بالمسبحة تركه أولى وليسس ببدعة؛ لأن له أصلا وهو تسبيح بعض الصحابة بالحصى، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أرشد إلى أن التسبيح بالأصابع أفضل وقال للنساء : (اعقدن بالأنامل فإنهن مستنطقات) فالتسبيح بالمسبحة ليس حراما ولا بدعة لكن تركه أولى لأن الذي يسبح بالمسبحة ترك الأولى. انتهى.

فهذان اثنان من كبار علماء السلفية في عصرين مختلفين يذهبان إلى عدم بدعيتها، وهب أن بعض العلماء انتهى إلى بدعيتها فهذا اجتهاده وهو دائر بين الأجر والأجرين طالما بذل وسعه واعتمد على أدلة شرعية فهو مأجور إن شاء الله خلافا لمن يفتي بهواه.

هذا ولا نطيل بذكر باقي المسائل، والعجيب أن المفتي لم ينسب هذه الأقوال إلى أحد بعينه، وإنما نسبها إلى السلفيين، نسأل الله أن يهدي ضال المسلمين وأن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه .

المصدر: الدرر السنية

مرات التقييم:«159»

كتاب فقه العصر للشيخ محمد الددو.. عرض ونقد

الدرر السنية: كتاب هذا الشهر للشيخ محمد بن الحسن الددو الشنقيطي، وأصله عبارة عن تفريغ لخمس حلقات من برنامج (فقه العصر) والذي كان قد أذيع من خلال أحد القنوات الفضائية، وقد حاوره الدكتور عادل بن أحمد باناعمة، واعتنى بالكتاب الدكتور علي بن حمزة العمري، وفيما يلي بيان أهم ما احتوى عليه الكتاب، وأهم المآخذ عليه.

 أولا: العرض
المجموعة الأولى من فقه العصر اشتملت على ثلاثة محاور رئيسة:
 الأول: مفهوم أهل السنة والجماعة
 ودار الكلام فيه حول مفهوم كلمة السنة وإطلاقاتها، وتعريف كلمة الجماعة وبيان أصلها وعلاقتها بالسواد الأعظم. ثم تكلم عن حديث الافتراق والطائفة المنصورة والناجية، وهل تعد الجماعات الإسلامية المعاصرة من الفرق أم لا؟ إلى غير ذلك.
 الثاني: البدعة وأحكامها
 وتناول فيه عددًا من المسائل منها: الحد الشرعي للبدعة، ومدى إمكانية حد البدعة بحد جامع مانع، ينتهي به الخلاف، ويجتمع عليه الناس، وهل يصلح إطلاق أن كل ما لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم يعتبر بدعة؟ وهل يصلح إطلاق أن البدعة شر من المعصية؟ ومعنى أن المبتدع لا توبة له، وكذلك تكلم عن بعض المسائل التي اختلف الناس في بدعيتها كختم القرآن والسبحة وغير ذلك.
الثالث: صناعة الفقيه في المحاضر الموريتانية
 تكلم في هذا المحور أولًا عن كلمة المحاضر من الناحية اللغوية وتعريفها، وأعطى لمحة تاريخية عن العناية العلمية في شنقيط، وتكلم أيضا عن الأدوات التي يستخدمها الطلاب في التعلم، وذكر بعض الحكايات في المحاضر الموريتانية وبعض من تخرج على هذه المحاضر وعجائب حفظهم وعلمهم، ثم ألقى الضوء على المحضرة ومدة الدراسة فيها، مع ذكر نموذج من إحدى المحاضر، وكيف كانت تتم فيه الدراسة، وبيَّن بعض طرق الحفظ إلى غير ذلك.
 ثانياً: النقد
 1- ذكر أن مصطلح الجماعة ظهر عندما أصبح جمهور المسلمين وسوادهم الأعظم مع الخليفة لذا سموا جماعة ثم قال (ص 16) : وهذا الإطلاق الآن لمصطلح الجماعة لم يعد وارادًا، وكثير من الناس تعودوا على إطلاق السنة مع الجماعة وظنوا أن السنة والجماعة مصطلح واحد يطلق على الناجين... وأما لفظ الجماعة بمعناه الاصطلاحي فبعيد جدا عن زماننا وواقعنا. وبيان ذلك أن الجماعة ... تطلق على السواد الأعظم من المسلمين الملتزمين بالسنة المنضوين تحت راية الخليفة وقد عدم الخليفة الجامع اليوم.
 والجواب :
أن ما ذكره الشيخ فيه قصور واضح، وذلك لأن لفظ الجماعة إذا ذكر مع السنة فقيل: (أهل السنة والجماعة) كان المراد به سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين الذين اجتمعوا على الحق الصريح من كتاب الله وسنة رسوله.
أما الأحاديث التي أوجبت الالتزام بالجماعة وعدم الخروج عليها، فقد ذكر العلماء فيها عدة أقوال منها:
 - أن الجماعة المراد بهم الصحابة دون من بعدهم.
 - أنهم أهل العلم والفقه والحديث من الأئمة المجتهدين.
 - أنهم جماعة أهل الإسلام إذا أجمعوا على أمر من الأمور الشرعية.
 - أنهم السواد الأعظم وهو مروي عن أبي مسعود الأنصاري وابن مسعود.
 - أنهم جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير، وهذا رأي الطبري.
 وكل هذه الأقوال ترجع إلى قولين :
 الأول: أنها الجماعة إذا اجتمعوا على إمام على مقتضى الشرع عندئذ يجب لزومها ويحرم الخروج عليها.
الثاني: أنها ما عليه أهل السنة من الاتباع وترك الابتداع أو هي المذهب الحق وهذا معنى تفسير الجماعة بالصحابة أو أهل العلم أو أهل الإجماع أو السواد العظم فكلها ترجع إلى أمر واحد وهو من كان على مثل ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه سواء كانوا قليلا أو كثيرا.
2- قوله (ص 22) إن الإمام أحمد لما ذكر أن الطائفة المنصورة هم أهل الحديث كان يقصد أهل زمانه فقط المشتغلين بصنعة الحديث وكانوا إذ ذاك هم السواد الأعظم. ثم يقول لما سئل ألا يعني هذا إخراج الفقهاء وغيرهم من الطائفة المنصورة قال: لا فالفقهاء كلهم من أهل صنعة الحديث. ثم يقول: وإذا بحثت في ترجمة أي فقيه في زمن الإمام أحمد فستجده محدثا.
 والجواب:
أن هذا الكلام فيه خلط عجيب، فالأول ظنه أن كلمة أهل الحديث المراد بها أهل الحديث المشتغلين به فقط، وثانيا أن الإمام أحمد إنما قاله لأهل زمانه فقط، وذلك لأن السواد الأعظم حينئذ كانوا من المحدثين وهذا عجيب، فأين باقي طوائف الأمة من أهل السنة هل كانوا محدثين؟!.
 ولا شك أن مصطلح أهل الحديث استخدمه الإمام أحمد وغيره أيضا فلا تصح دعوى أن ذلك خاص بأهل زمانه، ثم إن أهل الحديث المقصود بهم الذي يهتمون بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم رواية ودراية ويلتزمون بالسنة ويجتنبون البدعة لذا يقول عنهم الصابوني في كتابه الذي سماه (عقيدة السلف أصحاب الحديث) يقول (ص 99): ويقتدون بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأصحابه الذين هم كالنجوم ويقتدون بالسلف الصالحين من أئمة الدين وعلماء المسلمين ويتمسكون بما كانوا به متمسكين من الدين المتين والحق المبين ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه ولا يحبونهم ولا يصحبونهم.
 ويصحح شيخ الإسلام هذا الخطأ الذي وقع فيه صاحب الكتاب فيقول في (مجموع الفتاوى) (4/91): (ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه أو كتابته أو روايته، بل نعني بهم كل من كان أحق بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهرًا وباطنًا واتباعه باطنًا وظاهرًا، وكذلك أهل القرآن، وأدنى خصلة في هؤلاء محبة القرآن والحديث والبحث عنهما وعن معانيهما والعمل بما علموه من موجبهما، ففقهاء الحديث أخبر بالرسول من فقهاء غيرهم وصوفيتهم أتبع للرسول من صوفية غيرهم وأمراؤهم أحق بالسياسة النبوية من غيرهم وعامتهم أحق بموالاة الرسول من غيرهم).
 3- حمله للتكفير لبعض من قال بخلق القرآن على الإنكار الشديد والتغليظ فقط وقال (ص 23): كأن شيخ الإسلام يميل إلى هذا.
 والجواب:
 صرح علماء السلف بتكفير من قال بخلق القرآن، فعن أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك. فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا فكان من مذهبهم..... ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفرا ينقل عن الملة. (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) للالكائي (1/176). وقال شيخ الإسلام : القول المتواتر عن أئمة السلف أنهم قالوا : القرآن كلام الله غير مخلوق وأنهم أنكروا مقالة الجهمية الذين جعلوا القرآن مخلوقا منفصلا عن الله بل كفروا من قال ذلك. (مجموع الفتاوى)( 17/74).
 4- قوله (ص 50): أئمة أهل السنة كلهم درسوا علم الكلام ودرسوه وناظروا فيه.
 والجواب :
 إن ذم أهل السنة لعلم الكلام معلوم ومشهور، بل قال ابن عبد البر: أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء. ثم قال نقلا عن ابن خويز منداد : قال: أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع, أشعريًّا كان أو غير أشعري. (جامع بيان العلم وفضله) (2/194، 195).
 5- قال (ص 102): إذا ذكر الاسم المفرد دون (يا) فهذا محل خلاف بين أهل العلم فبعض أهل العلم رأى أن الذكر بالاسم المنفرد من باب الثناء وأن الخبر محذوف، واستدلوا على ذلك بالحديث الوارد في أشراط الساعة وفيه ((حتى لا يبقى على الأرض من يقول الله الله)) فقالوا: هذا دليل على جواز الذكر بالاسم المفرد.
 والجواب:
 يقول شيخ الإسلام: والذكر بالاسم المفرد مظهرا ومضمرا بدعة في الشرع، وخطأ في القول واللغة فإن الاسم المجرد ليس هو كلاما لا إيمانا ولا كفرا . وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)) وفي حديث آخر : ((أفضل الذكر لا إله إلا الله)) وقال : ((أفضل ما ققلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)) . والأحاديث في فضل هذه الكلمات كثيرة صحيحة. وأما ذكر الاسم المفرد فبدعة لم يشرع. (مجموع الفتاوى) (10/396). وأما الحديث الذي ذكره فيفسره الرواية الأخرى ((حتى لا يقال في الأرض لا إله إلا الله)).
 وهناك مؤاخذات أخرى ننبه على بعضها دون تعليق، فمنها:
 - نسبته الأشاعرة والماتريدية لأهل السنة (وعنده أهل السنة = أهل السنة والجماعة) ومثلهم في ذلك مثل المذاهب الفقهية المالكي والحنبلي والشافعي كلها مذاهب من أهل السنة فيها أخطاء وفيها صواب وأخطاؤها لا تخرجها عن أن تكون مذاهب لأهل السنة.
 - قوله الافتراق ليس عيبا هنا والإخبار بافتراق اليهود إذا كان هذا قبل نسخ ملتهم ليس عيبا ومثل ذلك النصارى.
- قوله إن اشتغال البغدادي بجمع هذه الفرق لم يكن موفقاً وكذلك ابن الجوزي.
 - أن هجر أهل البدع مشروع للتأديب ولا ينبغي أن يزيد عن ثلاثة أيام.
 - ادعاؤه أن التفريق بين الكلام النفسي واللفظي موجود عند أهل الحديث المتأخرين وهو مسألة اجتهادية، ولو علمه أحد على هذا الوجه لا شيء في ذلك، وقوله: فمثلا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الذي توصل إليه أن الكلام قديم النوع محدث الآحاد وهذا الذي قاله شيخ الإسلام هو عين التفريق بين الكلام اللفظي والكلام النفسي.
 - قوله عن ابن القيم إنه صوفي وهو شيخ صوفية الحق.
 - تهوينه من مسألة البدعة الإضافية وعرضها على أنها مسألة خلافية وعرضه للأدلة المؤيدة لمن قال بعدم دخول البدعة الإضافية في قول النبي صلى الله عليه وسلم : ((كل بدعة ضلالة)). يشعر بميله إلى هذا الرأي.
 - تعريفه للترك الذي يعد فاعله مبتدعا بأنه عدم الفعل بعد الفعل .
- أن الشخص إذا وقع في بدعة وهو لا يراها بدعة لا يوصف بالمبتدع.
 - قال في الذكر الجماعي : لا يضر إذا اتفقوا على ذلك تعليما أو إرشادا وحضورا حتى لا يغيب قلب أحد منهم إلا حضر غيره. وقال: هذه الأمور ليست بذاتها عبادة حتى يرد إليها النهي ولم يرد نهي بخصوصها.
 - حسَّن حديث قراءة يس على الموتى أي المحتضرين
 - لما سئل عن الدعاء عقب الصلاة بـ (تقبل الله) أو (حرما) أو (جمعا) قال: الدعاء كله في أدبار الصلاة لا حرج فيه. (ص113).
 

مرات التقييم:«161»

مآخذ على ما يفعله بعض الأئمة في دعاء القنوت

علوي السقاف: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه إلى يوم الدين، أمَّا بعد فإن مما يُفرح قلوب المؤمنين ويُثلج صدورهم ويغيظ قلوب أعدائهم ما نراه اليوم من كثرة المساجد التي تُقام فيها صلاة التراويح مع أئمة نحسبهم والله حسيبهم من خيرة شباب الأمة حرصاً ونصحاً لها، وتزداد هذه الفرحة حينما يرون أن كثيراً من هؤلاء الأئمة من حملة المنهج السلفي الصحيح علماً وعملاً، لكن مما يؤسف له أن البعض منهم لا يسلم من أخطاء يرتكبها أثناء صلاته، ومن هذه الأخطاء ما هو متعلق بقنوت الوتر في صلاة التراويح، الأمر الذي يوجب التنبيه عليها لكثرة الوقوع فيها، وقلة المنبهين عليها، حتى أصبحت تلك الأخطاء سنة متبعة، مع أنها مما لا أعلم فيه خلافاً بين السلف في النهي عنه وكراهته، أمَّا ما فيه خلاف قديم مثل: كون دعاء القنوت في رمضان كله أم في النصف الأخير منه، وهل يكون قبل الركوع أم بعده؟ ونحو هذا فلن أتعرض إليه هنا.

فمن هذه الأخطاء :

1 - المبالغة في رفع الإمام صوته في الدعاء، حتى يصل - أحياناً - إلى حد الصياح والصراخ.

هذا يحدث مع أن الله عزَّ وجلَّ يقول: " ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " فسمَّى الله سبحانه وتعالى رفع الصوت في الدعاء إعتداء، ويقول سبحانه: " وَلا تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيْلاً " ْوفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: " اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمّاً ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً بصيراً... " ، ورفع الصوت بالدعاء بالإضافة إلى مخالفته للسنة، فهو مُذهبٌ للخشوع مجلبٌ للرياء والعياذ بالله .

2 - المبالغة في رفع الصوت بالبكاء.

ينبغي للإمام إذا تأثر بالقرآن أو بالدعاء أن يدافع البكاء ، فلم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يبكي في الصلاة بصوت عالٍ ليبكي من خلفه، كما يفعله بعض الأئمة- هداهم الله- اليوم فيستدعون ببكائهم بكاء غيرهم، ناهيك أنهم يبكون بنحيب وعويل وشهيق، بل كان – صلى الله عليه وسلم - يكتم بكاءه في صدره حتى يصبح له أزيز كأزيز المرجل - أي كغلي القدر -، قال ابن القيم رحمه الله عن هديه صلى الله عليه وسلم في البكاء: " وأما بكاؤه صلى الله عليه وسلم فكان من جنس ضحكه لم يكن بشهيق ورفع صوت " ، ولم يشعر ابن مسعود رضي الله عنه ببكاء النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ عليه طرفًا من سورة النساء، إلا بعد أن نظر إليه فوجد عينيه تذرفان، والقصة في صحيح البخاري، فمدافعة البكاء إتباعٌ للسنة ومدعاة للإخلاص .

3 - الإطالة المفرطة في الدعاء .

بعض الأئمة ربما جعل دعاء قنوته أطول من صلاته، وهذا خلاف هديه صلى الله عليه وسلم إذ كان يدعو بجوامع الكلم، بخلاف ما عليه كثير من الأئمة في هذه الأيام، فمنهم من يجعل الدعاء موعظة يذكر فيها الجنة وصفاتها، والنار وما فيها من أهوال، وعذاب القبر وما فيه من وحشة وظلمة، في سجع متكَلفٍ يستثير به عواطف الناس ويستدعي بكاءهم لا تجد معشاره أثناء قراءة القرآن، كل هذا مع أنه لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء القنوت إلا حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما : " اللهم أهدينا فيمن هديت... " على خلاف في صحة ثبوت ذكر الوتر فيه، وقد ورد الدعاء على الكفرة بعد النصف من رمضان من فعل أبيّ بن كعب في عهد عمر رضي الله عنهما، ولست بمحرِّج على مَن دعا بغير ذلك لكنّ الكلام هنا في الإطالة المفرطة في الدعاء بصورة تشق على كثير من المصلين مع أن الغالب أن فيهم المريض والكبير والمرأة .

4 - الاعتداء في الدعاء وتكلف السجع فيه .

من الآثار السيئة لترك السنة و الاكتفاء بالدعاء بالمأثور والعدول عن ذلك باستعمال غرائب الأدعية المسجوعة والمتكلفة، ما يقع فيه بعض الأئمة من عبارات تُعد اعتداء في الدعاء، فمن ذلك قول بعضهم : " يا من لا تراه العيون ولا يصفه الواصفون " وإن كان هذا اللفظ قد ورد عند الطبراني في الأوسط ، إلا أن إسناده ضعيف وهو مخالف لما أجمعت عليه الأمة من وصف الله جل وعلا بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك أيضًا قول بعضهم : اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه ، فهذا معارِض لما في الحديث الحسن : " لا يرد القضاء إلا الدعاء " فكيف لا ندعو الله برد القضاء ؟! ، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما " فانظر السجع من الدعاء، فاجتنبه فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب " .

وقد يدخل التشقيق والتفصيل في الدعاء والذي يفعله كثير من الأئمة في هذه الأيام في هذا الاعتداء ففي سنن أبي داود أن ابناً لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان يدعو، فسمعه سعد وهو يقول : اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها فقال: يا بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سيكون قوم يعتدون في الدعاء فإياك أن تكون منهم، وإنك إن دخلت الجنة نلت ما فيها من الخير، وإن أُعذت من النار نجوت مما فيها من الشر " حسنه الحافظ ابن حجر والألباني ، فسمى التفصيل في الدعاء اعتداءً.

5 - المبالغة في التلحين والتطريب والتغني في الدعاء .

إن مما يبعث على الأسى والحزن لجوءُ كثيرٍ ممن يُظن أنهم من مقتفي الأثر إلى المبالغة في الترنيم والتلحين والتطريب بل والتجويد أحياناً حتى كأن أحدهم يقرأ السورة من القرآن، فتجده يطبق أحكام التجويد كالإدغام والإخفاء والمدّ حتى يظن الظان أنه يتلوا آيات من الكتاب العزيز، وما هو من الكتاب، ويزداد الطين بله إذا ضمن دعاءه آياتٍ من كلام الله بحيث يعسر على العوام التفريق بينهما، ونتيجة لذلك فإن بعض الناس يتأثر بتلحين الإمام أكثر من تأثره بالدعاء نفسه، ولا يفهم من هذا أن لا يحسن الداعي صوته، فهذا لا بأس به، لكن الذي نراه اليوم من كثير من الأئمة مبالغة في التلحين والتطريب، بصورة إذا جمعت معها رفع الصوت وخفضه، واعتداء مذموم، ثم أخطاء قد تكون عقدية، ، ذكرك ذلك بدعاء بعض أهل البدع في مناسباتهم .

6 - مواظبة بعض الأئمة على دعاء معين في كل قنوت .

ومن ذلك تجد أن كثيراً منهم يُلحق دعاء " اللهم اهدينا فيمن هديت ... " بدعاء " اللهم اقسم لنا من خشيتك.. " لا يكاد يترك ذلك ليلة واحدة، و لا يختم دعاءه إلا بقوله : " اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك .... " حتى ظنَّ كثيرٌ من العامة -بل من الأخيار- أن هذا من السنة، وأول من ابتدأه أحد أئمة المسجد الحرام الفضلاء - رحمه الله - فتتابع الناس عليه ، بل إن المواظبة على القنوت كل ليلة لا يخلو من نظر، و فيه إيهامٌ للعامة أنه السُّنَّة المستقرة ، مع أن تركه أحياناً أفضل .

7 - تخصيص بعضهم ليلة السابع أو التاسع والعشرين بدعاء مخصوص ربما سماه البعض دعاء ختم القرآن.

وهذا مما أحدثه الناس، وليس عليه في داخل الصلاة سواء في القنوت أو غيره، دليل صحيح لا من فعله صلى الله عليه وسلم ولا من فعل أصحابه رضي الله عنهم أجمعين، ولعل ذهاب بعض كبار العلماء إلى جوازه دون دليل صحيح فيه اختبار وامتحان لمقتفي الأثر ومتبعي السنة؛ أيتبعون صاحبها أم يقلدون علماءهم؟ أمَّا العوام فحدِّث ولا حرج عن حرصهم على هذا الدعاء فهو يفوق حرصهم على فريضة العشاء نفسها والله المستعان .

وختاماً أدعو الأئمة الذين وفقهم الله فهيأ لهم إمامة صلاة التراويح، أن يقتفوا سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم حتى نرى المساجد وقد اكتظت بالمصلين والإمام يدعو لهم بدعاء مأثور لا يطيل فيه ولا يعتدي؛ يدعوه بقراءته المعتادة دون تلحين ولا تطريب ولا تجويد كتجويد القرآن، وإن تأثر فبكى وذرفت عيناه كتم بكاءه أو أخفاه فغلبه حتى خرج منه كأزيز المرجل بلا نحيب ولا شهيق لا يكاد يشعر به إلا القريبون منه، كما أدعوهم أن لا يغفلوا عن الدعاء على الكفرة من أهل الكتاب وأن ينصر الله المسلمين عليهم، وخاصة في النصف الأخير من رمضان، كما ثبت عن الصحابة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين. والله أعلم .

مرات التقييم:«169»

مؤاخذات على كتاب ( افعل ولا حرج ) للدكتور سلمان العوده

الشيخ علوي السقاف
 
أولا: تسمية الكتاب باسم (افعل ولا حرج) يدل على توسع المؤلف في الاستدلال بهذا الحديث، بينما سبب ورود الحديث أن بعض الصحابة جاء ببعض أعمال يوم النحر على خلاف ترتيب النبي صلى الله عليه وسلم فقدم وأخر، فلما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك أجابهم بقوله: (افعل ولا حرج) ، وقال الحافظ: وفي هذا الحديث من الفوائد وجوب اتباع أفعال النبي صلى الله عليه وسلم لكون الذين خالفوها لما علموا سألوه عن حكم ذلك. اهـ. فينبغي أن يكون الأصل في الحج هو قوله صلى الله عليه وسلم: (لتأخذوا عني مناسككم) وأما ما جاء على خلاف الأصل استثناء ورخصة ورفعا للحرج فيقدر بقدره.
 
 
2- المبالغة في الأخذ بالرخص والتسهيل في مسائل الحج، حتى صار الاستثناء أصلاً، وتعدى الأخذ بالتيسير على الحاج عند الحرج إلى التيسير عليه حتى ولو لم يقع الحرج.
 
3- تعامل المؤلف مع أحكام المناسك في بعض المواضع كما لو أن الأصل فيها الإباحة، فطالما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عن شيء من المناسك فإنه يجوز فعله، وهذا خلاف الأصل المتقرر أن الأصل في العبادات الحظر والتوقيف.
 
4- عدم الاستدلال بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم ولا بحديث ((خذوا عني مناسككم)) إلا مرة واحدة في وجوب أصل الرمي.
 
أما المؤاخذات على مسائل الكتاب:
 
فنذكر بعضها، وإن كانت بعض المسائل التي ذكرها المؤلف لها حظ من النظر، ووقع فيها خلاف معتبر، لكن تتبع المؤلف لكل قول فيه رخصة أو تيسير في موضع واحد لم يقل به أحد من الأئمة، ويفضي إلى تضييع معالم الحج والتفريط فيه، فمن هذه المسائل :
 
1- قصره لأركان الحج على ركنين فقط، وهما الوقوف بعرفة والطواف باعتبارهما القدر المتفق عليه بين العلماء، وفي هذا تساهل شديد، فأين السعي بين الصفا والمروة والذي على ركنيته جمهور أهل العلم، وأين الإحرام.
 
2- قوله بإجزاء الدفع من عرفة قبل الغروب ولا شيء عليه، بينما ذهب جماهير أهل العلم إلى أن الوقوف إلى ما بعد الغروب واجب، ويلزمه دم إذا تركه، بل قال بعضهم إنه ركن. وأما احتجاجه بحديث عروة بن المضرس فهو لا يدل على جواز الانصراف من عرفة قبل الغروب، وإنما يدل على الحج المجزئ. بالإضافة إلى أنه قد ورد ما يعارضه ، ثم إن مشكلة الزحام الرئيسة والتي يُتعلل بها في تجويز الدفع قبل الغروب الأقرب أن حلها يتمثل في تنظيم طريقة انصراف الناس وتهيئة الطرق فهي مسألة تتعلق بالتنظيم أكثر منها بالفتوى.
 
3- نقله عن النووي أن من نسي الإفاضة وطاف للوداع من غير نية الإفاضة أو بجهل بوجوب الطواف أجزأه طوافه عنهما، بينما أكثر أهل العلم على أنه لا يجزئ طواف الإفاضة بنية غيره، كما نقله النووي نفسه في شرح مسلم.
 
4- قوله بعدم اشتراط الطهارة للطواف على الرغم من أنه رأي الجمهور وتعضده الأدلة ولا معارض له، وأما قوله عن حديث عائشة: وهذا الحديث ليس نصًّا في اشتراط الطهارة. فهذا غريب منه فقد قال الحافظ ابن حجر: والحديث ظاهر في نهي الحائض عن الطواف حتى ينقطع دمها وتغتسل لأن النهي في العبادات يقتضي الفساد، وذلك يقتضي بطلان الطواف لو فعلته، وفي معنى الحائض الجنب والمحدث وهو قول الجمهور.
 
5- إقراره لقول السرخسي بأن من رمى فوقع ما رماه قريباً من الجمرة صح رميه، وكلام السرخسي محمول على أن ذلك في حدود مساحة الأحواض، ومن المعلوم أن الأحواض كانت إلى وقت قريب صغيرة ثم تم توسيعها بحيث تسقط الحجارة في موضع الرمي، وتستقر في مكان في السفل، ومع هذا التوسيع فإن القول بإجزاء الرمي ولو وقع الحصى خارج الأحواض خطأ.
 
6- تجويزه للرمي قبل الزوال أيام التشريق خلافاً لما ذهب إليه الجمهور وما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لذا قال الترمذي بعد إيراده حديث جابر: كان النبي صلى الله عليه و سلم يرمي يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس. قال: والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم أنه لا يرمي بعد يوم النحر إلا بعد الزوال.
 
وأما عزوه هذا القول إلى ابن عباس فلا يصح سنده إليه، وأما عطاء فقد صح عنه قول ثان يوافق فيه الجمهور وهو أولى؛ لأنه أقرب للدليل. وأما الأدلة التي استدل بها فمنها ما هو ضعيف لا يصح، والصحيح منها غير صريح.
 
والذي دفع المؤلف إلى تبني هذا القول الأضرار الحاصلة بسبب الزحام، أما اليوم وبعد الأعمال الإنشائية الأخيرة من توسيع المرمى، وتعدد الطوابق للرمي، والتنظيم في الذهاب والإياب زالت هذه الأضرار أو قلَّت، وبالتالي زال موجب الأخذ بهذا القول.
 
7- جوز المؤلف الرمي عن النساء، واستدل بأحاديث ليس فيها شاهد لما ذهب إليه، ففيها الرمي عن الصبيان فقط دون ذكر لغيرهم، وأما حديث التلبية عن النساء فمنكر، فتجويز الرمي عن النساء مطلقاً قول غريب، لاسيما بعد التيسيرات الأخيرة في الرمي.
 
8- وبالإضافة لما سبق فهذه جملة مما أجازه المؤلف ورخص فيه، فقد قال بجواز مبيت الحاج حيث يشاء إذا لم يجد مكانا يليق به، وعدم إرهاق الحجيج بكثرة الدماء عند ترك واجب من الواجبات، وجوز لبس ما يعرف بالتنورة (وهو أن تخاط للإزار تكة ويرسل دون أن يفصل منه كم عن آخر) من باب التوسعة في لبس الإزار ولو كان مخيطا. وجوز لبس الخفين من غير قطع. وجوز التحلل الأول بالرمي وحده.
 
ومن أراد التفصيل في بيان الرد على هذه الأقوال وبيان ما عليها فليراجع:
 
1- كتاب (كيف نفهم التيسير) لفهد بن سعد أبا حسين.
 
2- كتاب (حتى لا يقع الحرج) للدكتور إبراهيم بن محمد الصبيحي .
 
3- رسالة (تنبيهات في الحج) للشيخ عبد المحسن بن حمد العباد.
 
 
والله الموفق للصواب، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم
 
مرات التقييم:«202»

مؤاخذات واستدراكات على كتاب «التّعامل مع المبتدع» للشريف حاتم العوني

(إعداد القسم العلمي بمؤسسة الدرر السنية)

 
ظهرت في الآونة الأخيرة بعض الكتب التي تدعو إلى التقريب بين أهل السنة وأهل البدع، وتحاول من باب التأليف أن تزيل أوجه الخلاف بين أهل السنة وغيرهم من أهل البدع، أو تخفف من حدة الخلاف بينهم، وكتاب هذا الشهر يقترب من هذه الدعوات لكن من باب آخر، وهو ما قد يفهم منه إذابة الفروق بين أهل السنة والمبتدعة في المعاملة، بدعوى أنهم مسلمون، ولهم حقوق الأخوة الإسلامية، وقد عنونه مؤلفه بـــ (التعامل مع المبتدع بين رد بدعته ومراعاة حقوق إسلامه)، والكتاب عليه بعض الاستدراكات والمؤاخذات، سنعرضها، مع عرض محتويات الكتاب. 
 
أولًا: عرض الكتاب
على صغر حجم الكتاب، إلا أنه تكلم في مسائل عدة وبعضها شائك، ويحتاج إلى تفصيل كبير، ومن أهم المسائل التي تطرق لها المؤلف، ما يلي:
- تقسيم البدع إلى ثلاثة أنواع: كفرية تناقض صريح الشهادتين، وكفرية تعارض أمرًا مقطوعًا به في الدين، وغير كفرية.
- بيان أن الكتاب مخصوص بمن كانت بدعته غير كفرية أصلًا، أو كانت كفرية لكنها لا تناقض دلالة الشهادتين.
- الإجماع على وجوب الردِّ على البدعة قدر الإمكان، والتفريق بين ردِّ البدعة ومعاملة المبتدع.
- للمبتدع حقوق الإسلام.
- عقوبة المبتدع حكم مصلحي خلاف الأصل في التعامل معه.
- تعظيم السلف لمن تلبس ببدعة من أهل العلم.
- عدم جواز التقديم المطلق للفساق على أهل البدع.
- تقسيم أهل القبلة إلى سني وبدعي تقسيم مصلحي اعتباري.
- منازل الناس من الإسلام وعدمه وموضع المبتدع منها.
- إطلاق القول بتفسيق أهل البدع وتوجيهه.
- قبول شهادة المبتدعة، ودلالته على عدالتهم، وعدم فسقهم.
- قبول فتاوى أهل البدع.
- بيان موقف الصحابة من الخوارج مع غلظ بدعتهم.
- قد يكون المبتدع مستحقًّا للعقوبة في الدنيا، وهو خير عند الله من بعض أهل السنة.
- نماذج من المواقف المنصفة لأئمة السنة مع أهل البدع.
- ليس كل رد على أهل البدع يكون محمودًا.
- أن المبتدع قد يكون أقرب إلينا وأحب من بعض أهل السنة، وبيان ضابط ذلك.
- مذهب السلف لا يصح أخذه من بعض أقوالهم.
- عدم صحة إطلاق القول بأن البدعة شر من المعصية من كل وجه.
 
ثانيًا: نقد الكتاب
إن البدع لها خطر عظيم على الدِّين، لذا فإن المتأمل لحال السلف مع أهل البدع، يجد أنهم اتخذوا موقفًا صارمًا منهم، سواء من الناحية العملية، أو في مصنفاتهم، ومن ذلك عقدهم أبوابًا في مصنفاتهم، تبين موقفهم من أهل البدع، فأبو داود يعقد في سننه (باب مجانبة أهل الأهواء وبغضهم) و(باب ترك السلام على أهل الأهواء) وفي (الترغيب والترهيب) للمنذري (الترهيب من حب الأشرار وأهل البدع) وفي الأذكار للنووي ( باب التبري من أهل البدع والمعاصي ) وكذلك في كتب العقيدة ففي كتاب الاعتقاد للبيهقي (باب النهي عن مجالسة أهل البدع) وفي كتاب اللالكائي (سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن مناظرة أهل البدع وجدالهم والمكالمة معهم والاستماع إلى أقوالهم المحدثة وآرائهم الخبيثة) إلى غير ذلك، بل إن بعض الأئمة من أهل السنة كان يُمدح لشدته على أهل البدع، كما في ترجمة غير واحد من السلف، والمؤلف قد اتخذ مسلكًا آخر، فجعل ما سبق خلاف الأصل، وخلافنا مع المؤلف ليس في كل ما ذكره في الكتاب، فبعضه حقٌّ وصواب، وقد قال به بعضٌ من علماء السلف، لكن خلافنا ونقدنا هو لتقريراته التي أوردها في الكتاب، وزعمه ما ليس أصلاً أنه هو الأصل، دون دليل أو بينة، ومشكلة كثير من الكتاب المعاصرين- وخاصة المتقهقرين منهم- اللجوء إلى طرفٍ مقابلَ طرفٍ آخر غير مرضي، فمسألة التعامل مع المبتدع -بدعة غير مكفرة- من المسائل التي تطرَّف فيها بعض الدعاة، وساووها بمسألة التعامل مع الكافر، أو لم يفرقوا بين درجات البدع، فجاء هذا الكتاب في الطرف الآخر ليهوِّن من مسألة التعامل مع المبتدع، وزعم أنه لا فرق بين التعامل مع المبتدع والسني،  فطالما أن المبتدع لم يأت ببدعة مكفرة فهو مسلمٌ، والأصل فيه أن يعامل كأي مسلم، بل ذهب المؤلف إلى أبعد من ذلك –وهو أخطر ما في الكتاب- وهو أن المبتدع بدعة كفرية لا تناقض دلالة الشهادتين ولم تقم عليه الحجة يعامل معاملة السني ولو كان عنده مبتدعاً، وقد أقام كتابه على هذا حيث قال (ص:9): (وسأخص هذا المقال بالمبتدع المسلم، وهو من كانت بدعته غير كفرية أصلًا، أو من كانت بدعته كفرية، لكنها لا تناقض دلالة الشهادتين)، وقبلها مثَّل بما يناقض الشهادتين بـ (إنكار وجود الخالق، أو جعل غير الله إلهًا، أو دعاء إله مع الله ... أو تكذيبه صلى الله عليه وسلم في شيء مما جاء به، أو اعتقاد أنه لا طاعة له، أو بغضه صلى الله عليه وسلم)، ومقتضى هذا الكلام: المساواة في التعامل بين السني والخارجي الذي يكفر بالمعصية، كالأباضي مثلاً، والمساواة بين السني والرافضي شاتم الصحابة وأمهات المؤمنين، وبين السني والجهمي المعطل لصفات الله، وسنكتفي هنا بعرض مسائل ثلاث أوردها المؤلف خشية الإطالة:
 
1- دعوى المؤلف أن الأصل في معاملة المبتدع اللين والرفق كأي مسلم سني.
    يذهب المؤلف إلى أن الأصل  في معاملة المبتدعة في مذهب أهل السنة هو اللين والرفق، وأن العقوبة لا تشرع لهم إلا عند استشراء مفسدتهم، أو خوف شرهم.
يقول المؤلف (ص10): (الأصل عدم التشديد عليه...)  وقال في (ص:13): (وخلاصة ذلك أن عقوبة المبتدع خلاف الأصل...). وقال أيضًا (ص:31): (التشديد مع أهل البدع خلاف الأصل فيهم).
وهذا الذي قرَّره المؤلف لا دليل عليه، بل سبق ذكر مسالك بعض السلف تجاه المبتدعة، وننقل هنا بعض أقوال أهل العلم، التي تفنِّد هذا الأصل الذي ذهب إليه، ومنها:
- قول ابن عبد البر في فوائد حديث كعب بن مالك رضي الله عنه في الذين خلفوا: (وهذا أصل عند العلماء في مجانبة من ابتدع، وهجرته، وقطع الكلام عنه) (التمهيد 4/87).
- قول البغوي معلقًا على حديث كعب بن مالك:(وقد مضت الصحابة والتابعون، وأتباعهم، وعلماء السنة على هذا، مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة، ومهاجرتهم) ( شرح السنة 1/227)
- قول الشاطبي: (إن فرقة النجاة، و هم أهل السنة، مأمورون بعداوة أهل البدع، والتشريد بهم، والتنكيل بمن انحاش إلى جهتهم، ونحن مأمورون بمعاداتهم، وهم مأمورون بموالاتنا والرجوع إلى الجماعة) (الاعتصام1/158).
فأنت ترى أن ابن عبدالبر، والبغوي، نقلوا إجماع الصحابة والتابعين على مقاطعة، ومجانبة، وهجر، ومعاداة، أهل البدع، فهل خالفوا بذلك الأصل الذي يزعمه المؤلف؟!
ففرق بين أن نقول: الأصل في التعامل مع المبتدع؛ اللين وفي كل الأحوال، وبين أن يكون ذلك رجاء مصلحة كالسعي لهدايته ودعوته واستمالته لأهل السنة، كما أن هناك فرقًا بين سني وقع في بدعة، ومبتدع غارق في بدعته، وبين مبتدع وداعٍ إلى بدعته، وبين مبتدع بدعة مغلظة، كبدعة الخوارج، والرافضة، وغلاة الصوفية، ومن وقع في تأويل بعض الصفات، وما شابه ذلك، أمَّا المؤلف فقد جعل هذا أصلًا حتى مع من وقع في بدعة كفرية، لكنها لا تناقض الشهادتين !!.
 
2- تسويته بين المسلم المبتدع والمسلم السني في الهجر:
قال (ص:11) (بل الذي ينبغي علينا أن لا نغفل عنه أبدًا تجاه المبتدع الذي لم يكفُر، أي: الذي لم يخرج عن دائرة الإسلام- أن حقوق المسلم على المسلم تشمله، وله فيها ما لغيره من جميع المسلمين). ثم قال (ص:13): (سأضرب مثلًا بأحد أظهر الحقوق، التي يظنُّ أنها منتقصة من الحقوق الإسلامية للمبتدع، ألا وهو تحريم هجر المسلم فوق ثلاثة أيام). وذكر أنَّ أقوال أهل العلم متعارضة في هذا الباب؛ زاعماً أنه قام بتحريرها كما في (ص 14-17)، فتحريرها عنده: (هجر المبتدع كهجر السني سواء بسواء). زاعماً أن هذا هو قول ابن تيمية رحمه الله، ويعني بالمبتدع هنا من وقع في بدعة، ولو كانت مكفرة لكن لا تناقض الشهادتين، فهذا عنده هجره كهجر السني سواء بسواء!.
ولا شك أن المبتدع طالما أنَّه لم يأت ببدعة مكفرة فهو مسلم، لكن من الخطأ التسوية بينه وبين المسلم الذي لم يتلبس ببدعة، فالهجر محرم فوق ثلاثة أيام لكن يشرع لمصلحة دينية، والمصلحة الدينية متحققة في هجر المبتدع، وبخاصة إذا كانت بدعته مكفرة، ولو لم تناقض الشهادتين، قال النووي رحمه الله: (والنهي عن الهجران فوق ثلاثة أيام إنما هو فيمن هجر لحظ نفسه، ومعايش الدنيا، وأما أهل البدع ونحوهم فهجرانهم دائمًا). (شرح مسلم 13/106).
ويقول البغوي: (والنهي عن الهجران فوق ثلاث، فيما يقع بين الرجلين من التقصير في حقوق الصحبة والعشرة، دون ما كان ذلك في حق الدين، فإن هجرة أهل الأهواء والبدع دائمة إلى أن يتوبوا). (شرح السنة 1/224).
وقال الحافظ ابن حجر: (وفي الحديث جواز هجران من خالف السنة وترك كلامه، ولا يدخل ذلك في النهي عن الهجر فوق ثلاث، فإنه يتعلق بمن هجر لحظ نفسه). (فتح الباري 9/608).
لكن قد يُعدل عن ذلك إن كان يترتب عليه مفسدة، قال ابن تيمية: (فإذا عجزوا عن إظهار العداوة لهم سقط الأمر بفعل هذه الحسنة، وكان مداراتهم فيه دفع الضرر عن المؤمن الضعيف، ولعله أن يكون فيه تأليف الفاجر القوي . وكذلك لما كثر القدر في أهل البصرة فلو ترك رواية الحديث عنهم لا ندرس العلم والسنن والآثار المحفوظة فيهم . فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب: كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرًا من العكس). (مجموع الفتاوى 28/212).
والمصلحة المترتبة على الهجر إما تأديب المبتدع وزجره وتحذير غيره عن فعله، وإما لخشية حصول الضرر والفتنة بمجالسته، فيمكن أن يفرق في هذا الباب بين من يتمكن من العلم، ويستطيع رد شبهات أهل البدع، بل يرجى من مجالسته لهم أن يرجعوا إلى الحق، وبين غير العالم الذي يُخشى عليه من مجالسة أهل البدع.
ونحن نتفق مع المؤلف في أن هجر المبتدع خاضع للمصلحة، لكن خلافنا معه هو: هل الأصل هجرانه –خاصة إذا كانت بدعته مغلظة- تأديبًا له إلا إن كان في ذلك مفسدة- وهذا مسلك أهل السنة مع المبتدعة؟ أم الأصل عدم هجرانه فوق ثلاث، أسوة بالسني غير المبتدع، كما قرَّره المؤلف، وخالف فيه مسلك أهل السنة مع المبتدعة؟!
 
3- انتقاده القول بأن البدعة شر من المعصية، وأن المبتدع أعظم شرًا من الفاسق.
قال المؤلف (ص:79): (ومن الخطأ المنتشر بيننا تصوُّرُ أنَّ شرَّ المبتدع مطلقًا أعظم من شرِّ الفاسق).اهـ، ثم علق في الحاشية (ص:75) بما مضمونه أن لشيخ الإسلام في كتاب الاستقامة كلامًا، إذا جمعناه مع كلامه المشهور عنه بأنَّ شر المبتدع مطلقًا أعظم من شرِّ الفاسق يتضح لنا بأنَّ الإطلاق غير مراد.
وإذا تأملنا النقلين عن شيخ الإسلام وجدنا أنهما يتآلفان، على خلاف ما فهم المؤلف، يقول شيخ الإسلام في (مجموع الفتاوى) (28/470): (ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أن هذه البدع المغلّظة شرٌّ من الذنوب التي يعتقدُ أصحابُها أنها ذنوب). ويقول أيضًا (20/103): (إنَّ أهل البدع شرٌّ من أهل المعاصي الشهوانية, بالسنة والإجماع)
أما كلامه في كتاب الاستقامة (1/455) فهو: (وكان السلف يحذرون من هذين النوعين: من المبتدع في دينه، والفاجر في دنياه، كلٌّ من هذين النوعين، وإن لم يكن كفرًا محضًا، فهذا من الذنوب والسيئات التي تقع من أهل القبلة. وجنس البدع وإن كان شرًّا، لكن الفجور شر من وجه آخر، وذلك أن الفاجر المؤمن لا يجعل الفجور شرًّا من الوجه الآخر الذي هو حرام محض، لكن مقرونًا باعتقاده لتحريمه، وتلك حسنة في أصل الاعتقاد، وأمَّا المبتدع فلا بدَّ أن تشتمل بدعته على حقٍّ وباطل، لكن يعتقد أنَّ باطلها حقٌّ أيضًا ففيه من الحسن ما ليس في الفجور، ومن السيئ ما ليس في الفجور، وكذلك بالعكس، فمن خلص من الشهوات المحرمة والشهوات المبتدعة وجبت له الجنة، وهذه هي الثلاثة: الكلام المنهي عنه، والطعام المنهي عنه، والنكاح المنهي عنه، فإذا اقترن بهذه الكبائر استحلالها كان ذلك أمرا، فكيف إذا جعلت طاعة وقربة وعقلًا ودينًا).اهـ.
ويدلُّ على هذا الفرق بين الفاسق والمبتدع أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرجل شارب الخمر: ((لا تَلعَنوهُ، فو الله ما علمتُ إلا أنه يحبُّ الله ورسوله)) رواه البخاري (6780). وقال في الخوارج: (شر قتلى تحت أديم السماء) رواه أحمد (5/256) والترمذي (3000).
ومرة أخرى نجد من يتطرَّف في هذه المسألة –والإنصاف عزيز- فمن الدعاة -هداهم الله- من جعل من وقع في بدعة- ولو صغيرة- أكثر ضررًا من كبار الفجار والفساق، حتى أنهم حذَّروا من دعاة أهل السنة؛ لأنهم أهل بدعة -في زعمهم- مستشهدين بأقوال بعض السلف، كقول سعيد بن جبير: ( لأن يصحب ابني فاسقًا، شاطرًا، سنيًّا، أحب إلي من أن يصحب عابدًا مبتدعًا)، وقول أحمد بن سنان: (( لأن يجاورني صاحب طنبور، أحب إلي من أن يجاورني صاحب بدعة، لأنَّ صاحب الطنبور أنهاه، وأكسر الطنبور، والمبتدع يفسد الناس والجيران والأحداث).
وفي الطرف المقابل نرى من يهوِّن من أمر المبتدع وشرِّه، وصواب ذلك أن يقال: جنس الابتداع أعظم من جنس المعاصي، وفي كلٍّ من البدعة والمعصية كبير وصغير، ومغلَّظ وغير مغلَّظ، لذلك قال شيخ الإسلام رحمه الله: (ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أن هذه البدع المغلَّظة شرٌّ من الذنوب التي يعتقدُ أصحابُها أنها ذنوب) (مجموع الفتاوى 28/470).  
وقال ابن تيمية: (واحذر أن تغتر بزهد الكافرين والمبتدعين؛ فإن الفاسق المؤمن الذي يريد الآخرة ويريد الدنيا خير من زهاد أهل البدع وزهاد الكفار إما لفساد عقدهم وإما لفساد قصدهم وإما لفسادهما جميعا) (مجموع الفتاوى 20/152).
فالعاصي الذي يريد الآخرة خير من المبتدع الضال، ومن وقع في بدعة غير مغلظة مجتهدًا أو مقلدًا غير مصرٍّ على بدعته خيرٌ من العاصي الفاجر المكابر، والمستتر ببدعته غير المغلظة خير من المجاهر بكبائر الذنوب، وهكذا ...، لكن يظل جنس البدع أسوا من جنس المعاصي و((شر الأمور محدثاتها)).
هذا بعض ما أخذ على الكتاب، ويرجع في مجمله إلى أن الكتاب رغم ما فيه من حقٍّ وصواب، لا نختلف مع المؤلف فيه، إلا أنه قائمٌ على عدم التفريق بين المبتدع، -ولو بدعة مكفرة لا تناقض الشهادتين-؛ والسني الموحِّد في التعامل، واتهام أهل السنة بخطأ ممارستهم، وتعاملهم مع المبتدع، لذلك كان عنوان الكتاب: (التعامل مع المبتدع بين رد بدعته ومراعاة حقوق إسلامه – تصحيح لممارساتنا بالاحتكام إلى الكتاب والسنة وفهم السلف).
 
وخطر هذا التصور يكمن في الأمثلة:
فالخوارج والرافضة الشاتمة يعَدُّون عند المؤلف ممن وقع في بدعة، وقد تكون مكفرة لكن لا تناقض الشهادتين، فكيف نعاملهم حسب هذا المقياس؟ يضرب المؤلف مثلًا بالرافضة فيقول (ص:68):
((وقال يعقوب بن يوسف المطوِّعي –وهو أحد تلاميذ أحمد الثقات الأثبات- كان عبد الرحمن بن صالح الأزدي رافضيًّا، وكان يغشى أحمد بن حنبل، فيقرّبه ويدنيه. فقيل له: يا أبا عبد الله، عبد الرحمن رافضي، فقال: سبحان الله! رجلٌ أحب قومًا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، نقول له: لا تحبهم؟! هو ثقة)).
ثم قال: ((ولما أنكر خلف بن سالم على يحيى بن معين ذهابَه إلى هذا الراوي (عبد الرحمن بن صالح الأزدي)، قال له ابن معين: اغْرُبْ، لا صلّى الله عليك ! عنده والله سبعون حديثًا، ما سمعت منها شيئًا. وقال عنه ابن معين مّرّةً أخرى: ثقةٌ صدوقٌ شيعيٌّ، لأن يخرَّ من السماء أحبُّ إليه من أن يكذب في نصفِ حرفٍ) انتهى كلامه.
ويجاب أن المؤلف قال (ص: 14): (أنه يجب علينا ألا نأخذ من كلام العالم ما نؤيد به رأينا فقط، ونغفل ونتعامى عن غيره لأننا لا نرتضيه)، ولذلك ننقل له عن الإمام أحمد نفسه نصًّا آخر في هذه المسألة، قال الخلال: أخبرني محمد بن أبي هارون، ومحمد بن جعفر، أن أبا الحارث حدثهم قال: وجهنا رقعة إلى أبي عبدالله، ما تقول رحمك الله فيمن قال: لا أقول إن معاوية كاتب الوحي، ولا أقول إنه خال المؤمنين، فإنه أخذها بالسيف غصبًا ؟ قال أبو عبدالله: هذا قول سوء رديء، يجانبون هؤلاء القوم، ولا يجالسون، ونبين أمرهم للناس) .فكيف بمن يطعن في أبي بكر وعمر وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين.
والإمام أحمد هو الذي يقول أيضًا: (وليست الرافضة من الإسلام في شيء). وقال: (من شتم أخاف عليه الكفر مثل الروافض)، وقال: (من شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نأمن أن يكون مرق عن الدين). بل جاء عنه أن من سب رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كفر.
ويمكن أن يجاب عن النقل الأول- إن ثبت- بأن الإمام أحمد لم يرَ من الرجل رفضًا، وإنما رأى منه تعظيمًا لبعض أهل البيت فقط.
 
نسأل الله الهداية والتوفيق لنا وللمؤلف، ولكل مبتدع وفاسق.
مرات التقييم:«141»

مسلسل عمر .. رؤية شرعية واقعية

علوي بن عبدالقادر السقاف

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، ورضوان الله تعالى على صحابته أجمعين.

أمَّا بعد:

فقد تكلَّم كثيرون عن مسلسل عمر الذي أنتجته شركة O3بالتعاون مع MBCوتليفزيون قطر لهذا العام (1433هـ - 2012م) ما بين مؤيد ومعارض، ومجيز ومانع، وحديثي هنا ليس عن حكم تمثيل الصحابة الكرام، بل عن هذا المسلسل بعينه؛ لأنني أظن أنه بداية فتح باب عريض، لا شك عندي أنه سيؤدي إلى تمثيل الأنبياء صلوات الله عليهم، وفي مقدمتهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وسيجيز ذلك أقوام هم الآن محجِمون، فبالأمس كانوا يحرمون تمثيل أيِّ صحابي، ثم أجازوا تمثيل الصحابة عدا العشرة المبشرين بالجنة، ثم عدا الخلفاء الأربعة، وها هو مسلسل عمر- بمباركة منهم- يظهر فيه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وبقية العشرة، وأصحاب الشجرة، وأصحاب بدر، وعدد من زوجاتهم رضي الله عنهم جميعاً.

ولما كان الحكم على شيء فرعاً عن تصوره- كان لابد لي من الاطلاع ولو على بعض حلقاتٍ من هذا المسلسل، فكتب الله لي ذلك، وقدَّره علي، وذلك بواسطة موقع (اليوتيوب)، ومن هنا جاءت هذه الوقفات الشرعية الواقعية:

وقبل البدء لابد من ذكر جوانب إيجابية في المسلسل، قد تخفى على البعض، خاصة وهناك من كتب خلافها غَيرةً على هذا الدين، أو بأحكام مسبقة على المسلسل، ومن ذلك:

أولاً: أن المسلسل يمثل وجهة نظر سنية بامتياز، مقابل وجهة النظر الشيعية، وكل من كتب خلاف ذلك فقد جانب الصواب، فهو يوضح بجلاءٍ مقصود- وهذا مما يُشكر القائمون عليه- العلاقة الحميمة بين أبي بكر وعمر من جهة وعلي وآل البيت من جهة أخرى، وأوضح حبَّ علي لأبي بكر وعمر رضي الله عنهم جميعاً، وتقديمهما على نفسه، وموقفه يوم السقيفة كما في كتب أهل السنة، لا كما زوَّره الرافضة، كما أنَّه أبرز شجاعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والتي يشهد بها الطرفان، وهذا مدعاة ليعرف الشيعة إنصاف أهل السنة وحبَّهم لآل البيت، ومنها أيضاً تسمية علي أبناءه بعمر وعثمان، وزواج عمر من أم كلثوم ابنة علي وغير ذلك، وكنت أتعجب من تخوف الشيعة وتحذيرهم من المسلسل، وصدور الفتاوى تلو الفتاوى والبيانات في تحريم مشاهدته، والحرب الإعلامية الشرسة التي قاموا بها، والتشويه والتضليل وغير ذلك، ولكن بعد رؤيتي لبعض حلقاته أدركت كم هو خطير عليهم، خاصة أن هناك فئاماً من الناس- وخاصة العوام منهم- يتأثرون بما يشاهدون أكثر مما يقرءون أو يسمعون.

ثانياً: الأحداث التاريخية في الجملة صحيحة، وموافقة لكثير من كتب التاريخ السني، بخلاف من طعن فيها جملة وتفصيلاً، وهذا لا يعني عدم وجود مخالفات، قد يأتي ذكرُها عَرَضاً، كان ينبغي ألا تفوت على المراجعين.

ثالثاً : أظهر المسلسل بجلاء شجاعة عمر، وقوته، وفضله، وعدله، وشدته على نفسه وأهله وأبنائه، ورحمته برعيته، وجهاده، وفتوحاته الإسلامية، وأنه قاهر نصارى الروم، ومجوس فارس، حتى قُتل على يدي واحد منهم، وهو أبو لؤلؤة المجوسي الفارسي لعنه الله، كما أبرز شجاعة عدد من الصحابة وبلاءهم وجهادهم في سبيل الله، كخالد بن الوليد، وأبي عبيدة بن الجراح، والمثنى بن حارثة، وسعد بن أبي وقاص وغيرهم، رضي الله عنهم أجمعين.

إنَّ تأثير المشاهد التاريخية المجسَّدة كبير جدًّا، وقد لمست ذلك من خلال سؤالي لبعض من شاهد هذا المسلسل، وغيره من المسلسلات الشبيهة، وهذه حقيقة لابد من الاعتراف بها، وحقيقة أخرى وهي أن هذا النوع من المسلسلات- أعني تمثيل الصحابة الكرام- سيكثر في المستقبل القريب، وسيلقى رواجاً كبيراً مما يدعو العلماء والدعاة لوقفة تأملٍ وتأنٍ، لا تقتصر فقط على ذكر أقوال المانعين، وهم كبار علماء الأمة، والمجامع الفقهية قاطبة؛ لأنه سيقابلها أقوال المجيزين ولو كانوا قلة، فكثير من الناس- وللأسف- لا يفرق بين هؤلاء وأولئك، بل هناك دعوات لتعميم هذا المسلسل وأمثاله لقاعات التعليم، كما نادى كثيرون، منهم عبد الرحمن آل الشيخ، كما في صحيفة الرياض عدد (16125) بتاريخ (29) رمضان تحت عنوان: (مسلسل عمر.. الشاشة أبلغ من الكتاب!!) ومما قاله: (مسلسل عمر نتطلع إلى إعادة عرضه في كل القنوات الفضائية بتكرار، ونتطلع أكثر إلى عرضه في كل قاعات التعليم الأوَّلي والعالي، ونأمل من أساتذة التعليم أن يحثوا ويشجعوا الطلاب والطالبات على مشاهدة هذا العمل لمن لم يشاهده، فهو أبلغ وسيلة تعليم لهم).

لهذا كان لابد من وقفة واقعية بجانب الوقفة الشرعية مع هذا النوع من المسلسلات، وقد حاولت ذلك في هذه الوريقات وذلك من خلال الإجابة على ثلاثة أسئلة:

السؤال الأول: هل المسلسل إسلامي؟

السؤال الثاني: هل له آثار سلبية؟

السؤال الثالث: ما حكم مشاهدته وأمثاله من المسلسلات؟

أما السؤال الأول فقد يبدو غريباً لدى البعض، إذ كيف لا يكون إسلاميًّا وهو يعرض التاريخ الإسلامي من خلال أحداث تاريخية- سليمة في الجملة- راجعها عدد من العلماء والدعاة.

لكن سيدرك كل من يشاهد حلقاتٍ قليلةً منه أنه ليس كذلك، فالموسيقى تصحب جميع حلقاته من أولها إلى آخرها، والنساء سافرات الوجه، الكبيرات منهن والصغيرات، بل هناك متبرجات تبرجاً قبيحاً، وفي بعض الحلقات غرام وعشق وغزل وقلة حياء، ممن يمثلون دور الكفار والكافرات، من المشركين أو المجوس أو النصارى.

ومن المخالفات الشرعية العقدية التي لم أر من تطرق لها، وهي خطيرة جدًّا على دين المرء، الأعمال والأقوال الكفرية التي صدرت من بعض الممثلين في كثير من الحلقات بحجة تمثيل دور كافر، وأنها ضرورة التمثيل، بل قل ضريبة التمثيل، إذ كيف يمثل دور الكافر، ولا يمارس الكفر والعياذ بالله؟!، لكن هل هذا يعذره عند الله؟!

أيها الأخ الغيور على دينه: اعلم أنه في الحلقات التي رأيتها؛ شُتِم الله عزَّ وجلَّ، وشُتِم رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ونِيل منه أكثر من مرة، واستُهزئ بالقرآن، وسُخر بالإسلام، وطِيف بغير الكعبة، ورأيت فيها ركوعاً وانحناءً وخضوعاً أمام أصنام وتصاوير مجسَّمة، وقسماً باللات والعزى، وسجوداً لبشر، ولُبسَ صليب، ... وقد أجمع العلماء على عدم جواز ذلك إلا للمُكره، بل قال بعضهم بكفر من فعل ذلك، نعم قد يقول قائل: هذا نقلٌ للكفر، وناقل الكفر ليس بكافر، وكُتُب السِّيَر والتاريخ مليئة بذلك، وأقول: نعم، لكنْ هناك فرقٌ بين من يقول: قال فلان كذا وكذا، وينقل عنه كلمات ٍكفرية، كسبِّ الله ورسوله، وينسبها إليه لا إلى نفسه، وبين من يسبُّ بنفسه، ويركع بنفسه، ويسجد بنفسه، ويقول أنه هو أبو لهب، أو أبو جهل، أو كسرى، أو قيصر، والعياذ بالله، فهذا مما لا أعرف أحداً من العلماء المحققين يجيزه، فإذا كان من ارتكب محرَّمًا في التمثيل كتناول الدخان أو شرب الخمر لا يُعذر، فكيف بمرتكب ما هو مجمع على كفره كسب الله ورسوله والعياذ بالله، والممثل كغيره يحاكَم بالمعايير نفسها التي يحاكَم بها سائر عباد الله، فليس من حقه أن يرتكب محرمًا أو أن يظهر الكفر بحجة التمثيل.

هذا غيض من فيض من المخالفات الشرعية التي امتلأ بها المسلسل.

أمَّا الآثار السلبية لهذا المسلسل فكثيرة جدًّا أجملها في ثلاث نقاط:

الأولى: يجمع أهل السنة قاطبة على أن مكانة الصحابة في نفوسهم عظيمة جدًّا، فالمرء عندما يقرأ عن شخصية أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان ذي النورين، وعلي بن أبي طالب، ثم يرى أشخاصهم تتجسد في صورة صعاليك- مهما كانت براعتهم في التمثيل- تتقزَّم عنده هذه الهيئة الذهنية العظيمة، والصورة العملاقة في صورة هذا الشخص الذي يمثُل أمامه، وهناك أشخاص بسطاء يندمجون مع هذه المسلسلات اندماجاً كبيراً، حتى سمعنا من يضحك ويبكي، ويسرُّ ويحزن أثناء مشاهدته لها، وكأنه أمام واقع حقيقي، فهو يتخيل هذا الصحابي العظيم بهذه الصورة التي أمامه بما فيها من عيوب ونقص، وقد علَّق كثيرون في (تويتر) وبعض المواقع عن هذا الأثر النفسي من ذلك تعليق إحدى المشاهِدات كما في موقع (CNNالعربية) على الرابط التالي:http://cutt.us/BNEm : (fatimaelyas @: أعترف بأني بعد مشاهدة 3 حلقات من مسلسل عمر حزنت أشد الحزن على ضياع الصورة العملاقة للفاروق من مخيلتي، ليتهم لم يجسِّدوه، وها أنذا أتراجع.)، ويشهد لذلك الليبراليون أنفسهم فهذه واحدة منهم وهي الأستاذة في المعهد العالي للسينما بالقاهرة ثناء هاشم تقول: (إنَّ إظهار هذه الشخصيات في المسلسلات من شأنه نزع القداسة عنها، ولا قدسية (للبشر) في الإسلام، وبالتالي يتيح مناقشة هذه الشخصيات ودورها الديني والتاريخي، مع ما يعنيه ذلك من تطور للفكر، وإعمال للعقل)، وما تسميه هي قدسية أو قداسة هو ما نعنيه بِعَظمة هذه الشخصيات ومكانتها في النفوس.

الثانية: يكرس المسلسل مفاهيم تحررية، ويُظْهِر مجتمع الصحابة بمظهر طالما نادى به الليبراليون وأشباههم، فالنساء مختلطات بالرجال- وأحياناً جنباً إلى جنب- في كلِّ مكان ومحفل، في الأسواق والطرقات، والمساجد، وغيرها، وهن سافرات الوجه دائما لا خمار ولا جلباب، وكأن هذه الملبوسات لم تكن معروفة لديهم، وفي هذا مخالفة شرعية وتاريخية صريحة، ولئن كانوا يعدون القول بتغطية الوجه إقصائيًّا وأُحاديًّا -على حد تعبيرهم- فإظهار جميع الصحابيات كاشفات الوجه دون غطاء جناية تاريخية، أما السواد والذي ورد ذكره في أكثر من حديث صحيح فلا أثر له، ومن المفاهيم السلبية أيضاً حديث الصحابيات، وضحكهن مع الصحابة، ونظر الصحابة إليهن، وهن سافرات الوجه، دون غض للبصر، وحفظ للحُرمات، بل ظهر بعضهن كاشفات لسواعدهن وهن يتحدثن مع الرجال بمن فيهم الخلفاء الأربعة، كحديثهن مع النساء والمحارم.

ومن المفاهيم السلبية أيضاً إظهار الصحابة مسبلي الثياب، مهذَّبي اللحى، بل بعضها ممسوحة مسحاً، لا تجد فيهم ذا لحية وافرة، كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما ندر، ولم يسلم من ذلك راوي حديث: ((اعفوا اللحى. وفي رواية: أرخوا اللحى)) أبي هريرة رضي الله عنه، والحديث هنا ليس عن مسائل فقهية خلافية، بل عن ظاهرة اجتماعية حرص المسلسل على تجسيدها، توحي للمشاهد أن هذا هو واقع الصحابة رضي الله عنهم.

ومن المفاهيم التي حرص القائمون على المسلسل إبرازها علاقة المسلمين بالنصارى وأهل الذمة، وإن كان في هذا جانب إيجابي يُظهر عدل عمر ورحمة الإسلام، إلا أن الإكثار منه والمبالغة فيه- حسب ما رأيت وشاهدت- يوحي بأن الهزيمة النفسية وإرضاء الآخر قد ألقت بظلالها، وأثَّرت على القائمين على المسلسل، وبالتالي تؤثر على المشاهد ولابد.

وفي المقابل نجد القائمين على المسلسل قد أغفلوا أحداثاً مهمة في سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأخفوها؛ لأنها لا تتوافق مع المشرب الليبرالي المتحضر، حسب زعم البعض.

ومن تلك الأحداث:

1- حادثة صبيغ التميمي الذي ضربه عمر رضي الله عنه، ومنعه من مجالسة الناس، خشية عليهم من أفكاره، وفي هذا منع لحرية الرأي، مع أن القصة مشهورة، وصحح إسنادها عددٌ من أهل العلم، منهم ابن كثير في تفسير أول سيرة الأنفال، وابن حجر في الإصابة (3/371).

2- حادثة أنَّ أبا موسى وَفَدَ إلى عمرَ بن الخطاب رضي اللهُ عنهما ومعهُ كاتبٌ نصرانيٌّ فأَعْجَبَ عمرُ رضي اللهُ عنهُ ما رأى من حِفْظِه، فقال له: قُلْ لِكَاتِبِكَ يقرأُ لنا كتابًا، قال: إنه نصرانيٌّ لا يدخلُ المسجدَ، فانتهرهُ عمرُ رضي اللهُ عنهُ وقال: (لا تُكرموهم إذ أهانهمُ اللهُ، ولا تُدنوهم إذ أقصاهمُ اللهُ، ولا تَأتمنوهم إذ خوَّنهمُ اللهُ). والقصة مشهورة، صحح إسنادها شيخ الإسلام ابن تيمية في ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (1/184)، والألباني في ((إرواء الغليل)) (8/255).

وهذه مشكلة بالنسبة لهم، تتعارض مع مبدأ التسامح مع الآخر، وفي المقابل حرص المنتجون للمسلسل على إبراز قصة القبطي مع ابن عمرو بن العاص، وهي مع شهرتها إلا أنها منكرة سنداً ومتناً، وفيها أن عمر رضي الله عنه طلب من القبطي أن يضرب الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه لأمر لم يفعله عمرو، ولم يأمر به، وأحضره من مصر، وكان واليها آنذاك، وتبعد مسيرة شهر عن المدينة، فيترك رعيته في مصر من أجل أن يقتص القبطي منه ومن ابنه! كل ذلك حتى يظهروا تعامل الإسلام مع الآخر، ليختموا القصة بالعبارة المشهورة: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)

ومن القصص المستنكرة التي احتفوا بها أيما احتفاء، وأولوها اهتماماً خاصًّا في المسلسل: قصة تولية الشفاء بنت عبدالله العدوية ولاية الحسبة على الرجال في الأسواق، وهي قصة مشهورة، لكنها لم تثبت بسند صحيح، وقد ضعفها جمع من العلماء منهم ابن العربي في ((أحكام القرآن)) ( 3/1457) حيث قال عنها : (وقد روي أنَّ عمرَ قَدَّمَ امرأةً على حِسْبة السوق، ولم يصح، فلا تلفتوا إليه، فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث)

ومن حرصهم على إظهار العنصر النسوي، وأثره الفاعل في المجتمع، واختلاطه بالرجال- كما هو ديدن دعاة الليبرالية- إيرادهم عدداً من الروايات التي حدثت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومن ذلك:

1- طلب عاتكة زوجته الخروج إلى الصلاة، ومراجعتها لعمر في ذلك واستشهادها بحديث: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله).

2- وقوفه أمام الرجال والنساء مع خولة بنت ثعلبة، وهي تقول له: كنت تنادى عميراً، ثم عمر، ثم يقال لك الآن: أمير المؤمنين.

3- قول عمر في قصة رفع المهور: (امرأة أصابت ورجل أخطأ)، مع أن سند القصة فيه انقطاع، كما ذكر ذلك ابن كثير في تفسير الآية العشرين من سورة النساء، وابن حجر في ((فتح الباري)) (9/111).

ومحصل ذلك كله أن عوام الناس عندما يرون كل ذلك، وينطبع في أذهانهم، ويصور لهم حال الصحابة والصحابيات بهذا الحال- تترسَّخ في أذهانهم، وتنطبع هذه الصورة، ثم إذا رأوا من يدعوهم إلى خلافها اتهموه بالتشدد، والإتيان بفهم جديد للدين، غير الذي كان عليه الصحابة رضي الله عنهم، وفي هذا تشويه ومسخ لما أُمرنا أن نكون عليه، وقد مارس هذا التشويه في العقود المنصرمة ممثلو الكوميديا والفكاهة، وفي السنوات الأخيرة بمسلسلات الطيش، وذلك من خلال الاستهزاء بالتدين والمتدينين، ويبدو أننا مقبلون على تشويه من نوع آخر، وهو المسلسلات التاريخية الدرامية الجادة، وقد يكون خطر هذه أعظم، خاصة إن كان فيها تشويه للتاريخ الإسلامي؛ لأن الأولى فيها تحريك للمشاعر، ما يلبث أن يزول، مع مبالغة في السخرية، يدركها الغبي قبل الفطن، أما الثانية فهي ثقافة تُبَث في المجتمع، ومفاهيم تُزرع في أذهان الناشئة، يستغرق تصحيحها أزماناً عديدة، مع ما في بعضها من جوانب إيجابية لا تُنكر.

وهنا نكتة أحب أن ألفت الانتباه إليها، وهي أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين نقلوا لنا هذا الدين، وأفعالهم وأقوالهم معتبرة في التشريع، ناهيك عن الخلفاء الراشدين، الذين قال عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنَّتِي وسنةِ الخلفاءِ الراشدين المهديين من بَعْدي، عَضُّوا عليها بالنواجذ). فعندما يرى المسلم العامي- كما في المسلسل- أبا بكر أو عمرَ أو غيرهما يطوفون ويدعون ويصلون بطريقة وهيئة معينة- ترسخ في ذهنه هذه الطريقة، ولا يبعد أن يقلدها ويتأسى بها، وقد أحصيت عشرات الأخطاء من هذا القبيل، لا أريد أن أطيل بها المقال.

أخيراً،،،

ما حكم مشاهدة مثل هذه المسلسلات للمتعة والفائدة؟

وقبل الإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نفرِّق بين القول بجواز تمثيل وتجسيد الصحابة، والقول بجواز إنتاج مسلسل عمر ومشاهدته، وكذلك التفريق بين مراجعة النص التاريخي، وإنتاج المسلسل نفسه.

أمَّا القول بجواز تمثيل الصحابي، فنعم، قال به بعض المعاصرين، وسبق الحديث عنه، لكني لا أعرف ولا أظن أن أحداً من أهل العلم يقول بجواز إنتاج مثل هذا المسلسل بما فيه من المنكرات التي ذكرتها آنفاً، فلابد من التفريق بين الأمرين، فهناك فرقٌ بين التنظير والتطبيق، والقوم عهدنا منهم أخذ الفتاوى واستثمارها والاستفادة منها حسب أهوائهم، وكذلك مراجعة النص التاريخي لا يعني إجازة إنتاجه بهذا الشكل.

وبعد هذه المقدمة، يتضح الجواب: وهو أنه لا تجوز مشاهدة المسلسلات التي تظهر فيها النساء متبرجات، وتصحبها الموسيقى، فضلاً عن أن يُتلفظ فيها بالكفر، ويُجسَّد فيها الصحابة رضوان الله عليهم، سواء كان للمتعة، فلا يُستمتع بمحرم، أو لفائدة تاريخية أو فكرية؛ لأن القائمين على هذه المسلسلات لا يُستأمنون على دين.

وقد يقول قائل: وأين الذين يُستأمنون؟ أين العلماء وطلاب العلم والدعاة؟ أين الأخيار من أصحاب الأموال؟ لماذا لا ينتجون مثل هذه المسلسلات، والجواب على ذلك من ثلاث نقاط:

الأولى : أنه لا يلزم كلما جاءنا الغرب بوسيلة تعليمية أو ترفيهية أن نأخذ بها، فلكل أمة دينها وثقافتها، كما أنه لابد من التحرر من عقدة إيجاد البديل.

الثانية : أن الإشكال والمانع الأساس قائم، وهو حرمة تمثيل وتجسيد الصحابة رضوان الله عليهم؛ لما في ذلك من آثار سلبية مهما كانت جودة التمثيل وصحة الروايات والأحداث التاريخية.

الثالثة : أن هذه المسلسلات بحكم أنها وافدة من الغرب جاءتنا مترابطة ومتشابكة مع جملة من المحرمات يصعب الانفكاك عنها كالعنصر النسوي، وتمثيل دور الكافر، وما شابه ذلك، ولسنا مطالبين بأسلمة كل وافد، وخيرٌ للمسلمين أن يتميزوا بثقافاتهم، ويبدعوا فيها من أن يظلوا تابعين لغيرهم ومقلدين.

ولعل الله يقيض جهة أو جهات موثوقة في دينها ومنهجهها، متميزة بعقيدتها، تستطيع أن تُبدع في إنتاج مسلسلات تاريخية هادفة من غير منكرات شرعية ولا تمثيل ما لا يجوز تمثيله وتجسيده مقابل مسلسلاتالفجور والضلال والتضليل.

هذا ...، وأسأل الله عزَّ وجلَّ أن يرينا الحقَّ حقًّا، ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً، ويرزقنا اجتنابه

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

مرات التقييم:«170»

موقف حزب النُّور من الانقلاب العسكري (رؤية شرعيَّة واقعيَّة)

الشيخ علوي السقاف
 
إنَّ الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد محمدًا عبده ورسوله.
 
أمَّا بعد:
 
فإنَّ المنهج السَّلفيَّ هو منهج أهل السُّنة والجماعة، والذي هو في حقيقته يمثِّل الإسلام المحض، فكلُّ مَن اعتنقه فهو سلفيٌّ، وهو ليس حِكرًا على حزب، أو جماعة بعينها، فكلُّ مَن اتَّبعه وانتهجه وانتسب إليه فله نصيبٌ من هذا بقدْر اتباعه لقواعده وأصوله، وبقدْر قُربه وبُعده، وإصابته وخَطئه، ومِن القواعد الأساسيَّة لهذا المنهج: (أنَّ كلَّ أحد يُؤخذ من قوله ويرد إلَّا النبيَّ المعصوم صلَّى الله عليه وسلَّم)، وعلى هذا سار عملُ العلماء والأئمَّة في كلِّ وعصر ومِصر؛ قال ابن القيِّم رحمه الله - بعدما اعترض على رأي لشيخ الإسلام الهرويِّ -: (شيخُ الإسلام حبيبٌ إلينا، والحقُّ أحبُّ إلينا منه، وكلُّ مَن عدا المعصوم صلَّى الله عليه وسلَّم فمأخوذٌ من قوله ومتروك،....) ثم قال: (ولولا أنَّ حقَّ الحقِّ أوجب من حقِّ الخَلق، لكان في الإمساك فُسحةٌ ومتَّسع) ((مدارج السالكين)).
 
وهذه المقالة هي من هذا الباب؛ فلولا أنَّ حقَّ الحقِّ أوجب من حقِّ الخلق، لكان في الإمساك فسحةٌ ومتَّسع، لكن - وبعد تجاوزات تلوَ تجاوزات من بعض المنتسبين للمنهج السلفيِّ - ما بات السُّكوت يسع بلْ ما بات يجوز، وتخطئة حزب أو جماعة، أو عالم أو شيخ أو داعية، لا يَعني اتِّهامه في دينه أو غير ذلك، وفرْقٌ بين المتأوِّل وغيره، ولا يلزم من حُسن الظنِّ السُّكوتُ عن الخطأ؛ وخطأ العالم أو المنتسب للمنهج السلفيِّ أعظمُ من غيره؛ لما فيه من تضليل العامَّة، وإساءة ظنِّهم بالمنهج، كما أنَّ خطأ الواحد منهم لا يصحُّ (بل لا يجوز) أن يُنسب لكلِّ مَن يَنتسب للمنهج، فضلًا عن أن يُنسب للمنهج نفسه!
 
ومن قواعد المنهج السلفيِّ البدهيَّة: أنَّ الرُّجوع إلى الحقِّ واجب، والاستمرار على الخطأ بعد وضوحه وظهوره أعظمُ خطأً وخطيئةً من الخطأ الأوَّل، وعُذره أصعبُ!
 
ومِن أمثلة مَن وقع في الخطأ حزب النور السَّلفي التابع لجماعة الدَّعوة السلفيَّة بالإسكندرية في مصر، منذ دخول الحزب في اللُّعبة السِّياسيَّة وتأييده لليبروإسلامي عبدالمنعم أبو الفتوح، وانتهاءً بمساهمته في وضع خارطة مستقبل مصر والإطاحة بالرَّئيس الشرعي المنتخَب محمَّد مرسي، وأمور أخرى بينهما كثيرة.
 
وقد استمعتُ قبل يومين كلمةً للشيخ ياسر برهامي - أحد أكبر زعماء الدَّعوة السلفيَّة مظلَّة حزب النور - يُبرِّر فيها موقف الحزب، والذي شارك ممثِّل منه (جلال مرة - أمين الحزب) مع شيخ اﻷزهر، وبابا اﻷقباط، والبرادعي، وذلك تحت إشراف القائد العامِّ للقوات المسلَّحة الفريق أوَّل عبدالفتاح السِّيسي، ولقد هالني ما سمعتُه من الشَّيخ ياسر في كلمته المشار إليها من تبريرات واهية، وأسباب غير مقنِعة، تجاهل فيها أنَّ مِثل هذا التصرُّف يُزعزع رابطتَه بالمنهج السلفيِّ، ويَقلعها من جذورها!
 
وسوف أُجمل ما ذكره الشَّيخ في تِسع نقاط، وأُبيِّن خطورتها ومزالقها:
 
أولًا: برَّر الشيخُ فِعلَهم هذا أنَّه جاء حقنًا لدماء المسلمين، وردَّده كثيرًا، واستشهد بأحاديثَ عن حُرمة دم المسلم، وحمَّل جميع اﻷحزاب السِّياسيَّة والجماعات اﻹسلاميَّة المؤيِّدة للرئيس كلَّ قطرة دم تسقُط؛ بسبب عدم قَبولهم وخضوعهم ﻹرادة الشَّعب الذي نزل معارضًا للرئيس.
 
وقد نسي الشيخُ - أو تناسى- الدِّماء التي ستُسفك بسبب الانقلاب العسكريِّ الذي شارك فيه الحزبُ، والتي بدأنا نسمع عنها من اليوم الأوَّل الذي وقع فيه الانقلاب؛ فهل سيتحمَّل حزب النور كلَّ قطرة دم تسقط بسبب مشاركتهم الظالمة في هذا الانقلاب؟! وماذا لو سبَّب هذا اﻻنقلابُ - ﻻ قدَّر الله - المئات أو اﻵلافَ من القتْلى، أو حربًا أهليَّة طويلة المدى؟ أﻻ يتحمَّل الحزبُ وِزرَه؟!
 
ثانيًا: ذكر الشيخ أنَّ العسكر قد تعهَّد لهم بعدم مسِّ الشريعة.
 
وغريبٌ أن يصدُر هذا من زعيم لتيَّار سلفي عريض في مصر، وقد تناقض الشيخُ في كلمته هذه القصيرة؛ حيث ذكر هنا أنَّ الجيش تعهَّد بعدم مسِّ الشريعة، وبعدها بدقائق ذكَر وهو يعدِّد فائدة وجودهم في اﻻجتماع: أنَّهم أقنعوا الحضور بتعطيل الدستور مؤقَّتًا بدلًا من إلغائه كليَّةً، وهذا يعني أنَّ هذا الجيش الذي تعهَّد بعدم مسِّ الشريعة أراد أن ينقُض الدستور الذي فيه رائحةُ الشَّريعة! بل نقضَه وعطَّله مؤقتًا، وبهذا يكون قد مسَّ الشريعة قبل أن ينفضَّ الاجتماع. ثم إنَّ المجلس العسكريَّ حَكم مصر قرابة عام ونِصف؛ هل حَكم فيها بالشَّريعة؟! وإبرازه لبابا الأقباط والبرادعي المصرِّحينِ برفض الشَّريعة، قرينةٌ واضحة على موقفهم من تطبيق الشَّريعة، ثمَّ ألا يعلم الشيخ أنَّ المؤسَّسة العسكرية المصريَّة مؤسسة قديمة لها مشروعها المتناغم مع الغرب ولها كثيرٌ من المصالح في داخل البلاد وخارجها والتي ستصطدم حتمًا مع أي مشروع آخر يدعو إلى تغيير الحال في مصر إن تمكن من ذلك؟! فكيف يُـوثَق بمن هذا حاله؟! وهل سيترك الجيش مشروعهم القديم المتجذر في المؤسسة لينفِّذوا رغبة الشعب حال خروجهم في الميادين، أم أنه سيستغل الشعب وبعض التيارات الوطنيَّة والإسلامية لتحقيق أهدافه؟!
 
ثالثًا: ثم تحدَّث الشيح عن نزول ملايين المعارضين، وذكَر أنَّهم ليسوا كلُّهم فلولًا وﻻ علمانيِّين، وأنَّه كان ﻻ بدَّ من النُّزول على رغبة هذه الجماهير، وإلَّا سُفكت دماء ... إلخ.
 
وهذا الكلام فيه صواب، وفيه مغالطة
 
 فأمَّا الصَّواب: فنعَمْ خرجت أعدادٌ كبيرة من المصريِّين تطالب بإسقاط الرِّئاسة، ونعم ليسوا كلُّهم فلولًا ولا علمانيِّين
 
وأمَّا المغالطة هنا - والتي أهملها الشيخ تمامًا - فهي: مَن الذي أخرج هذه الجماهير؟ ومَن الذي جيَّش لها، وأنفق عليها ملايين الجنيهات منذ أشهر، بل وتوعَّد بها؟ وماذا عن الجماهير اﻷُخرى المضادَّة لهم والمؤيِّدة لشرعيَّة الرَّئيس؛ أليست أكثرَ بشهادة كلِّ مبصِر، وخاصَّة في اليوم التالي؟! بل لو أنَّ قائلًا قال: إنَّ الانقلاب العسكريَّ قد يكون هو السببَ الأقوى والمباشر في سفك الدِّماء؛ لأنَّ الملايين المحتشدة المؤيِّدة لمرسي قبل الانقلاب لا يمكن أن ترضَى بالانقلاب، وسيقاومونه كثيرًا - لَمَا جانب هذا القائل الصَّواب، بل الواقع التالي للانقلاب شاهدٌ لصحَّته.
 
رابعًا: ذكر الشَّيخ أنَّهم سَعَوا في إقناعهم بتعطيل الدستور مؤقَّتًا بدﻻً من إلغائه، وأنَّ هذه إحدى مناقب المشاركة في وضْع خارطة المستقبل.
 
وقد ذكرتُ التناقض بين هذا وبين تعهُّد العسكر بعدم مسِّ الشريعة، وأضيف هنا: أنَّه ليس هناك فرقٌ ألبتةَ بين تعطيل الدُّستور مؤقَّتًا وبين إلغائه؛ ﻷنَّ القوم لو أرادوا تطبيق الدستور لما عطَّلوه مؤقَّتًا، لكنَّهم وافقوا على تعطيله مؤقَّتًا لامتصاصِ غضبة الجماهير، وبعد اﻻنتخابات سيأتي رئيسٌ جديد، وحكومة جديدة، ودستور جديد.
 
خامسًا: استشهد الشيخ بحادثة مقتل عثمان رضي الله عنه، وأنَّه منَع الصَّحابة من الدِّفاع عنه؛ خشيةَ إراقة الدِّماء، وأنَّه كان يجب على الرئيس مرسي فِعل ذلك.
 
وهذا استشهاد مع الفارق، بل الفوارق، وخشية اﻹطالة أكتفي بفارق جوهريٍّ واحد، وهو: أنَّ عثمان رضي الله عنه رضِيَ أن يُقتل؛ حتى ﻻ يَقتتل المسلمون بسببه ﻻ بسبب الدِّين، فهو على يقين أنَّ حُكم الشَّرع في زمنه ليس متوقِّفًا على حياته، وأنه إذا قُتل لن يأتي كافر أو زِنديق يحكُم المسلمين وفيهم أكابرُ الصَّحابة، وفي مُقدِّمتهم عليٌّ رضي الله عنه، أمَّا في حادثة مصر هذه، فاﻷمر مختلف تمامًا؛ فعزْلُ مرسي الآن يعني إقصاءَ الحُكم اﻹسلاميِّ في هذه المرحلة، نعَمْ لو كان الخلاف بين مجموعة من الإسلاميِّين الذين يرغبون في تطبيق الشَّرع، وكان الحُكم بينهم لا يخرج عنهم، لصحَّ اﻻستشهاد، ولقلنا: ﻻ يجوز أن تُسفك الدِّماء بسبب فلان أو فلان، لكن ما أحوجَنا إلى دقَّة الفقه والاستنباط، وخاصَّة عندما تدلهِمُّ الخطوب، وتُثار الفتن!
 
ثم إنَّ هذا استشهاد غير موفَّق وفي غير محلِّه، بل الصَّواب أنَّه يُستشهد بفِعل عثمان رضي الله عنه على صِحَّة ما فعَلَه الرئيس، لا على خِلافه كما زعم الشَّيخ؛ فمُحمَّد مرسي سلَك مسلك الخليفة الراشد عثمان بن عفَّان رضي الله عنه في رفْضِه التنازُل عن الحُكم، ولو أدَّى هذا إلى سَجنه أو حتَّى قتْله، وحزب النُّور أقربُ في موقفه هذا إلى موقف قتَلَة عثمانَ رضي الله عنه.
 
سادسًا: تحدَّث الشيخ عن أنَّهم عرَضوا على الرِّئاسة حكومة ائتلاف تُرضي الجميع، فرفضتْ الرِّئاسة ذلك.
 
ومعنى حكومة ائتلاف (وهو مطلب غربيٌّ كما في سوريا اﻵن) أن تتشكَّل الحكومة من جميع أطياف المجتمع: اﻹخوان، والسلفيِّين، والليبراليِّين، والعلمانيِّين، واﻷقباط، والمستقلِّين، ومن اﻷحزاب اﻷخرى اليَساريَّة وغيرها؛ فكيف يصدُر هذا من زعيم وقائد أكبر حِزب أو جماعة سلفيَّة في مصر، مع تنافي هذا الأمر مع ثوابت المنهج السَّلفيِّ مِن أنَّه لا يجوز تولية الكافر على المؤمن ولايةً عامَّة؟! فإنْ كان ذلك من باب أخفِّ الضَّررين؛ فهل هذا أخفُّ ضررًا أم بقاء الرئيس محمَّد مرسي على ما في فترة حُكمه من أخطاء أو مؤاخذات؟!
 
سابعًا: تحدَّث الشَّيخ عن استمساكهم بالشَّريعة، وقال: لم نتنازل عن الشَّريعة.
 
وﻻ أدري عن أيِّ شريعة يتحدَّث؟! فإذا كان الدُّستور الذي ينصُّ على تطبيق الشريعة - على ما فيه من مخالفات جِسام - قد عُطِّل العمل به بموافقتهم! وإذا كان الرئيس الجديد الذي توافقوا عليه مجهولًا لا يُعرف حاله،  وإذا كانت خُطَّة المستقبل وضعها خائنٌ، وعلمانيٌّ، ونصرانيٌّ؛ فعن أيِّ شريعة يتحدَّث الشَّيخ؟! لكن من باب حُسن الظن الواجب نقول: لعلَّه يعني لم يتنازلوا عن الشَّريعة نظريًّا واعتقادًا؛ ﻷنَّ هذا الفِعل كفر ورِدَّة، أمَّا عمليًّا وتطبيقًا، فلا شكَّ أنَّهم - بفعلهم هذا ومشاركتهم هذه - أسْهموا في تقويض محاولة تطبيق الشَّريعة.
 
ثامنًا: تحدَّث الشيخ عن المصالح والمفاسد، وأنَّ ما فعلوه كان لتقليل المفاسد والشُّرور.
 
ومبدأ تقليل المفاسد والشُّرور مبدأ إسلاميٌّ أصيل، لا نختلف عليه، لكنْ أيُّ مصلحة في خَلْع رئيس مسلِم تمَّتْ بيعته من قِبل المصريِّين، والبديل علمانيٌّ أو ليبراليٌّ؟! وأيُّ مصلحة في وَأْد التَّجرِبة الإسلاميَّة السياسيَّة؟! وأيُّ مصلحة في تعطيل أفضل دُستور مرَّ على مصر في الزَّمن الحاضر؟!
 
تاسعًا: ثمَّ ذكر أنَّهم اتُّهموا بموالاة أعداء الله، ونفَى عن نفسه وحزبه هذه التُّهمة.
 
ورغم أنَّ الواجب حسن الظنِّ بهم، إلَّا أنَّ اﻻجتماع مع أعداء الله من النَّصارى والعلمانيِّين، ووضْع خُطَّة - أو على اﻷقلِّ الموافقة على خُطة - تنصُّ على عزل رئيس مسلِم بُويع من قِبل الشَّعب، مقابلَ الإتيان برئيس أحسن أحواله أنَّه مجهولٌ وغامض، ومعيَّن من قِبل العسكر، لا يمكن أن يُفسَّر إلَّا أنَّه مواﻻة، بل قد يكون فيه نوعُ مُظاهرة ﻷعداء الله على المؤمنين، وفي المظاهَرة معنى النُّصرة، وهي أعظمُ من المواﻻة، ولكنَّنا نتأوَّل لهم، غفَر الله لنا ولهم.
 
وقد كان بإمكان حِزب النُّور اعتزالُ هذا اﻷمر إنْ كان اشتبه عليهم، ولم يعرفوا فيه الحقَّ من الباطل، كما فعل بعض اﻹسلاميِّين وبعض طلبة العلم السلفيِّين.
 
ولا أدري كيف غابت المعاني القرآنية عن الشَّيخ وزعماء الحزب، وأعداء الله تعالى هم هم؛ {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران: 167] فـ {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 8]، وينفقون أموالهم، ويتَّخذون كلَّ وسيلة، ويمكرون كلَّ مكرٍ وحيلة؛ لأنَّهم {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} [الصف: 8]؟! ولكن الله تعالى لهم بالمرصاد، وهو سبحانه {مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف: 8].
 
وكيف غاب عنهم ما استقرَّ من منهج أهل السُّنة والجماعة من عدم جواز الخُروج على الحاكِم المسلم الذي لم يُرَ منه كفرٌ بواح؟! وهو مَن رضي به المسلمون، واستتبَّ له الأمر، سواء بالتغلُّب أو الانتخاب أو التَّعيين.
 
لكن قد يغترُّ إنسانٌ بقوَّته أو ماله، وتغترُّ جماعة بكثرة أتباعها، ويغترُّ حزب بفوزه في انتخابات، فيُنسي هذا الاغترارُ مثلَ تلك المعاني الربَّانيَّة، والأصول المستقرَّة.
 
وممَّا يوجب على المرء الكتابة في هذا الموضوع ما لاكتْه بعضُ الألسن، ودنَّست به الأوراقَ أحبارُ بعض الأقلام باتِّهام المنهج السَّلفي والتيَّارات السلفيَّة في مصر الحبيبة بما أقدم عليه حزبُ النور، مع العِلم أنَّه مجرَّد حزبٍ سلفيٍّ من أحزاب سلفيَّة أخرى، صحيح أنَّه أكبر الأحزاب السَّلفيَّة في مصر، لكن بمجموع الأحزاب والجماعات والأفراد السلفيِّين في مصر ليس هو أكثرَها، فالمنهج السلفيُّ في مصر تيَّار جارف، والحمد لله، وأتباعه كثيرون، ولا يُمكن لحزب أن يحتكرَه لنفسه؛ فمِن الهيئات والجماعات والأحزاب السَّلفية في مصر، والتي لا تؤيِّد حزب النور في سعيه للانقلاب العسكريِّ، ويؤيِّدون شرعيَّة الرَّئيس المنتخَب (على اختلاف بينهم في بعض الرُّؤى والتوجُّهات):
 
1- الهيئة الشرعيَّة للحقوق والإصلاح، ومن أبرز علمائها السلفيِّين:
 
على السالوس، وطلعت عفيفي، ونشأت أحمد، وعُمر بن عبد العزيز القريشي، ومحمَّد عبد المقصود عفيفي، والسيِّد العربي، ومحمَّد يُسري، وحازم أبو إسماعيل وقد أصبح الآن يتبعه جموعٌ غفيرة.
 
2- جبهة علماء الأزهر، وفيها كوكبةٌ من علماء الأزهر الشُّرفاء.
 
3- مجلس شورى العلماء (وفيهم عددٌ من علماء أنصار السنة المحمدية بمصر)، ومن أبرز أعضاء المجلس: جمال المراكبي، وعبد الله شاكر، ومصطفى العدوي، ووحيد عبد السَّلام بالي، وسعيد عبد العظيم، وأبو إسحاق الحويني، ومحمَّد حسان، ومحمَّد حسين يعقوب.
 
4- الجبهة السلفيَّة (وهي رابطة تضمُّ عدَّة رموز إسلاميَّة وسلفيَّة مستقلَّة،  كما تضمُّ عدَّة تكتُّلات دعوية من نفس الاتجاه، ينتمون إلى محافظات مختلفة في جمهورية مصر العربية)، ومن أبرزهم: خالد السَّعيد، وهشام كمال.
 
5- الجماعة الإسلاميَّة (حزب البناء والتنمية)، ومن أبرز قادتهم: كرم زهدي، وعبود الزُّمر، وطارق الزُّمر، وصفوت عبد الغني، وأسامة حافظ، وعصام دربالة، وعاصم عبد الماجد، وعبد الآخر حماد، وغيرهم.
 
6- حزب الأصالة السلفي: ويرأسه حاليًّا إيهاب شيحة.
 
7- حزب الوطن السلفي: ويرأسه عماد عبد الغفور ونائبه يسري حماد.
 
8- التيار الإسلامي العام: ورئيسه حسام أبو البخاري.
 
9- كثير من أهل سيناء، والذين يغلب عليهم المنهج السَّلفي، مثل: تحالف القوى الإسلاميَّة والوطنيَّة والسياسيَّة والثوريَّة بشمال سيناء.
 
10- سلفيون انشقُّوا عن حزب النور وخالفوا آراء الحزب: كعضو الهيئة العليا للحزب محمَّد عمارة، وإيهاب عُمر مسؤول الدعوة السلفيَّة في شمال سيناء الذي انضم إلى المتظاهرين المؤيدين للرئيس محمد مرسي، وأحمد أبو العنين رئيس الدعوه السلفيه بمحافظة الدقهليه، الذي صرَّح أن انشقاقه من الحزب بسبب تعاونه مع النصارى والعلمانيين ضد الإسلام.
 
11- كما أنَّ هناك قوى وتحالفات وطنيَّة غير الإخوان والسلفيِّين شكَّلت (الائتلاف الإسلامي)، ويضمُّ جميع الأحزاب الإسلاميَّة عدَا حزب النور، وهدف الائتلاف كما نصُّوا عليه: حماية  الشَّرعيَّة، وعودة الرئيس محمَّد مرسى إلى  منصبه؛ لأنَّه الرئيس الشرعيُّ للبلاد.
 
هذا داخل مصر، أمَّا خارجها فجمهور علماء أهل السُّنة ودُعاتهم لا يقرُّون حزب النور فيما ذهب إليه، يُعرف ذلك من تصريحاتهم وخُطبهم وكتاباتهم وتغريداتهم على (تويتر).
 
وختامًا: ليُعلم أنَّه ليس فيما ذكرته تزكية للعملية الديمقراطية، ولا لجماعة الإخوان المسلمين أو حزب الحرية والعدالة أو محمد مرسي أو الدستور الأخير بل لأن هذه المعركة الشَّرسة، وهذا التَّخطيط الإبليسي المقصود منه مواجهة التيَّار الإسلامي ككلٍّ، وإحباط المشروع الإسلامي برُمَّته، وإفشال أوَّل تجرِبة في هذا العصر لإقامة حُكم إسلاميٍّ في مصر.
 
ولا شكَّ أنَّ دين الله تعالى ظاهر منصور، والله غالب على أمره، {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171 - 173].
 
والواجب على المسلمين وعلى الدُّعاة إلى الله في كلِّ حين، وفي مِثل هذه الأوقات على وجه الخصوص أنْ يتذكروا النُّصوص الآمرة بالاجتماع على الحقِّ، والنَّاهية عن الفُرقة، وأن يتعالَوْا على مصالحهم الحزبيَّة وعلى خلافاتهم الشخصيَّة، وأن يتَّهم الفردُ نفسه، وتتهم الجماعة رأيَها في الفُرقة، وأن تصحِّح نظرتها ومنطلقاتها وموقفها بالاستماع إلى غيرها من أهل الغَيرة على الإسلام، وأن يُطبِّقوا حقيقة فقه الأولويات، ومعرفة خير الخيرين من شرِّ الشرَّين، فالمسلم خيرٌ من العلمانيِّ، والحاكمُ الذي تتحقَّق فيه شروط الولاية خيرٌ من الحاكم الذي لا يَستوفي هذه الشُّروط، بل قد يستجمع نواقضَها! ومن القواعد الفقهيَّة المقرَّرة: أنَّ الخير الناجز لا يُترك لمفسدة متوهَّمة، و لا يُترك حقٌّ ثابت لمتُوهَّم.
 
وكلمةٌ أخيرة لعلماء وقادة الدعوة السلفية بالإسكندرية:
 
إنَّ أشدَّ ما نخشاه هو أن يؤثِّر هذا الموقف السياسي الأخير لحزب النور على الدعوة السَّلفية التي كانت لها جهودٌ عظيمة وآثارٌ طيبة ليس في الإسكندرية فقط بل في مختلف أنحاء مصر وخارجها، ونؤكد على ضرورة استمرار الدعوة السلفية في الجانب الدعوي والتربوي مع استدراك الأخطاء التي وقعوا فيها في العمل السياسي والرجوع لأهل العلم واستشارتهم في المسائل الجسام التي تتعلق بالأمة.
 
كما ندعوهم إلى الانضمام إلى مؤيدي الشَّرعية من الإسلاميين وغيرهم، والسرعة في تدارك الأخطاء قبل فوات الأوان لتجنب مزيد من الخسائر، والمبادرة بإعلان رفض الانقلاب على الرئيس المنتخب بعد أن ظهرت بوادر الاستبداد والإقصاء للإسلاميين بغلق القنوات الفضائية المؤيدة للشرعية، والاعتقالات، وترشيح رموز العلمنة لرئاسة الحكومة، وغير ذلك، فهؤلاء القوم لا عهدَ لهم ولا أيمانَ لهم، وما اتَّخذوهم إلَّا كغطاء لما يكيدونه لمصر، وكلُّنا أملٌ في أوبةٍ حميدة لإخواننا وهذا هو الظنُّ بهم أنَّهم رجَّاعون للحقِّ، وقَّافون عند حدود الشَّرع، وبما لهم من سابقة في الدَّعوة إلى الله تعالى، وتعليم النَّاس الخير، وهذا من محاسن المنهج الذي ينتسبون إليه.
 
اللهمَّ اجمع كلمة المسلمين على الحقِّ.
 
والحمد لله ربِّ العالمين.
مرات التقييم:«79»

مُلاحظات على كتاب ( مشاهد من المقاصد ) لعبدالله ابن بيّه

الشيخ علوي السقاف: يؤخذ على هذا الكتاب عددٌ من المؤاخذات، وهي وإن كان بعضها ليس من صلب موضوع المقاصد، لكن لها دلالات على المنهج الذي سلكه المؤلف، والذي وظَّف من أجله موضوع المقاصد، وسنقتصر الحديث هنا عن مسألتين فقط الأولى: مسألة الاستغاثة وأنها مسألة خلافية.
 
 يقول المؤلف - عفا الله عنه- ص 113: (فإن الاستسقاء عند القبر النبوي الشريف بتوجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بـ(استسق) لنا يعتبر بدعة فاحشة [يعني عند من يرى بدعة الترك] أوصلها بعضهم إلى الكفر، مع ورود أثر عن فعل شخص له إما صحابي أو تابعي، وإبلاغ ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ولم ينكره). ثم ساق ما أخرجه ابن أبي شيبة بسنده عن مالك الدار قال: (وكان خازن عمر على الطعام، قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتي الرجل في المنام فقيل له: ائت عمر فأقرئه السلام، وأخبره أنكم مسقيون، وقل له: عليك الكيس، عليك الكيس. فأتى عمر فأخبره فبكى عمر ثم قال: يا رب لا آلو إلا ما عجزت عنه. وأخرجه البيهقي وصححه الحافظان ابن حجر في ((الفتح)) وابن كثير في ((البداية والنهاية)). وقد نازعوا بعضهم في عنعنة الأعمش بما هو معروف من الخلاف عند المحدثين في عنعنة المدلس إذا لم يكن غالبا عليه والأعمش ضابط لغلبة موافقة حديثه للضابطين... وقالوا: إنه لو صح فإن ما فهم من أصول العقيدة ينفيه وإن الصحابة ما فعلوه وهنا يكون الإشكال بين المدرستين في ضبط ترك السلف وفي فهم ما هو عبادة لا تصرف إلا لله، وفي استعمال المجاز في الإسناد كقول عمر للنبي عليه الصلاة والسلام: هلا أمتعتنا بعامر كما في ((صحيح مسلم)) وذلك حين ترحم النبي صلى الله عليه وسلم على عامر بن الأكوع ففهم عمر من ذلك الإشارة إلى موت عامر فقال تلك المقالة وهي في ظاهرها طلب منه النبي صلى الله عليه وسلم أن يبقي عامرا حيًّا وهو أمر لا يقدر عليه إلا الله وما رأى عليه الصلاة والسلام ذلك منكرا فالنسب والإضافات والنوايا والطوايا هي التي تحكم في كلام الناس، ولعل الاختلاف هنا يرجع إلى مسألة الدعاء ومفهومه، بين ما يكون عبادة إذا وُجِّه إلى الباري جل وعلا، وبين ما يكون نداء إذا وُجِّه إلى غيره {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور : 63] ومفهوم حياته عليه الصلاة والسلام في البرزخ بين حديث (حياتي خير لكم ... ومماتي خير لكم تعرض علي أعمالكم....) وهو يدل على استمرار صلته بأمته وبين حديث الحوض الصحيح: (ما تدري ما أحدثوا بعدك) مما يفهم منه أنه عليه الصلاة والسلام لم تعد له علاقة بعالم الدنيا إلى غير ذلك من البناء العقدي الذي نشأ عنه في القرنين السابع والثامن خلاف شديد يراجع في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام السبكي وغيرهما، وعلى ذلك يحمل كثير من الآثار التي وردت كقصة الأعرابي عند محمد بن عبد الله العتبي .... وحكايات أخرى كثيرة).
 ثم يقول ص 119: (فلو منعت سدًّا للذريعة لما كان ذلك بعيدا حتى لا يقع العوام الذين يخفى عليهم، أما التكفير فهذا أمر فيه صعوبة كبيرة؛ لقيام هذه الاحتمالات، فلا يكفر إلا من اعتقد أن للشخص المستغاث به قدرة مستقلة عن قدرة الله تعالى وإرادة مستقلة عن قدره). 
والجواب:
أنه لا شك أن مسألة الاستغاثة من المسائل الكبيرة، وذلك لما يترتب عليها من مفاسد خطيرة، وعلى رأسها فتح باب الشرك بالله تعالى، والمؤلف يرى جواز الاستغاثة بغير الله من حيث الأصل ويميل إلى منعها سداً للذريعة، وفي عرضه للمسألة تهوين من أمرها، وكأن المسألة من المسائل الاجتهادية التي يسع فيها الخلاف. 
أما الأثر الذي نقله عن استسقاء الرجل بالنبي صلى الله عليه وسلم وإقرار عمر له ونقل تصحيح ابن حجر وابن كثير له والاعتراض عليه بعنعنة الأعمش وأن ذلك لا يضر، فالرد عليه من عدة أوجه:
1- في السند جهالة مالك الدار المذكور.
2-  تفرد مالك الدار المجهول به، رغم جسامة الحادثة وشدتها.  
3- أن فيه ذكوان أبا صالح، ولا يعلم سماعه من مالك. 
4- مخالفة الأثر لأصول العقيدة وقد أشار هو أيضا إلى ذلك.
5- أنه منكر لمخالفته ما ثبت في الشرع من استحباب إقامة صلاة الاستسقاء.
6- أنه يخالف ما اشتهر وتواتر عن الصحابة والتابعين من ترك الاستغاثة بقبر النبي صلى الله عليه وسلم أو قبر غيره من الأموات عند نزول النوازل واشتداد القحط وغير ذلك، بل كانوا يرجعون إلى الله بالعبادة والتوبة ويستغفرونه، قال تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} [الجن : 16] وقال تعالى: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [هود : 52]. وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف : 96]. وهذا عمر يتوسل بدعاء العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم ويطلب منه ان أن يدعو الله ويستسقي لهم، ومثله معاوية مع أبي يزيد الجرشي. 
7- أما نقله لتصحيح ابن كثير وابن حجر له، فأما ابن حجر فقد قال: (بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار...) اهـ ومعنى هذا أن الحافظ صحح سنده إلى أبي صالح السمان، وهذا لا يمنع تعليله بجهالة مالك الدار وتفرده ولا بالانقطاع بينه وبين ذكوان. وأما تصحيح ابن كثير لسنده فلا يلزم منه تصحيح الحديث، وكل يؤخذ من قوله ويترك. 
وهناك ردود أخرى تُبطل الاستدلال بهذا الحديث على فرض ثبوته أعرضنا عنها اختصارًا.
وأما قوله: (فلا يكفر إلا من اعتقد أن للشخص المستغاث به قدرة مستقلة عن قدرة الله تعالى وإرادة مستقلة عن قدره). 
فنقول: إن القرآن لما كشف حال العرب أعلم أنهم لم يكن شركهم إلا بقصد التسبب لا الاستقلالية، كما قال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف : 106] ، أي: وما يؤمن أكثرهم بأن الله هو خالقهم والمحي المميت، والذي يجير ولا يجار عليه إلا وهم مشركون به في اتخاذ الأصنام وسائط، وسبباً لتحصيل مقصودهم فيما يزعمون. فالكفر لا يقتصر على اعتقاد تأثيرهم استقلالاً، بل أيضا اعتقاد أن الله أعطاهم تصرفات في أمور الكون، أو أنهم أبواب حاجة إلى الله وشفعاؤه ووسائله، قال الله تعالى عن المشركين: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر : 3] وقال: {وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس : 18] مما يدل على أنهم لم يعتقدوا استقلاليتهم.
وأمَّا مسألة استعمال المجاز في الإسناد، فينبغي أن نعلم أن تخريج أقوال عباد القبور المستغيثين بالموتى، الداعين إياهم ليشفعوا لهم عند ربهم - على المجاز العقلي منكر كبير، مخالف لحقيقة حالهم، ويترتب على هذا القول السيئ إلغاء أقوال الفقهاء في باب حكم المرتد؛ إذ كل من صدر منه قول شركي وكفري سيخرج من عهدته بالمجاز العقلي. والكلام في هذا الباب كثير، ودحض الشبهات التي عرضها المؤلف على أنها أدلة لأصحابها يطول، لذا نكتفي بهذا القدر.
 
الثانية: التوسع في إعمال المقاصد والأخذ بها على حساب النصوص الصريحة، والأخذ بشواذ المسائل، وضعاف الأقوال بدعوى مراعاة المقاصد.
- فالمؤلف يقرر (ص 175) أنه يمكن اختيار الأقوال المناسبة التي تحقق المقاصد الشرعية ولو كانت مهجورة، ما دامت نسبتها صحيحة، وصادرة عن ثقة، ودعت إليها حاجة.
 ويطبق هذه المعايير على الرمي قبل الزوال، فيجيز الرمي قبل الزوال؛ لكثرة الحجاج والزحام مع هلاك الأنفس وتضاعف المشقة، والمقصد هو المحافظة على الأنفس والتيسير، ويقول: (النتيجة القول المرجوح جعله المقصد الشرعي راجحاً ومتعيناً، فيجوز الرمي قبل الزوال). 
- قدم في فقه الأقليات كما في (ص 185) مسألة جواز بقاء المرأة التي أسلمت مع زوجها حتى وإن بقي على كفره، وهو قرار المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء خلافا للمجامع الفقهية الأخرى. 
- قال: (والقائمة طويلة، منها: اشتراء بيوت في الغرب بقروض من البنوك اعتماداً على مذهب أبي حنيفة والنخعي، وهناك قضايا جديدة أخرى من أنواع المعاملات وجواز تهنئة غير المسلمين وعيادتهم وتعزيتهم، اعتماداً على الرواية الثالثة في مذهب الإمام أحمد والتي أيدها ابن تيمية للمصلحة كما في الإنصاف للمرداوي. 
ولهذا فإني أدعو إلى مراجعة الفتاوى وضبطها بمعيار ثلاثي الأضلاع يقوم على فحص الواقع لوزن المشقة والحاجة التي تطبعه وتقويم العناصر المستحدثة ثم البحث عن حكم من خلال النص الجزئي الذي ينطبق عليه إذا وجد مع فحص درجته ومرتبة حكمه ثم إبراز المقصد الشرعي كليا أو عاما كقصد التيسير مثلا أو خاصا بالباب الذي يرجع إليه الفرع ومن خلال هذا المعيار الدقيق تصدر الفتوى وهي صناعة مركبة وليست بسيطة). انتهى كلامه.
ولا شك أن فتح هذا الباب، وجعل المقاصد حاكمة على النصوص الشرعية بدعوى مقصد التيسير وغيره، يؤدي إلى مفاسد لا حصر لها، واستباحة عملية لكثير من المحرمات والمخالفات، فالعمل بالمقاصد ليس على عمومه وإطلاقه، فهو مقيد بعموم الأدلة والقواعد والضوابط الشرعية، وبسائر الأبعاد العقدية والأخلاقية والعقلية المقررة، فالمقاصد أصل تابع للأدلة، وليس دليلاً مستقلًّا ومنفرداً‏، ثم إن هناك مقاصد أخرى غفل عنها المؤلف، ومن أهمها مقصد عبادة الله سبحانه وتعالى حتى وإن وقع من جراء الالتزام بها بعض المشقة، فإنه يكون ابتلاء من الله يستخرج به العبوديات من العبد، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة : 216]، أما المسارعة إلى تلمس الرخص طلبا للتيسير وغيره من مقاصد مظنونة في مواطن معينة فهذا المسلك فيه ما فيه، ثم إن هناك مقصداً آخر راجع إلى مصلحة العبد في الآخرة، يلزم أن يضعه الفقيه نصب عينيه، حتى يتجنب الزلل في أقواله وفتاويه.
 وأخيرا فهذا ما تيسر ذكره، وللاستزادة في التعرف على هذا المنهج، انظر:
كتاب: ((منهج التيسير المعاصر دراسة تحليلية)) لعبد الله الطويل.
كتاب: ((المبالغة في التيسير الفقهي)) لخالد المزيني. 
كتاب: ((الاجتهاد المقاصدي)) لنور الدين الخادمي.
مقال: (أين أخطأ المقاصديون الجدد في نظرتهم إلى مقاصد الشريعة) لهيثم الحداد.
والله نسأل أن يهدينا لما يحبه ويرضاه.
----------------
 
المُقال مُجتزأ من نقد كتاب الشهر في موقع الدرر السنية.
مرات التقييم:«176»

نقد كتاب «الخلافات السِّياسيَّة بين الصَّحابة رضي الله عنهم» للشنقيطي

الشيخ علوي السقاف

أولًا: عرض الكتاب:

كتاب هذا الشَّهر، هو واحد من تلك الكتُب التي لاقت رواجًا واسعًا في السَّاحة الفكريَّة، وتناولته دراسات ومباحثات، بل ومناظرات، وساعد على ذلك أمور، منها: طبيعة موضوع الكتاب، ومنها: طريقة عرْض المؤلِّف له وجُرأته في الطَّرح، ومنها: تقديم الشَّيخ راشد الغنوشي للكتاب بمقدِّمة أثنى فيها على الكتاب وأشاد به، وبما توصَّل إليه من نتائج!

ومؤلِّف هذا الكتاب هو باحث وشاعر، ومحلِّل سياسي، ومهتمٌّ بالفقه السِّياسي، والأدب الإسلامي، ويُقيم بالولايات المتحدَّة الأمريكيَّة.

والكتاب عليه مؤاخذات عِلميَّة ومنهجيَّة كثيرة، ينبغي التنبُّه إليها، والحذر من مِثل هذا المسلك الذي سلَكه المؤلِّف فيه، خصوصًا في مثل هذا الموضوع الشائك المتعلِّق بخير جيل عرفَتْه الدُّنيا بعد الأنبياء والمرسَلين، وهم صحابة نبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم، ورضي عنهم أجمعين. ونحن في هذا العرض والنقد نُشير إلى أهمِّ تلك النِّقاط مع التعليق عليها باختصار.

وقد تألَّف الكتاب - بعد مقدِّمة الشَّيخ الغنوشي - من مدخل، واثنين وعشرين قاعدة، ممثِّلًا على صِحَّة تلك القواعد بذِكر بعض الأمثلة تحتها، وعقد المؤلِّف بعد ذكر القواعد فصلًا لملاحظاته على منهج ابن تيميَّة، وفصلًا آخر للحوارات مع مَن سمَّاهم: مدرسة (التشيُّع السُّني) ابن العربي وتلامذته من المعاصرين كمحبِّ الدِّين الخطيب ومن بعده - على حسب المؤلِّف - ثم الخاتمة:
تحدَّث في المدخل: عن بعض النِّقاط التي توضِّح منهجيَّة الدِّراسة، كالتأصيل الشَّرعي والوعي التاريخي، وجدليَّة المَثل والمِثال، وعِبرة من قَصص القرآن الذي يذكُر نقاط القوَّة والضَّعف حتى عند ذِكره للأنبياء المعصومين، وعن درس بليغ من الصحابي الجليل عمَّار بن ياسر رضي الله عنه، كما ذَكر أسباب اختياره لابن تيميَّة خُصوصًا، وأهل الحديث عمومًا؛ ليكونوا عُمدتَه في دِراسته، كما تحدَّث عن منهج العلم والعدل، وعن بعض الأصول المنهجيَّة.
ثم دلَف إلى سرْد القواعد، وهي كالتالي:
القاعدة الأولى: التثبُّت في النَّقل والرِّواية.
القاعدة الثَّانية: استصحاب فضل الأصحاب.
القاعدة الثَّالثة: التَّمييز بين الذَّنب المغفور والسَّعي المشكور.
القاعدة الرَّابعة: التَّمييز بين المنهج التأصيليِّ والمنهج التاريخيِّ.
القاعدة الخامسة: الاعتراف بحدود الكمال البشريِّ.
القاعدة السَّادسة: الإقرار بثِقل الموروث الجاهليِّ.
القاعدة السَّابعة: اجتماع الأمانة والقوَّة في الناس قليل.
القاعدة الثَّامنة: الأخذ بالنِّسبية الزَّمانيَّة.
القاعدة التَّاسعة: عدم الخَلط بين المشاعر والوقائع.
القاعدة العاشرة: الابتعاد عن اللَّعن والسبِّ.
القاعدة الحادية عشرة: الابتعاد عن التَّكفير وعن الاتِّهام بالنِّفاق.
القاعدة الثَّانية عشرة: التحرُّر من الجدل وردود الأفعال.
القاعدة الثَّالثة عشرة: إدراك الطَّبيعة المركَّبة للفتن السِّياسيَّة.
القاعدة الرَّابعة عشرة: الترَّكيز على العوامل الداخليَّة.
القاعدة الخامسة عشرة: اجتناب الصِّياغة الاعتقاديَّة للخلافات الفرعيَّة.
القاعدة السَّادسة عشرة: الابتعاد عن منهج التَّهويل والتَّعميم.
القاعدة السَّابعة عشرة: التَّمييز بين السَّابقين وغير السَّابقين.
القاعدة الثَّامنة عشرة: اجتناب التكلُّف في التأوُّل والتأويل.
القاعدة التَّاسعة عشرة: التَّدقيق في المفاهيم والمصطلحات.
القاعدة العشرون: التَّمييز بين الخطأ والخَطيئة، بين القصور والتَّقصير.
القاعدة الواحدة والعشرون: التَّمييز بين الخِطاب الشَّرعي والخطاب القدَري.
القاعدة الثَّانية والعشرون: الحُكم بالظواهر والله يتولَّى السرائر.
ثم يأتي بعد تلك القواعد الحديثُ عن ملاحظات المؤلِّف على منهج ابن تيميَّة والذي يَسمِه المؤلِّف بالاضطراب، وإنْ كان أقلَّ من غيره بكثير.
ثمَّ بعد ذلك تأتي الحوارات مع مدرسة (التشيع السني)، فيذكر المؤلِّف في هذا الفصل مآخِذَ منهجيَّة على ابن العربيِّ وطبيعة شخصيَّته، ومآخِذ العلماء عليه، وملاحظات على كتاب (العواصم)، وقد تنوَّعت هذه الملاحظات؛ فمنها: ملاحظات على أحكام ابن العربيِّ على النُّصوص، ومنها: ملاحظات على أحكامه على الوقائع، ومنها: ملاحظات على أحكامه على الرِّجال، ثمَّ ختَم المؤلِّف هذا الفصل بالحديث عن ابن العربيِّ متكلِّمًا وقاضيًا، واصفًا إيَّاه بالانفعال والشدَّة وغير ذلك حينما يتحدَّث بنفَس المتكلِّم، أمَّا عندما يتحدَّث بنَفَس القاضي فيوصف بالدِّقَّة والتحرِّي.
ثمَّ تأتي الخاتمة: فيؤكِّد المؤلِّف فيها على أنَّ رؤيةَ التاريخ لها أثر كبير في تصوُّرنا للمبدأ والالتزام به، مُشِيدًا بمنهج ابن تيميَّة ومنهج المحدِّثين، ومفضِّلًا إيَّاه على منهج ابن العربي وتلامذته من المعاصرين.
ثانيًا: نقد الكتاب:

في هذا الكتاب جملةٌ حسنة من القواعد نتَّفق معها إجمالًا، كما أنَّ فيه محاولة جيِّدة من المؤلِّف حاول فيها أن يلتزم العدل والإنصاف والحياديَّة، وفيه محاولة للفَصل بين قداسة المبدأ ومكانة الأشخاص، ولكن لم يَسلَم للمؤلِّف ما أراده؛ فثمَّة مؤاخذات علميَّة، ومؤاخذات منهجيَّة على المؤلِّف، نُشير إلى أهمِّها بما يتناسب مع المقام:

من هذه المؤاخذات:

1- الولوج فيما نُهينا عن الحديث فيه، والتَّأصيل للجُرأة في الكلام على ذِكر أخطاء الصَّحابة الأكابر وإذاعتها على الملأ؛ بحُجَّة أنَّ هذا للتَّحليل والاعتبار، وأنَّ هذا نُصرة للمبادئ على الأشخاص، وأنَّه عامل مهمٌّ لكيفيَّة معالجة الواقِع، وعدم التناقُض في الإنكار على انحرافات الخلَف مع تبريرها للسَّلف:

يقول المؤلِّف - عن كتابه وهدف دراسته - (ص: 19): (هذه رسالة خفيفة الوزن، كثيفة المادَّة، تستهدف تجديد القول في دراسة الخلافات السِّياسيَّة بين الصَّحابة رضي الله عنهم، والخروج من دائرة الجدل والمناظرة في قضايا المفاضلة بين الصَّحابة، وشرعيَّة خلافة الخلفاء الراشدين - وهي قضايا نظريَّة استنزفت العقل المسلم في غير طائل - إلى دائرة التَّأصيل والتَّحليل والاعتبار).

ويقول (ص: 24): (فإنَّ الأولوية اليوم هي كشفُ فضائح المستبدِّين، وتجريدهم من أيِّ شرعيَّة أخلاقيَّة أو تاريخيَّة، إضافة إلى أنَّ البِدع السياسيَّة لا تقلُّ خطورةً عن بدع الاعتقاد، كما تشهد به عبرة أربعة عشر قرنًا من تاريخ الإسلام. لكن كشف فضائح المستبدِّين المعاصرين غير ممكن ما دام الحديث عن الانحرافات السياسيَّة التي بدأت في عصر الصَّحابة مطبوع بطابع التبرير والدِّفاع، لا بطابع الدِّراسة المجرَّدة الهادفة إلى الاعتبار، وما دام الحديث عن تلك الفتن والخلافات السياسيَّة يتحكَّم فيه فقهُ التحفُّظ، لا فقه التقويم؛ ذلك أنَّ من طبيعة المبدأ الأخلاقي العموم والاطِّراد، فليس من الممكن تحريم الظُّلم السِّياسيِّ على الخَلَف، وإباحته للسَّلف، دون وقوع في تناقُض فكري وأخلاقي).

التعقيب: موضوع الكتاب وعنوانه الذي اختاره المؤلِّف ليكون مادَّة لبحثه (الخلافات السِّياسيَّة بين الصَّحابة رضي الله عنهم)، هو موضوع شائك، وفِتنة قلَّ مَن يَسلَم عند الحديث عنها، وليس بخافٍ على المؤلِّف وأمثاله النُّصوصُ الواردة في فضل الصَّحابة والنَّهي عن الحديث في مِثل هذه الأمور، وإجماع أهل السُّنة على الكفِّ عن الحديث فيما شجر بين الصَّحابة الكرام، إلَّا للعالم المتحقِّق المتبصِّر، ويكون حديثه لغرض صحيح، كالدِّفاع عنهم، والردِّ على أهل البِدع والذامِّين للصَّحابة الكرام، وما شابه، وسننقل بعض نقول أئمَّة الحديث الذين تبنَّى منهجَهم المؤلِّفُ في كتابه ذلك؛ ليتبيَّن خطر المسلك الذي سلَكه، ومخالفتُه للعلماء الذين تبنَّى هو منهجهم:

قال الإمام أبو عثمان الصَّابوني في ((عقيدة السَّلف وأصحاب الحديث)) (ص: 129) عن السَّلف وأصحاب الحديث: (ويَرون الكفَّ عمَّا شجَر بين أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وتطهير الألسنة عن ذِكر ما يتضمَّن عيبًا ونقصًا فيهم، ويرون الترحُّم على جميعهم والموالاة لكافَّتهم).

وقال الإمام الذهبيُّ في ((سير أعلام النبلاء)) (10/ 92): (...كما تقرَّر عن الكفِّ عن كثير ممَّا شجر بين الصَّحابة، وقتالهم - رضي الله عنهم أجمعين - وما زال يمرُّ بنا ذلك في الدَّواوين، والكتُب، والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع، وضعيف، وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيُّه وإخفاؤه، بل إعدامُه؛ لتصفوَ القلوب، وتتوفرَّ على حبِّ الصَّحابة، والترضِّي عنهم، وكتمان ذلك متعيِّن عن العامَّة، وآحادِ العلماء، وقد يُرخَّص في مطالعة ذلك خلوةً للعالم المنصِف، العري من الهوى، بشَرْط أن يستغفر لهم، كما علَّمنا الله تعالى).

وقال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (13/ 34): (واتَّفق أهلُ السُّنة على وجوب منع الطَّعن على أحد من الصَّحابة بسببِ ما وقع لهم من ذلك، ولو عُرِف المحِقُّ منهم؛ لأنَّهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلَّا عن اجتهاد، وقد عفا الله تعالى عن المخطِئ في الاجتهاد، بل ثبَت أنَّه يُؤجر أجرًا واحدًا، وأنَّ المصيب يُؤجَر أجرينِ).

ونقَل في ((لوامع الأنوار البهية)) (2/ 387 - 388) عن ابن حمدان موافقةً لغيره من أهل السُّنة أنَّه قال: (يجب حبُّ كلِّ الصَّحابة، والكفُّ عمَّا جرى بينهم كتابةً، وقراءةً وإقراءً، وسماعًا وتسميعًا، ويجب ذِكر محاسنهم، والترضِّي عنهم، والمحبَّة لهم، وترك التحامُل عليهم، واعتقادُ العُذر لهم، وأنَّهم فعلوا ما فعلوا باجتهاد سائغ لا يُوجِب كفرًا ولا فِسقًا، بل ربَّما يُثابون عليه؛ لأنَّه اجتهاد سائغ، ثمَّ قال: وقيل: المصيب عليٌّ، ومَن قاتله فخطؤه معفوٌّ عنه...)، ثم قال: (وقال بعض المحقِّقين: البحث عن أحوال الصَّحابة - رضوان الله تعالى عنهم أجمعين - وعمَّا جرى بينهم من الموافقة والمخالفة، ليس من العقائد الدِّينيَّة، ولا من القواعد الكلاميَّة، وليس هو ممَّا يُنتفع به في الدِّين، بل ربَّما أضرَّ باليقين، وإنَّما ذكر العلماء نُتفًا في كتبهم؛ صونًا للقاصرين عن التأويل عن اعتقاد ظواهر حكايات الرَّافضة ورِواياتها؛ ليتجنبَ مَن لا يصل إلى حقيقة عِلمها، ولأنَّ الخوض في ذلك إنَّما يصلح للتَّعليم، وللردِّ على المتعصِّبين، أو لتدريس كتُب تشتمل على تلك الآثار، فيُؤوِّل ذلك، ويُبيِّنه للعوامِّ؛ لفرْط جهلهم بالتأويل)... وكلام أهل العلم في ذلك أكثر من أن يُحصى..

نقول: فهل بعد ذلك يجوز أن يجدَّد (القول في دراسة الخلافات السياسيَّة بين الصَّحابة رضي الله عنهم) ولو كان (تأصيلًا وتحليلًا واعتبارًا)؟!

حتَّى إنْ كان هذا جائزًا بشُروطه، من تحرِّي العدل والإنصاف، ولزوم التَّأويل الصَّحيح لأفعالهم الذين اجتهدوا فيها حتى وإنْ أخطؤوا؛ لئلَّا يقع شيء في القلب مِن هؤلاء الذين رضي الله عنهم ورضُوا عنه، أو يتأتَّى التنقُّص لهم، واتِّهامهم وغير ذلك، والمؤلِّف نفسه لم يتجاهل هذه النُّصوص أثناء حديثه ولا كان غافلًا عنها، بل حاول أن ينتقد هذا المنهج الذي سماه فقه التحفُّظ، وحاول أن يبتعدَ في حديثه عن التنقُّص لمقام الصَّحابة الكِرام، وعن الوقوع في السَّبِّ لهم، واتِّهامهم بما هم منه براء - نقول: إنْ جاز هذا بشُروطه، مع اجتناب المحاذير؛ فالسُّؤال: هل وُفِّق المؤلِّف في تحقيق هذه الشُّروط، واجتناب تلك المحاذير التي حذَّر منها العلماء السابقون واللاحقون أثناء الحديث عن الصَّحابة الكرام واختلافاتهم السِّياسيَّة - على حدِّ تعبيره؟

الجواب - بكلِّ أسف -: لا! وسنذكر من كلامه وتحليلاته واستدلالته ما يدلُّ على أنَّه وقع في التنقُّص من قدْر أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وطعَن في نيَّاتهم؛ فعلى حسب رأي المؤلِّف وتحليلاته: عثمان بن عفَّان رضي الله عنه تأوَّل في الأموال وآثر أقاربه بالولايات! وعليٌّ رضي الله عنه تخلَّف عن بيعة أبي بكر رضي الله عنه؛ لأنَّه كان يُريد الإمارة لنفْسه، وبعد ذلك تأوَّل في الدِّماء! وأمَّا معاوية فقد كان طامحًا للمُلك، وخالطتْه وعمرَو بنَ العاص شهوةُ المُلك وحبُّ الدُّنيا!

ثمَّ نقول: فماذا يا تُرى تؤدِّي إليه الدِّراسةُ المجرَّدة الهادفة إلى الاعتبار، والحديثُ الذي يتحكَّم فيه فقه التقويم لا فقه التحفُّظ؟ وما طبيعة هذه الانحرافات السِّياسيَّة التي بدأت في عصر الصَّحابة؟! وهل يجوز أن يُوصف عصر الصَّحابة بهذا أصلًا؟ وهل يقول المؤلِّف بأنَّ السَّلف (الصحابة الكرام) وقعوا في الظلم السِّياسي الذي يُنكره ويحرِّمه على الخلَف؛ لكي لا يكون متناقضًا؟! تساؤلات واستشكالات سيتضح الجواب عنها من كلام المؤلِّف وتحليلاته، مع التَّعقيب على بعضها باختصار شديد:

يقول المؤلِّف أيضًا (ص: 25): (ومهما يعترض معترض أو يجادل مجادل بأنَّ الكتابة في موضوع الخلافات السياسيَّة بين الصَّحابة نَكْءٌ لجراح الماضي السَّحيق، وجدل نظري في غير طائل، وفتح لباب التطاول على الأكابر... فإنَّ الأمَّة لن تخرج من أزمتها التاريخيَّة إلَّا إذا أدركت كيف دخلت إليها).
ويقول أيضًا (ص: 32): (ومهما يرهق الباحث نفسه في تأصيل العدل في الحُكم والقَسْم، فسيجد من المصابين بداء التَّجسيد من يحتجُّ عليه قولًا أو فعلًا بعمل بعض الأكابر الذين آثَروا أقاربَهم بالولايات والأموال [يقصد: عثمان رضي الله عنه]. ومهما يُرهق نفسه في الحديث عن حقِّ الأمَّة في اختيار قادتها، فسيجد مَن يُحاججه قولًا أو فعلًا بعمل بعض الأكابر الذين ورثَّوا أبناءهم السُّلطة [يقصد: معاوية رضي الله عنه]. وليس من حلٍّ لهذه الأزمة الفكريَّة والعمليَّة سوى التقيُّد بوصية النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لأبي ذرٍّ رضي الله عنه بـ (قلِ الحقَّ وإن كان مرًّا)، وتسميةِ الأخطاء بأسمائها دون مواربة، وخصوصًا أخطاء الأكابر الذين هم محلُّ القُدوة والأُسوة من أجيال الأمَّة).
التعقيب: ما أعظمَ هذه الجُرأةَ على تبرير ذِكر أخطاء الأكابر وإذاعتها على الملأ! فضلًا عن كونها أخطاءً متصوَّرة في الذِّهن، وشُبُهًا متهافتة، تَهافَتُ كالزُّجاج  يَخَالُها المرءُ لأوَّل وهلةٍ حَقًّا، وعند التأمُّل يتَّضح أنَّ كلَّها كاسرٌ مكسور. وفَهمُ الأمر على وجهه يُخرجها عن كونها أخطاء واتِّهامات إلى كونها تصرُّفات صحيحة صائبة، أو على الأقلِّ اجتهادات وللمُخطئ فيها أجر، وحتى ما صحَّ من أخطاء فالقوم فيه معذرون، وخَطؤهم مغفور؛ فهل يجوز بعد ذلك أن نذكُر انحرافاتِهم على أساس أنَّ هذا من قول الحقِّ، ومن العمل بوصية النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فأين قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: ((دَعُوا لي أصحابي)) رواه أحمد (13812)،  وقوله: ((لا تسبُّوا أصحابي، لا تسبُّوا أصحابي)) رواه البخاري (3673)، ومسلم (2540)؟! بل أين قول الله تعالى في وصفهم {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [الفتح:29] وغير ذلك كثير؟!
ويقول المؤلِّف (ص: 167): (وفي دراسة الخلافات السياسيَّة بين الصَّحابة رضي الله عنهم حريٌّ بالباحثين أن يتذكَّروا أثر التكلُّف في التأويل والتأوُّل في طمس معالم المبادئ الإسلاميَّة، وتمييع المعايير الشرعيَّة، وهو أمر يقود إلى استسهال الناس الإتيانَ بكلِّ الموبقات السياسيَّة، من قتْل الأنفس المحرَّمة، والاستبداد بالأمر، والإيثار والاستئثار بالسُّلطة والثروة، والتساهُل مع الظُّلم والبغي، وتجاهل قِيم الشُّورى والعدل في القَسم والحُكم.. إلخ بسبب التَّبرير الذي يقوم به البعضُ لأعمال بعض الأكابر والأصحاب، ممَّن استزَّلهم الشَّيطان في بعض المواقع، فلم يلتزموا بتعاليم الإسلام في بعض المواقف السياسيَّة).
نقول: نحن مع المؤلِّف في إنكار التكلُّف في التأويل، ولكن أفعال الصَّحابة الذين رضي الله عنهم، وأثنى عليهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، واتَّفقت الأمَّة وأجمعت على عدالتهم وفضلهم لا تحتاج إلى هذا التكلُّف في التأويل، فقط فَهْم الأمور على وجهها الصَّحيح، كما فعل عثمان رضي الله عنه حينما وضَّح عُذره للذين ينقمون عليه؛ فالأموال التي ادُّعي عليه أنه يؤثِر بها أقرباءَه هي أموالُه الخاصَّة، وليست أموال الدَّولة، ومَن حَكم في ماله فما ظلم! وغير ذلك... حتى وإن تحقَّقنا الخطأ فيكفينا أن نقول: ولقد عفا الله عنهم؛ لشرف الصُّحبة، ولأنَّ للقوم فضائلَ وأعمالًا ليستْ لغيرهم!
ويقول في (ص: 139 - 140): (لقد درَج العديد من الأقدمين والمعاصرين على تفسير الفتنة بالعوامل الخارجيَّة، أعني نظرية التآمُر، مغفِلين أهمَّ العوامل التي سبَّبت الفتنة، وهي العوامل النابعة من أحشاء المجتمع الإسلاميِّ الأوَّل، وقد وجد هؤلاء في شخصيَّة عبد الله بن سبأ أحسنَ تفسير لما جرى... وكيف لعاقل أن يُصدِّق أنَّ الصَّحابة الذين بنَوا دولة الإسلام، وهزَموا أقوى الجيوش في العالم، وهدُّوا عروش كسرى وقيصر، يستطيع غِرٌّ يهوديٌّ التلاعُب بعقولهم لهذه الدَّرجة؟! ومع ذلك يوجد من يتبنى هذا الطَّرح بحسن نيَّة؛ خوفًا من مواجهة الحقيقة المُرَّة. لكن نظرية المؤامرة لا تستقيم، وكثيرًا ما يضطرُّ أصحابها إلى إعمال الخيال والافتراض لسدِّ الثغرات فيها. فبدلًا من تفسير حرب صفِّين بأسبابها الحقيقيَّة، وهي مطامح الملك لدى معاوية وعمرو، وتجاوزهما حدودَ الشَّرع في الدِّماء والجنايات في الطَّريقة التي طالبَا بها الأخْذ بدم عثمان، ثمَّ رفْضهما ما ارتآه أبو موسى الأشعريُّ من الصُّلح وتأمير عبد الله بن عمر، وخلع كلٍّ من عليٍّ ومعاوية، يحاول الكثيرون إيجاد عناصر متآمرة داخل المعسكرين هي المسؤولة عن كلِّ شيء).
نقول:
أولًا: أمَّا ما استبعده من التفسير بالعوامل الخارجيَّة، وإنكار دور ابن سبأ في الفتنة، وزعمه بأنَّ أهمَّ أسباب الفتنة العوامل النابعة من أحشاء المجتمع الإسلامي الأوَّل، فهذا خللٌ عقديٌّ ومنهجيٌّ، وذلك من وجوه
أولها: أنَّ في هذا اتِّهامًا للمجتمع الإسلاميِّ الأوَّل بأنَّ الفتنة نبعت من أحشائه، وهو مخالفٌ لقاعدة (استصحاب فضل الأصحاب)!
ثانيها: أنَّ هذا مخالف لما ثبَت في كتُب المحدِّثين والعلماء الذين اعتمَد منهجَهم المؤلِّف مِن ذِكر ابن سبأ وإثبات دَوره الخطير هو وأتْباعه في إحداث الفتنة، ومن ذلك قولُ شيخ الإسلام ابن تيميَّة في ((الفتاوى الكبرى)) (1/ 71): (وكذلك كان ابن سبأ يهوديًّا، ففسد ذلك، وسعى في الفِتنة؛ لقصد إفساد الملَّة، فلم يتمكَّن، لكن حصل بين المؤمنين تحريشٌ وفتنة قُتل فيها عثمان رضي الله عنه، وجرى ما جرى من الفِتنة...)، والعجيب أنَّ المؤلِّف يستدلُّ بكلام آخَر لابن تيميَّة في موطن آخَرَ له وجهُه في ذلك الموطن، ثمَّ يقول (ص: 140): (لقد رأينا منذ قليل كيف فسَّر ابن تيميَّة مقتل عثمان رضي الله عنه بأسباب داخليَّة، كلُّها ترجع إلى تسيير الدولة، وما طرأ على المجتمع من مسالك وتطورات، دون أن يُشير من قريب أو بعيد إلى ابن سبأ أو غيره من العناصر الخارجيَّة)؛ فها هو ابن تيميَّة يصرِّح ويجزم - لا يُشير فقط - بدور عبد الله بن سبأ؛ فما قول المؤلِّف بعد ذلك؟!
ويُنظر أيضًا على سبيل المثال لا الحصر: ((البداية والنهاية)) لابن كثير (10/ 263)، و((الإصابة في تمييز الصحابة)) لابن حجر (1/ 63).
وإنكار المؤلِّف لهذا الأمر فيه طعنٌ على أمانة هؤلاء العلماء الذين اعتمدَهم هو في كتابه!
 ثالثها: أنَّ ابن سبأ لم يُغرِّر بالصحابة الكرام، ولم يتلاعَب بعقولهم، إنَّما غرَّر بالأغمار من أهل مصر وغيرها، يوضِّحه:
رابعها: أنَّ في كلام ابن حجر - الذي نقله واستشهد به المؤلِّف نفسُه على نفي العوامل الخارجيَّة في الفِتنة - ما يدلُّ على ذلك؛ فليتأمَّل قول ابن حجر: (... إلى أنْ رحل أهل مصر يَشكُون من ابن أبي سرح، فعزله، وكتب له كتابًا بتولية محمَّد بن أبي بكر الصِّدِّيق، فرضُوا بذلك، فلمَّا كانوا في أثناء الطريق رأَوا راكبًا على راحلة، فاستخبروه، فأخبرهم أنَّه من عند عثمان باستقرار ابن أبي سرح ومعاقبة جماعة من أعيانهم، فأخذوا الكتاب ورجَعوا وواجهوه به، فحلف أنَّه ما كتب ولا أذِن، فقالوا: سلِّمنا كاتبَك، فخشي عليه منهم القتل، وكان كاتبه مَرْوان بن الحَكَم، وهو ابن عمِّه، فغضِبوا وحصروه في داره...)؛ نقول: فمن هذا الراكب الذي ألَّب أهل مصر بعدما رضُوا، وغرَّر بهم، وتلاعَب بعقولهم، وأوقع الفِتنة؟! أهو نابع من أحشاء المجتمع الإسلاميِّ الأوَّل؟! أم هو عنصر خارجيٌّ متآمر غرَّر بأهل مصر الذين لم يتثبَّتوا وكان من أمرهم ما كان؟!
ثانيًا: تعقيبًا على قول المؤلِّف (خوفًا من مواجهة الحقيقة المُرَّة)، وزعمه أنَّ الأسباب الحقيقيَّة لحرب صفين (هي مطامح المُلك لدى معاوية وعمرو، وتجاوزهما حدود الشَّرع...).
نقول: ليست هناك بحمد الله تعالى في المجتمع الإسلاميِّ الأوَّل حقيقة مرَّة يُخشى من مواجهتها، ولكنَّها حقيقة ناصعة تشهد بفضلهم، وعلوِّ منزلتهم عند ربِّهم، ولكن لمن يفهم الأمور على وجهها الصَّحيح، وليستْ أسباب حرب صفِّين (هي مطامح الملك لدى معاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهما)، وهما لم (يتجاوزَا حدود الشرع في طريقة طلبهم بدم عثمان رضوان الله عليه)، بيان ذلك من كلام العلماء والمحدِّثين الذين تبنَّى المؤلِّف منهجهم وغفَل عنه ما يأتي:
قال ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (10/ 492): (... وطلب معاويةُ عمرَو بن العاص ورؤوس أهل الشَّام فاستشارهم، فأبوا أن يُبايعوا حتى يَقتُل [عليٌّ رضي الله عنه] قَتَلَةَ عثمان، أو أن يُسلم إليهم قَتلةَ عثمان، وإن لم يفعل قاتلوه ولم يبايعوه حتى يقتلَهم عن آخرهم...).
وقال ابن حجر في فتح الباري (1/ 542): (فإن قيل: كان قتْلُه [عمار] بصفِّين وهو مع عليٍّ، والذين قتلوه مع معاويةَ، وكان معه جماعة من الصَّحابة؛ فكيف يجوز عليهم الدُّعاء إلى النار؟ فالجواب: أنَّهم كانوا ظانِّين أنَّهم يَدْعون إلى الجنَّة، وهم مجتهدون لا لومَ عليهم في اتِّباع ظنونهم، فالمراد بالدُّعاء إلى الجنة الدُّعاء إلى سببها، وهو طاعة الإمام، وكذلك كان عمار يدعوهم إلى طاعة عليٍّ، وهو الإمام الواجب الطاعة إذ ذاك، وكانوا هم يدْعون إلى خِلاف ذلك، لكنَّهم معذورون للتأويل الذي ظهَر).
وقال أيضًا (13/ 288): (حُجَّة عليٍّ ومن معه ما شُرِع لهم من قتال أهل البغي، حتى يرجعوا إلى الحقِّ، وحُجَّة معاوية ومن معه ما وقع من قتْل عثمان مظلومًا، ووجود قتلته بأعيانهم في العَسكر العراقيِّ، فعظمت الشُّبهة حتى اشتدَّ القتال وكثُر القتل في الجانبين إلى أن وقع التَّحكيم، فكان ما كان...).
وقال الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (3/ 140): (جاء أبو مسلم الخولانيُّ وأناس إلى معاوية، وقالوا: أنت تُنازِع عليًّا، أم أنت مثلُه؟ فقال: لا والله، إنِّي لأعلم أنَّه أفضلُ مني، وأحقُّ بالأمر منِّي، ولكن ألستُم تعلمون أنَّ عثمان قُتل مظلومًا، وأنا ابن عمِّه، والطَّالب بدمه، فائتوه، فقولوا له، فليدفعْ إليَّ قتلة عثمان، وأسلِّم له. فأتوا عليًّا، فكلَّموه، فلم يَدفعْهم إليه) [قال المحقِّقون: رجاله ثقات].
ولم نذكرْ كلام شيخ الإسلام هنا - وهو كثيرٌ ومحكَم؛ لأنَّ المؤلِّف أنكر عليه حينما تأوَّل لمعاويةَ ومَن معه ووصفه بالاضطراب والتكلُّف في التأويل، بخلاف التأوُّل للسَّابقين في حرب الجمل الذي كان له مسوِّغاته، وسيأتي مزيد بيان لهذه النُّقطة فيما يلي..
وأمَّا ما زعمه المؤلِّف من كون الصحابة (معاوية وعمرو بن العاص  رضي الله عنهما) الذين قاتلوا عليًّا رضي الله عنهم جميعًا (تجاوزا حدود الشَّرع في الدِّماء والجنايات في الطريقة التي طالبَا بها الأخذ بدم عثمان...)، وقد كرَّر ذلك أيضًا عن أهل الجمل قائلًا (ص: 191): (فخرج عليه أهلُ الجمل، وهم نفرٌ من الأكابر ساءَهم مقتل الخليفة الشهيد، واستعجلوا أمرَهم دون التزام ما يلزم من إجراءات جنائيَّة شرعيَّة تقتضي رفْع الدعوى من طرف أولياء القتيل، والتقاضي لدى السُّلطة الشرعيَّة، ثمَّ خرج على الخليفة الراشد أهلُ الشام، وهم قوم مزَجوا شُبهة مقتل الخليفة الشهيد بشهوةِ المُلك ومطامح الدُّنيا...).
 فلسْنا في حاجة لإطالة الردِّ على هذا ونقلِ كلام أهل العلم في ذلك، ويكفي من ذلك أنَّ عليًّا رضي الله عنه لم ينكر عليهم تلك المطالبة، ولا قال لهم: أنتم لستم أولياء للمقتول، بل اعتذر عن ذلك بأنَّه لا يقدِر على ذلك الآن؛ لأنَّ وراءَهم مَن وراءهم، وكان ما كان من غير إرادتهم، كذلك قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما - وكان مع عليٍّ رضي الله عنهم -: (لو لم يطلب الناسُ بدَم عثمان، لرُموا بالحجارة من السَّماء). قال ابن كثير: وقد رُوي من غير هذا الوجه عنه. ((البداية والنهاية)) (10/ 332).
والمؤلِّف هنا يُسوِّي بين أهل الجمل وأهل صفِّين في مخالفة حدود الشَّرع في تلك المطالبة،. ويُضيف اتِّهامًا خطيرًا، وانتقاصًا مكررًا لأهل الشَّام (معاوية وعمرو بن العاص ومن معهم)، ويطعن في نيَّتهم بأنَّهم (مزجوا شُبهة مقتل الخليفة الشَّهيد بشهوة الملك ومطامح الدُّنيا) وقد سبق الردُّ على هذا.
ومن المؤاخذات على المؤلِّف في هذه المسألة أيضًا قوله (ص: 206): (فإذا كان سعد [بن عُبادة] غيرَ منزَّه عن الهوى، وعليٌّ غير منزَّه عن التأوُّل في الدِّماء، وعثمان غير منزَّه عن التأوُّل في الأموال بحسب تحليل ابن تيميَّة.. فلماذا لا نعترف أنَّ معاويةَ وعَمرًا غير منزَّهين عن مطامح الملك، ولدينا من الدَّلائل على ذلك كثير؟!).
وهذه العبارة التي فيها انتقاصٌ للصَّحابة الكرام عقَّب بها المؤلِّف على نقْلٍ نقلَه لشيخ الإسلام ابن تيميَّة، واستنتج منه ما وصل إليه، وألْقى باللَّائمة على ابن تيميَّة ووصَفه بأنَّه اضطرب إذ تأوَّل لفِعل معاويةَ ومَن معه، و(لم يتأوَّل للخليفتين الرَّاشدين عثمان وعليٍّ، وصرَّح بأنَّ كلًّا من عثمان وعليٍّ ترخَّص بعض الترخُّصات، وعمِل ما لا يُقتدى به فيه)، (وكان حريًّا بابن تيميَّة هنا أن يعترف - كما فعل دائمًا - بالطبيعة المركَّبة للفتنة، وباختلاط الشُّبهات والشَّهوات فيها، ويَقبل أنَّ دوافع معاوية وعمرو لم تكن مجرَّد شُبهة الاقتصاص للخليفة الشَّهيد، بل خالطتْها شهوةُ الملك وحبُّ الدُّنيا) -  كما يقول المؤلِّف.
نقول: هذا الكلام، وهذا التَّحليل، وهذا الاتِّهام خطأ من وجوه:
أوَّلها: أنَّ هذا الكلام مخالفٌ أيضًا لقاعدة (استصحاب فضل الأصحاب)، مع أنَّه لا يقول بعصمة الصَّحابة أحدٌ من أهل السُّنة قاطبة، إلَّا أنَّ هذا الذي ذكر مخالفٌ لما عُرف من فضلهم وتحرِّيهم وخوفهم من الله عزَّ وجلَّ، فلو صحَّ أنَّ تحليل كلام المؤلِّف لكلام ابن تيميَّة على وجهه، لقلنا: لقد أخطأ ابن تيميَّة في هذا؛ فمقام الأصحاب أرفعُ من مقام مَن جاء بعدهم، خصوصًا الخلفاء الرَّاشدين!
ثانيها: أنَّ تأمُّل السِّياق الذي تكلَّم فيه شيخ الإسلام عن تأوُّل عثمان وعليٍّ لا يوهم انتقاصًا لهما، وذِكر نصِّه بسياقه ولحاقه، والتعقيب عليه يطول؛ فلينظر وليتأمَّل في ((مجموع الفتاوى)) (35/ 23)، وفضلًا عن أنَّ هذا التأوُّل أصلًا ليس عيبًا يُنزَّه عنه الأصحاب، بل هو اجتهادٌ كما صرَّح بذلك شيخ الإسلام، وقد كان عليٌّ رضي الله عنه مُسدَّدًا موفَّقًا، وهو أَوْلى الطائفتين بالحقِّ، وهو مجتهد له أجران، وأمَّا تأوُّل عثمان رضي الله عنه في الأموال - إن صحَّ أنَّه تأوَّل أصلًا؛ لأنَّه ثبت أنَّه يُعطي أقرباءَه من ماله الخاص لا من مال المسلمين العامِّ كما مرَّ - فيقال فيه ما قيل في حقِّ تأوُّل عليٍّ رضي الله عنه. أمَّا الزعم بأنَّ (دوافع معاوية وعمرو لم تكن مجرَّد شبهة الاقتصاص للخليفة الشَّهيد، بل خالطتها شهوة الملك وحب الدنيا) فهذه منقصةٌ ظاهرةٌ واضحةٌ، نبرأ إلى الله عزَّ وجلَّ أن يتَّصف بها أحد من هؤلاء، وقد ذَكرنا من كلام المحدِّثين والعلماء ما يَنفي ذلك، ومن كلام معاويةَ نفسه بنقل الذَّهبي وابن كثير، فضلًا عمَّا ثبَت في حقِّ معاوية وعمرو بن العاص من فضل في الإسلام والجِهاد..
ومن المؤاخذات المنهجيَّة:

أنَّ المؤلِّف نصَّ على أنَّه اعتمد في منهجه في هذا الكتاب على تُراث شيخ الإسلام ابن تيميَّة وأقواله وتحليلاته في كتُبه عمومًا، وفي كتاب ((منهاج السُّنة النبويَّة)) خصوصًا، كما أنَّه اعتمد على منهج المحدِّثين، وخُصوصًا الذهبي وابن كثير وابن حجر، وذكر أسباب ذلك في مدخل الكتاب ومقدِّمته، ولن نناقشه في تلك الأسباب والدَّواعي.

وبالتأمُّل في الكتاب وآراء المؤلِّف نجد خَللًا واضحًا في المنهج الذي تعامل به المؤلِّف مع شيخ الإسلام ابن تيميَّة؛ فأحيانًا  ينسُب إليه أمورًا لا تصحُّ نسبتُها إليه، وأحيانًا يَفهم من كلامه غيرَ مراده، وأحيانًا يُحلِّل كلامه بما يخالف كلامَ الشَّيخ وآراءه المشهورة عنه، كما أنَّه غفَل كثيرًا عن منهج المحدِّثين الذي اعتمد عليهم، بل أتى بما يُناقض آراءَهم صَراحةً، وقد مضى معنا أمثلةٌ لهذه الغفلة، وهذا الخَلل الواضح في الاستدلال، وسنذكر هنا أمثلةً أخرى مِن كلام المؤلِّف؛ ليتَّضح ذلك الخَللُ المنهجيُّ أكثرَ، ويتبيَّن وجه الحقِّ في المسائل التي عرَضها المؤلِّف على أنَّها آراء لابن تيميَّة:

المثال الأوَّل: قول المؤلِّف (ص: 46): (ولم يجعل ابن تيميَّة مسألة (الكف عمَّا شجر بين الصَّحابة) مسألة اعتقاديَّة - كما فعل بعض من لا يُميِّزون بين الوحي والتاريخ - وإنما بيَّن أن جماع الأمر كله هو العلم والعدل، فلا مانع عنده أن يخوض المسلم في ذلك (إن أمكن الكلام بينهما بعلم وعدل، وإلَّا تكلَّم بما يعلم من فضلهما ودينهما، وكان ما شجر بينهما وتنازعَا فيه أمره إلى الله).

الرد: نكتفي في الردِّ على هذا الزَّعم بنقل كلام شيخ الإسلام نفسه في العقيدة الواسطية التي هي زُبدة وخُلاصة لعقيدة أهل السُّنة والجماعة، وقد نصَّ فيها على أصولهم وطَريقتهم، ومنها قوله: (ويُمسكون عمَّا شجر بين الصَّحابة...)، وقوله في ((منهاج السُّنة النبوية)) (4/ 448): (ولهذا كان من مذاهب أهل السُّنة: الإمساك عمَّا شجر بين الصَّحابة)، وتفصيل هذه العبارة وشروط ذلك من كلام شيخ الإسلام يطول، فليراجع في مظانِّه.

المثال الثاني: قول المؤلِّف (ص: 73): (لقد بيَّن ابن تيميَّة جوانب الضَّعْف البشري هذه لدى العديد من الأكابر؛ فهو يُعلِّل امتناع عليِّ بن أبي طالب من بيعة الصِّدِّيق في الشُّهور الستَّة الأولى من خِلافته بأنَّ عليًّا (كان يريد الإمْرةَ لنفسه) [هامش: منهاج السنة 7/450]).
وقد كرَّر المؤلِّف هذا الزَّعم (أنَّ شيخ الإسلام يقول بأنَّ تأخُّر بيعة علي رضي الله عنه بسبب أنَّه كان يريد الإمْرة لنَفْسه) أكثرَ من مرَّة في كتابه، وبنَى عليه تحليلاتٍ كثيرة، كما في (ص: 81)، و(ص: 203).
الردُّ: وكلام المؤلِّف هذا خطأٌ من وجهين:
أوَّلهما: أنَّ ابن تيميَّة لم يقُلْ هذا أصلًا! وإنَّما ذكَر هذه الكلمة في سياق حديثه عن تخلُّف بيعة سعد بن عُبادة رضي الله عنه، وعنَى بمن يُريد الإمرة لنفسه سعدًا لا عليًّا رضي الله عنهما، وكلامه كاملًا كالتالي: (ولم يتخلَّف عن بيعته [يعني: الصِّدِّيق] إلَّا سعد بن عُبادة، وأمَّا عليٌّ وسائر بني هاشم فلا خلاف بين الناس أنَّهم بايعوه، لكن تخلَّف؛ فإنَّه كان يُريد الإمرة لنفسه رضي الله عنهم أجمعين)، والضَّمير هنا عائد على سعد ابن عُبادة بلا ريب؛ فإنَّه الذي ذكر تخلُّفه، وهو يُعلِّل سبب تخلُّفه هذا. ويوضِّحه أكثر قول شيخ الإسلام في ((منهاج السنة)) أيضًا (1/ 536 - 537): (وأمَّا أبو بكر فتخلَّف عن بيعته سعد؛ لأنَّهم كانوا قد عيَّنوه للإمارة، فبقِي في نفسه ما يبقَى في نفوس البشر، ولكن هو مع هذا - رضي الله عنه - لم يعارضْ، ولم يدفع حقًّا ولا أعان على باطل.... ثم ذكَر حديث السَّقيفة، وفيه: أنَّ الصِّدِّيق قال: ولقد علمتَ يا سعدُ أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال وأنت قاعد: ((قريشٌ ولاةُ هذا الأمر، فبَرُّ الناس تبَعٌ لبَرِّهم، وفاجرهم تبَعٌ لفاجرهم» قال: فقال له سعد: صدقتَ، نحن الوزراء، وأنتم الأمراء)) فهذا مرسل حسن، ولعلَّ حُميدًا أخذه عن بعض الصَّحابة الذين شهدوا ذلك، وفيه فائدةٌ جليلة جدًّا، وهي: أنَّ سعد بن عبادة نزل عن مقامه الأوَّل في دعوى الإمارة، وأذعن للصِّدِّيق بالإمارة، فرضِي الله عنهم أجمعين)، ويُنظر كذلك (4/ 388)، و(8/ 330).
ثانيهما: أنَّ هذا الكلام إنْ صحَّ أنَّ شيخ الإسلام قاله - وحاشاه - فهو غير صحيح؛ إذ هو مخالفٌ لما عُرِف عن عليٍّ بن أبي طالب من فضل، وزهد وورع، يستحيل معه أن يطمع في الإمرة لنفْسه ويتخلَّف عن بيعة مَن اختاره المسلمون واعترف هو نفسه بفضله وأحقيَّته بالخلافة. وإنْ كان هذا يجوز أن يُقال عن سعد رضي الله عنه؛ لأنَّه عُيِّن للإمارة، ومع ذلك اعتذر عنه شيخ الإسلام ووضَّح أنَّه نزل عن مقامه الأوَّل في دعوى الإمارة، وأذعن للصِّدِّيق بالإمارة، وأمارات ذلك مذكورة في القصَّة - فلا يجوز أن يقال هذا بحال عن عليٍّ رضي الله عنه؛ لأنَّه دخول في النيَّات وحُكم على السَّرائر، وهو ما قعَّد المؤلِّف بالنهي عنه بقوله في القاعدة الأخيرة من كتابه (الحُكم بالظواهر والله يتولَّى السَّرائر)، وهو طعنٌ صريحٌ أيضًا مخالف لقاعدة (استصحاب فضل الأصحاب)!
المثال الثَّالث: قول المؤلِّف (ص: 195 - 196): (ومن مظاهر هذا الاضطراب والتكلُّف تَكرار ابن تيميَّة في (منهاج السنة) وغيره أنَّ معاوية لم يَسعَ إلى الخلافة في حياة عليٍّ، ولا نازع عليًّا الخلافة، وهو أحيانًا يُطلق، فيقول - مثلًا - متحدِّثًا عن عليٍّ: (.. ولا ادَّعى أحد قط في زمن خلافته أنَّه أحقُّ بالإمامة منه)، وأحيانًا يتحفَّظ بعض الشيء، فيصرِّح أنَّ منازعة معاوية لعليٍّ في الإمامة إنَّما حدثت بعد حُكم الحَكمين، فيقول: (... وكذلك معاوية لم يبايعْه أحد على الإمامة، ولا حين كان يقاتل عليًّا بايعه أحد على الإمامة، ولا تسمَّى بأمير المؤمنين، ولا سمَّاه أحد بذلك، ولا ادَّعى معاوية ولايةً قبل حُكم الحَكمين)، وكل هذا تكلُّف في التأوُّل، يناقض نصوصًا صحيحة صريحة).
ثم يقول المؤلِّف: (إنَّ الدلائل على مطامح الملك لدى معاوية أثناء الفتنة كثيرة وافرة، وهي كلُّها تدلُّ على أنَّ قصده من الخروج على الخليفة الرابع لم يكن مجرَّد الثأر للخليفة الثَّالث، بل كانت مطامح الملك حاضرةً في سعيه منذ أوَّل وهلة...)، ثم ذكر بعض النُّصوص التي يستدلُّ بها على ذلك الزَّعم الخاطئ، منها حديث البخاري في قصَّة التحكيم، ورسالة أبي موسى لمعاويةَ التي ذكرها الذَّهبي في ((السير)).
ثم قال في (ص: 203): (إنَّ كلَّ هذه النصوص تدلُّ على أنَّ معاوية سعى إلى الملك بالفعل وبالقول، وصرَّح بمطامحه في قيادة الأمَّة دون لبس. فالقول بعد ذلك: إنَّه لم يُنازِع عليًّا الخلافة ولا سعى إليها.. تكلُّف بارد، كان الأولى بشيخ الإسلام ابن تيميَّة أن يتنزَّه عنه).
الرد:
أولًا: أنَّ الذي ادَّعاه المؤلِّف على شيخ الإسلام من الاضطراب والتكلُّف غير مسلَّم له؛ فكلام شيخ الإسلام أصحُّ وأضبط، والنُّصوص التي استدلَّ بها المؤلِّف الشنقيطيُّ على طلب معاوية للخلافة كانت بالفِعل بعد حُكم الحَكمين، فما في البخاريِّ صريحٌ في أنَّه بعد حُكم الحَكمين، وكذلك صنيع الذَّهبي في ((السِّير))؛ إذ ذكر هذه الرِّسالة بعد ذِكر اختيار عليٍّ لأبي موسى في التَّحكيم، فصحَّ كلامُ شيخ الإسلام، وبطَل كلام المؤلِّف.
ويدلُّ على ذلك أيضًا قول ابن كثير في  ((البداية والنهاية)) (10/ 656): (وقد كانوا استفحل أمرُهم حين انصرف عليٌّ من صفِّين، وكان من أمر التحكيم ما كان، وحين نكَل أهلُ العراق عن قتال أهل الشَّام معه. وقد كان أهل الشام لما انقضت الحُكومة بدومة الجندل سلَّموا على معاوية بالخلافة، وقوِي أمرهم جدًّا).
وقول الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (3/ 140): (لمَّا بلغ معاوية هزيمة يوم الجمل، وظهور عليٍّ، دعا أهل الشام للقتال معه على الشُّورى، والطلب بدَم عثمان، فبايعوه على ذلك أميرًا غير خليفة).
ثانيًا: أنَّ اتِّهام المؤلِّف لمعاوية رضي الله عنه بأنَّ مطامح الملك حاضرة في سعيه منذ أوَّل وهلة، فيه وقوعٌ صريح فيما نهى العلماء عنه عند الحديث عمَّا شجر بين الصَّحابة، ومنهم ابن تيميَّة نفسُه، وهو التنقُّص من قدْر الأصحاب الكرام، وأنَّهم طلَّاب مُلك ودُنيا، وفيه مخالفة أيضًا لما قعَّده في المؤلِّف بقوله: (استصحاب فضل الأصحاب)؛ فأيُّ فضل يبقى، وأيُّ نقيصة أعظم من أن يُتَّهم الصحابيُّ الجليل بأنَّ دلائل مطامح الملك حاضرة لديه أثناء الفِتنة كانت كثيرة وافرة؛ فتُراق الدماء، ويُقتل أفاضل الأصحاب بسبب الملك؟! ولا أحسن من ردِّ شيخ الإسلام على المؤلِّف إذ يقول في ((منهاج السنة النبوية)) (4/ 383): (ولم يكن معاويةُ قبل تحكيم الحَكمين يدَّعي الأمر لنفسه، ولا يتسمَّى بأمير المؤمنين، بل إنَّما ادَّعى ذلك بعد حُكم الحَكمين، وكان غيرُ واحد من عسكر معاوية يقول له: لماذا تقاتل عليًّا وليس لك سابقتُه ولا فضله، ولا صِهره، وهو أوْلى بالأمر منك؟ فيعترف لهم معاوية بذلك. لكن قاتلوا مع معاويةَ؛ لظنِّهم أنَّ عسكر عليٍّ فيه ظَلَمة يعتدون عليهم كما اعتدَوا على عثمان، وأنَّهم يقاتلونهم دفعًا لصِيالهم عليهم، وقتال الصَّائل جائز؛ ولهذا لم يبدؤوهم بالقتال حتى بدأهم أولئك...).

ومن المؤاخذات كذلك المفارقة بين القاعدة والأمثلة:

يخالف المؤلِّف القواعد التي قعَّدها هو في كتابه بذكر الأمثلة إما تحت القاعدة نفسها أو يخالف قاعدة عند الحديث عن قاعدة أخرى والتمثيل لها، كما رأينا ذلك في مخالفة المؤلِّف لقاعدة (استصحاب فضل الأصحاب) في كثير من المواطِن، وكمثال لمخالفة القواعد أيضًا: أنَّ المؤلف خالف قاعدته الأولى وهي (التثبت في النَّقل والرِّواية) فجاء في القاعدة السَّادسة (الإقرار بثِقل الموروث الجاهلي) (ص: 81) ليستدلَّ بأثر رواه عبد الرزَّاق، على أنَّ (معايير التنظيم الاجتماعي والسياسي ظلَّت مشوبةً عند كثيرين منهم [الأعراب] وعند بعض مسلمة الفتح - وحتى من السَّابقين أحيانًا - بشوائبِ الجاهليَّة، وكان ذلك سببًا من أسباب الفتن السياسيَّة والعسكريَّة التالية بين المسلمين)!

ونصَّ هذا الأثر مع تعقيب المؤلِّف عليه كالتالي: (ومن أمثلة ذلك ما رواه عبد الرزَّاق (لما بُويع لأبي بكر رضي الله عنه جاء أبو سفيان إلى عليٍّ، فقال: غلبكم على هذا الأمر أذلُّ أهل بيت في قريش، أمَا والله لأملأنَّها عليكم [كذا بزيادة عليكم، وليست كذلك فيما وقفنا عليه في نسخة ((مصنَّف عبد الرزاق))] خيلًا ورجالًا» قال: فقلت: ما زلتَ عدوًّا للإسلام وأهله فما ضرَّ ذلك الإسلام وأهله شيئًا؛ إنَّا رأينا أبا بكر لها أهلًا). والظاهر أنَّ هذه المحاورة بين علي وأبي سفيان - إن صحَّت - جاءت متأخِّرةً عن بيعة عليٍّ للصِّدِّيق بعد ستة أشهر من خلافته، وإلَّا فإنَّ عليًّا اعترض على بيعة الصِّدِّيق ابتداءً، وإن كان من منطلق مختلف عن منطلق أبي سفيان) اهـ كلام المؤلِّف.

التعقيب:

أولًا: كيف يستشهد المؤلِّف على قاعدة خطيرة بأثَر هو نفسُه يشكُّ في صحَّته، ويقول: (إن صحَّ)؟! والأثر إسنادُه ضعيف.

ثانيًا: ثمَّ إنَّ هذا الكلام أيضًا فيه مخالفة لقاعدة (استصحاب فضل الأصحاب)؛ إذ يُظهر أبا سفيان معاديًا للإسلام وأهله حتى بعد إسلامه! والثابت أنَّ أبا سفيان قد حسُن إسلامه، وقد خرج مع جيش المسلمين بإمرة أبي بكر مجاهدًا في سبيل الله تعالى.

ثالثًا: أنَّ قول المؤلِّف (وإلَّا فإن عليًّا اعترض على بيعة الصِّدِّيق ابتداءً) مخالفٌ لقاعدة (اجتناب التكلُّف في التأول والتأويل)؛ لأنَّه تأويل متكلِّف لتلك الحادثة على فرْض صحَّتها؛ إذ لا نعلم تاريخها، ولا دليلَ على زعم المؤلِّف أنَّ عليًّا اعترض على بيعة الصِّدِّيق ابتداءً، بل الدليلُ على خِلافه كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (7/ 495): (وقد تمسَّك الرافضة بتأخُّر عليٍّ عن بيعة أبي بكر إلى أن ماتت فاطمة، وهذيانهم في ذلك مشهور، وفي هذا الحديث ما يدفع في حُجَّتهم، وقد صحَّح ابنُ حبَّان وغيرُه من حديث أبي سعيد الخدريِّ وغيرِه: أنَّ عليًّا بايع أبا بكر في أوَّل الأمر، وأمَّا ما وقع في مسلم عن الزهريِّ: (أنَّ رجلًا قال له: لم يبايع عليٌّ أبا بكر حتى ماتتْ فاطمة؟ قال: لا، ولا أحد من بني هاشم)، فقد ضعَّفه البيهقيُّ بأنَّ الزهريَّ لم يسنده، وأنَّ الرِّواية الموصولة عن أبي سعيد أصحُّ، وجمع غيره بأنَّه بايعه بيعةً ثانية مؤكِّدة للأولى؛ لإزالة ما كان وقع بسبب الميراث - كما تقدَّم، وعلى هذا فيُحمل قول الزهري لم يبايعه عليٌّ في تلك الأيَّام على إرادة الملازمة له، والحضور عنده، وما أشبه ذلك؛ فإنَّ في انقطاع مثله عن مثله ما يُوهِم مَن لا يعرف باطنَ الأمر أنَّه بسبب عدم الرِّضا بخلافته، فأطلق مَن أطلق ذلك، وبسبب ذلك أظهر عليٌّ المبايعةَ التي بعد موت فاطمة عليها السلام لإزالة هذه الشُّبهة). ولا يُعكِّر عليه ما ذكَره المؤلِّف من تساهُل ابن حبَّان في التَّصحيح، فقد أقرَّه ابن حجر على صحَّة هذا التَّصحيح، ونسبه لغيره أيضًا، واحتجَّ له بتضعيف البيهقيِّ للرواية المعارضة له عن الزُّهري، بل ذكَر أنَّ غيره جمع بين الرِّوايتين.

رابعًا: أنَّ هناك أمرًا غريبًا كيف لم يتنبه له المؤلِّف؟! فقد ساق بعد هذا الأثر كمثال ثانٍ على قاعدة (الإقرار بثقل الموروث الجاهلي) (ص: 82) أثرًا آخَر، وفيه: أنَّ خالد بن سعيد حين ولَّاه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم اليمن، قدِم بعد وفاة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وتربَّص ببيعته [أبي بكر] شهرين، يقول: قد أمَّرني رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ثمَّ لم يعزلْني حتَّى قبضه الله عزَّ وجلَّ، وقد لقي عليَّ بنَ أبي طالب وعثمانَ بن عبد مناف، فقال: يا بني عبد مناف، طِبتم نفسًا عن أمركم يليه غيرُكم...إلخ، وقال المؤلِّف في الهامش [رواه الحاكم في المستدرك (3/279) وقال: صحيح على شرْط مسلم، ولم يخرجاه].

وواضحٌ في هذا الأثَر  أنَّه يثبت أنَّ عليًّا رضي الله عنه - كغيره من الصَّحابة - طابت نفسه لولاية أبي بكر، وهذه الحادثة بعد شهرين فقط وليس بعد ستَّة أشهر؛ فليتأمَّل كيف جمع المؤلِّف بين المتناقضات؟!

ومن المؤاخذات كذلك:

 تهويل المؤلِّف من أخطاء ما سمَّاه (مدرسة التشيُّع السُّني)، ويعني به ابن العربي المالكي، وتلامذته المعاصرين على حدِّ تعبيره، كمحب الدين الخطيب وغيره، في الفصل الذي عقده للحوارات مع مدرسة التشيع السني في آخر كتابه، مع تناسي الدَّور الكبير الذي قاموا به في مواجهة انحراف الروافض، ومَن لفَّ لفَّهم، مع أنَّ الله تعالى يأمر بالعدل، وقد أثْنى  المؤلِّف كثيرًا على ما يتَّصف به شيخُ الإسلام ابن تيميَّة من العدل والإنصاف؛ فهل من العدل أن تُذاع أخطاء هؤلاء الأعلام الذين اشتهروا في الأمَّة بالخير، ويُشنَّع عليهم، دون مراعاة لظروفهم وطبيعة عصرهم الذي تَسلَّط فيه أهلُ البدع من الروافض، ودون أدْنى إشارة إلى ما قاموا به في الردِّ على الكَذِب الصُّراح، والافتراءات الكاذبة على خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين، وهم صحابة نبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم، ورضي الله عنهم أجمعين؟!

وختامًا: نقول للمؤلِّف ولمن دار في هذا الفلك، واقتنع بفِكرة نشْر ما جرى للصَّحابة رضي الله عنهم: ماذا جنَتِ الأمَّة من نشْر ما جرى من أخطاء مزعومة متوهَّمة لخير جيل عرفتْه البشريَّة، والذين شهِد لهم الله تعالى بأنَّهم خير أمَّة أُخرجت للنَّاس، وشهِد لهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بأنَّهم خير النَّاس؟! لا تجني إلَّا احتقار الأفاضل، وفُقدان الثِّقة في الأماثل، وانعدام القُدوة في الأماجِد!

ونقول له: ألَا يَسعُنا ويَسعُك ويَسع جميعَ الدارسين والمحلِّلين والمعتبرين قولُ عمر بن عبد العزيز، والإمامِ أحمد، وغيرِ غير واحد من السَّلف عمَّا جرى بين عليٍّ ومعاويةَ رضي الله عنهما:  (تلك دماء طهَّر الله منها يدي، فلا أحبُّ أن أخضبَ بها لساني)، وأنَّ: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134]، كما في ((منهاج السنة النبوية)) (6/ 254) و((البداية والنهاية)) (11/ 427)؟!

وقولُ مَن اعتمدتَه منهجًا في دراستك وهو ابن تيميَّة عن أهل السُّنة قاطبةً: أنَّهم (يقولون: إنَّ هذه الآثار المرويَّة في مساويهم؛ منها ما هو كذب، ومنها ما قد زِيد فيه ونُقص، وغيِّر عن وجهه، والصَّحيح منه: هم فيه معذورون؛ إمَّا مجتهدون مصيبون، وإمَّا مجتهدون مخطِئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أنَّ كلَّ واحد من الصَّحابة معصومٌ عن كبائر الإثم وصغائره؛ بل تجوز عليهم الذنوب في الجُملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرةَ ما يصدُر منهم - إنْ صدر - حتَّى إنَّه يغفر لهم من السِّيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأنَّ لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبَت بقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّهم: ((خير القرون))، وأنَّ ((المُدَّ مِن أحدهم إذا تصدَّق به كان أفضلَ من جبل أُحُد ذهبًا ممَّن بعدهم))، ثم إذا كان قد صدَر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غُفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، الذي هم أحقُّ النَّاس بشفاعته، أو ابتُلي ببلاء في الدُّنيا كُفِّر به عنه. فإذا كان هذا في الذنوب المحقَّقة؛ فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين: إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور لهم؟! ثمَّ القدْر الذي يُنكر من فعل بعضهم قليلٌ نَزرٌ مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم، من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصَّالح) ((متن العقيدة الواسطيَّة)) (ص: 120 - 121)، وهو في ((مجموع الفتاوى)) (3/ 155).

والله الموفِّق وهو الهادي إلى سواء السَّبيل، ونسأله سبحانه أن يجعل لنا نصيبًا من قوله عزَّ مِن قائل: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10].

مرات التقييم:«88»

نقد كتاب «المتشددون منهجهم ومناقشة أهم قضاياهم» لعلي جمعة

موقع الدرر السنية
 
أولًا: عرض الكتاب
كتاب هذا الشَّهر، هو واحد من الكتب التي تَكيل الاتهامات زورًا وبهتانًا لتيار عريض من المسلمين المستمسكين بدِينهم على منهج أهل السُّنة والجماعة أتباع السَّلف الصَّالح، وتزداد خطورة هذا الكتاب؛ نظرًا لكون مؤلِّفه شخصية شهيرة، تولَّت منصب الإفتاء مدَّة من الزَّمن في بلد الأزهر، وقد عُرف بخصومته وعداوته الشَّديدة لعلماء السَّلف الصَّالح المتقدِّمين منهم والمتأخِّرين.
وقد تألَّف الكتاب من مقدِّمة عرَّف فيها المؤلِّفُ السَّلفية من خلال فَهمه لها، وعرَّج على سِمات منهج المتشدِّدين الذين تسمَّوا بالسَّلفية - على حسب تعبيره. ثمَّ سرد المؤلِّف سبعة عشر مسألة، زاعمًا أنها أهم مسائل المتشدِّدين التي جعلوها أصولًا لها، وعنوانًا عليهم، وهي كالتالي:
1- وصف الله بالمكان
2- انتقاص الأشاعرة
3- إنكار اتباع المذاهب الفقهية وتقليدها
4- الإقدام على الإفتاء بغير تأهيل ونظام
5- اتساع مفهوم البدعة مما يترتب عليه تبديع أغلب المسلمين
6- تحريم التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وعدُّه شركًا بالله
7- تحريم الصَّلاة في المساجد ذات الأضرحة، والتصريح بوجوب هدمها
8- اعتبار التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين شركًا بالله
9- تحريم الاحتفال بمولد النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وعده بدعة وضلالة
10- تحريم السَّفر لزيارة قبر النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقبور الأنبياء والصالحين
11- اتهام مَن تَرجَّى بالنبي صلى الله عليه وسلم بالشِّرك الأصغر
12- الحُكم على والدي المصطفى صلى الله عليه وسلم بالنار يوم القيامة
13- نفي أيَّ إدراك للميت وشعوره بمن يزوره
14- إنكار كثرة الذكر والأوراد
15- عدُّ السُّبحة بدعة عند أكثر المتشدِّدين
16- التمسك بالظاهر، والتعبُّد بالثياب (ثوب الشُّهرة - النقاب)
17- السَّعي قبل الوعي، والخلط بين الوعظ والعلم.
 
ثانيًا: نقد الكتاب
فبينما تُشن على الدَّعوة السلفيَّة حملة شعواء، ويُطعن في السلفيين من قِبل العلمانيين والليبراليين وبعض التوجُّهات الأخرى، يُؤثِر د. علي جمعة مفتي مصر السَّابق أن يكون في صفِّ هؤلاء كما كان غالبًا، فيخرج علينا بكتاب عن السلفيِّين، واصفًا لهم بصفة التشدُّد.
ويمكن تصنيف المسائل التي ذكرها د. علي جمعة في كتابه عن السَّلفيين متهمًا إياهم فيها بالتشدُّد والخطأ إلى قسمين:
القسم الأول: مسائل لم يقولوا هم بها أصلًا، وليست من أصولهم ولا أهم قضاياهم، وهي مجرَّد ادعاءات وافتراءات كاذبة، وقد تكون بعض أفعال فردية لا يصحُّ أن تنسب إلى المجموع بحال.
والقسم الثاني: مسائل قالوا بها، والحق فيها معهم بناء على الأدلة الواضحة من الكتاب والسنة الصحيحة، وآثار السَّلف الصَّالحين، وأقوال العلماء الراسخين في كل العصور، والمخطئ فيها هو مَن اتهمهم فيها بالتشدُّد والخطأ.
وإذا كان د. علي جمعة يصف السلفيِّين بالتشدُّد، فمِن حق السلفيين أيضًا أن يصفوه بالتساهل، وتتبع رُخص العلماء وزلاتهم، والتمييع لقضايا الدين، إلَّا أن وصفه لهم - بالجملة - كذب وبهتان، ووصفهم له حقٌّ ببرهان، ومن ذلك:
1- فتواه بأنَّ الاختلاط بين الشباب والفتيات في قاعة الجامعة ليس حرامًا.
2- فتواه بأن طلاق المصريِّين لا يقع؛ لأنهم ينطقون كلمة طالق بالهمز.
3- منعه من ختان الإناث، بينما كان يجيزه قبل تولِّي منصب الإفتاء.
4- مهاجمته النِّقاب، وادعاؤه أنه عادة، خلافًا لقوله قبل تولي المنصب.
5- تجويزه فوائد البنوك الرِّبوية.
6- إباحته بيع المسلم الخمورَ في الدُّول غير الإسلامية.
7- إباحته ترقيع غِشاء البكارة.
8- تجويزه تولي النصراني رئاسة بلد إسلامية.
9- إنكاره الشَّديد هدمَ بعض الأضرحة لا خشية الفتنة، بل لتجويزه بقاءها.
فحُقَّ لمن هذا حاله أن يصف المستمسكين بالكتاب والسُّنة والسائرين على مذهب السلف بالتشدُّد.
 
وقبل البَدء في عرض بعض ما جاء في الكتاب نقول؛ حتى يكون القارئ على بيِّنة، وحتى لا يستغرب ما جاء فيه من آراء - نقول: إنَّ مؤلِّفه أشعريُّ المعتقَد، صوفي المسلَك.
ونحن هنا نُشير فقط إلى بعض المآخِذ التي جاءت في كتابه، مع التعقيب عليها باختصار:
فتَحتَ عنوان (سمات المتشدِّدين في العصر الحديث) يقول: (نرى آراء أغلب من تسمَّوا بالسلفيِّين واتجاهاتهم وسلوكهم ومواقفهم وأحكامهم على الأشياء باطلة). وفي هذا من البهتان ما فيه.
ويقول أيضًا عن السلفيِّين: (إنَّهم يتبنَّون فكرًا صداميًّا، وهذا الفكر الصدامي يفترض أمورًا ثلاثة وهي:
أولًا: أنَّ العالم كله يكره المسلمين، وأنهم في حالة حرب دائمة للقضاء عليهم، وأن ذلك يتمثل في أجنحة الشر الثلاثة الصهيونية (يهود) والتبشير (نصارى) والعلمانية (إلحاد)، وأن هناك مؤامرة تحاك ضد المسلمين في الخفاء مرة وفي العلن مرات، وأن هناك استنفارًا للقضاء علينا، مَلَلْنا من الوقوف أمامه دون فعل مناسب.
ثانيًا: وجوب الصدام مع ذلك العالَم حتى نرد العدوان والطغيان، وحتى ننتقم مما يحدث في العالم الإسلامي هنا وهناك، ووجود الصِّدام يأخذ صورتين؛ الأولى: قتل الكفار الملاعين، والثانية: قتل المرتدِّين الفاسقين، أما الكفار الملاعين فهم كل البشر سوى من شهِد الشهادتين. وأما المرتدُّون الفاسدون فهم من شهِد الشهادتين وحَكَم بغير ما أنزل الله، وخالف فكرهم.
ثالثًا: أن فكرهم يُراد له أن يكون من نمط الفكر الساري، وهذا معناه أنه لا يعمل من خلال منظَّمة أو مؤسَّسة يمكن تتبع خيوطها بقدْر ما يعمل باعتباره فكرًا طليقًا من كل قيد يقتنع به المتلقِّي له في أيِّ مكان، ثم يقوم بما يستطيعه من غير أوامر أو ارتباط بمركز أو قائد. وعليه فإنَّ الفوضى سوف تشيع بصورة أقوى وتنتشر بصورة أعمق). انتهى كلامه.
وقول المؤلِّف علي جمعة في الفقرة الأولى مردود؛ فهل تعامى عن الحقيقة الشرعية والواقعية، فالله عز وجل يخبرنا عن هذه العداوة قائلا: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة : 120]، ويقول: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة : 82]، ويقول: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة : 217]؟!
أمَّا الواقع فهو خير شاهد على هذه العداوة قديمًا وحديثًا، فالحروب الصليبية قديمًا، والاحتلال الأجنبي حديثًا، والمجازر التي ارتُكبت في البوسنة والهرسك وسراييفو وغيرها، وما يحدُث للمسلمين في العراق وأفغانستان وباكستان والشيشان، وما يحصل في فلسطين، وموقف أمريكا والغرب من اليهود ومساندتهم لهم، هذا بالنسبة للعدو الخارجي، أمَّا التيار العلماني والليبرالي فموقفه من التيار الإسلامي واضح للعِيان لا ينكره إلَّا أعمى البصر والبصيرة.
ثم في الفقرة الثانية يقول: إنَّ السلفيين يرون وجوب الصدام مع ذلك العالَم بقتل الكفار وقتل المرتدِّين. وهذا الكلام إنما صاغه بهذه الصورة؛ ليشنِّع على السلفيِّين؛ فهل ينكر د. علي جمعة الجهاد؟! فالجهاد ماض إلى يوم القيامة، ثم إن كان ينكر جهاد الطلب؛ فهل ينكر جهاد الدَّفع وحق المسلمين في الدفاع عن بلدانهم المحتلَّة؟! ثم إنه من المعلوم أنَّ الكفار أنواع؛ فمنهم محاربون، ومنهم أهل عهد، ومنهم أهل ذمَّة، ولكل واحد حُكمه، فتعميمه الكلام عن السلفيين في هذه المسألة بهذه الصورة غير مقبول، وفيه من التلبيس ما فيه.
 
أما المرتد فحُكمه القتل؛ قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((مَن بدَّل دِينه، فاقتلوه))، ويقول الحافظ في ((الفتح)): (وقتَل أبو بكر في خلافته امرأةً ارتدت والصحابة متوافرون، فلم ينكر أحد عليه ...) اهـ. ومسألة الرِّدَّة والحُكم بغير ما أنزل الله فيها تفصيل معروف، والحكم فيها يتوقف على توفُّر الشروط وانتفاء الموانع، خلافًا لما يدَّعيه د. علي جمعة من أنهم يحكُمون بالردة على مخالفيهم. 
ومن هرطقاته أيضًا في هذا الكتاب قوله: ((لقد أصبح توجه هؤلاء المتشدِّدين عائقًا حقيقيًّا لتقدم المسلمين، ولتجديد خطابهم الدِّيني، وللتنمية الشاملة التي يحتاجها العالم الإسلامي عامَّة، ومصر على صفة الخصوص، وهذا التوجه المتعصِّب أصبح تربة صالحة للفكر المتطرِّف، وأصلًا للمشرب المتشدد الذي يدعو إلى تشرذم المجتمع، وإلى انعزال الإنسان عن حركة الحياة، وأن يعيش وحده في خياله الذي غالبًا ما يكون مريضًا غير قادر على التفاعل مع نفسه، أو مع من يحيط به من الناس. ويتميز هذا الفكر المتشدد بعدة خصائص تؤدِّي إلى ما ذكرنا، وترسم ذلك الموقف الذي يجب على الجميع الآن - خاصة - أن يقاوموه، وأن يعملوا بكل وسيلة على إخراج أولئك من عُزلتهم؛ لأنهم لم يعودوا ضارِّين لأنفسهم فقط، لكن ضررهم قد تعدَّى إلى من حولهم، وإلى شباب الأمة ومستقبلها، وإلى المجتمع بأَسْره. هذا الفكر يريد أن يسحب مسائل الماضي في حاضرنا، وذلك تراه قد حوَّل هذه المسائل إلى قضايا وإلى حدود فاصلة بينه وبين من حوله، وهذه القضايا يتعلق أغلبها بالعادات والتقاليد والأزياء والملابس والهيئات من طريقة الأكل والشرب، إلى قضاء الحاجة واستعمال العطور.
وتؤثر هذه الخصيصة التي يستجلب مسائل الماضي وتسحبها وتجرها إلى الحاضر من ناحية، وتحول مجرد المسألة التي كانت في نطاق الماضي لا تعدو مسألة إلى قضية ندافع عنها وننافح من أجلها، وتكون في عقليته معيارًا للتقويم وللقَبول والرد، فمَن فعلها فهو معه، ومَن لم يفعلها فهو ضده، يشمئز منه وينفر ويعاديه، ويعيش في هذا الوهم، فيشتد انعزاله عمن حوله. ... ويرى أنه لا بد عليه أن يَزيد من نسله، وأن يملأ الأرض صياحًا بأطفاله، محاولًا بذلك أن يسدَّ ثغرة اختلال الكمِّ، حيث إنه يشعر بأنه وحيد، وبأنه قلة، وبأن الكثرة الخبيثة من حوله سوف تقضي عليه وتكتم على أنفاسه، فيحاول أن يفرَّ من ذلك بزيادة النسل، بل ويشيع بين أتباعه وأصحابه هذا المفهوم الذي يحدث معه الانفجار السكاني والتخلُّف التنموي)). انتهى كلامه.
ود. علي جمعة أولى بهذا من السلفيين؛ فهو الذي يعيش في خياله بعيدًا عن الحقيقة، فالسلفيون ليسوا في عزلة عن الحياة، بل إنهم ينتمون إلى جميع التخصُّصات العلمية والمهنية، ولو ذكر لنا مثالًا على ما يذكر، ولكنه التعصُّب، نسأل الله السلامة والعافية .
وكأنَّ علي جمعة ما زال متأثرًا بهذه النَّعرة القديمة، والتي كان فيها بوقًا للحكومة المصريَّة السابقة بمحاربة زيادة النَّسل، بدلًا من الدعوة إلى التنمية، إنَّ الحد من زيادة نسل المسلمين هدفٌ للغرب يسعَون إليه بشتى الطرق، بينما يقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((تزوَّجوا الودود الولود؛ فإني مكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة))، بل إن كثرة الأمة نعمة يمتن الله عزَّ وجلَّ بها على عباده؛ قال تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} [الأعراف : 86].
ومن أقواله أيضًا: (ومن خصائص هذا الفكر الانعزالي التشدُّد؛ فهو يرى أن الحياة خطيئة، وأنه يجب علينا أن نتطهر منها، وأن التطهر منها يكون بالبُعد عن مفرداتها، سواء أكانت هذه المفردات هي الفنون أو الآداب، أو كانت هذه المفردات هي المشاركة الاجتماعية، أو حتى تعلم أساليب اللياقة)). انتهى.
ولا أدري عن أيِّ طائفة يتكلَّم د. علي جمعة؟! فالسلفيون في منأى عن هذا الوصف، وهو كلام عارٍ عن الصحة، بعيد عن الواقع، وما مراده بالفنون والآداب؟ هل الغناء والرقص والعُري؟ وهل يقصد بالمشاركة الاجتماعية مثل الاحتفال بعيد ميلاده في أحد أندية الليونز الماسونيَّة بين الممثِّلين والمغنين؟ إن كان يقصد ذلك فحُق للسلفيين أن ينعزلوا عن مثل هذه المشاركات.
ويقول أيضًا بعد أن يصفَهم بامتلاك عقلية المؤامرة لمن حوله ضده مع اتصافهم بالكِبر والعُجب: ((من هذه الصفات: أنهم يقفون ضد أي إصلاح في المجتمعات الإسلاميَّة بدعوى أنَّ كل جديد بدعة، وأنَّ كل بدعة ضلالة، وأنَّ كل ضلالة في النار، ويبتعدون دائمًا عن جوهر الموضوع إلى النظر في مجرد الشكليات، ويعملون الهوى في فهم النصوص، ويضيِّقون على المسلمين حياتهم بتوسيع دائرة الحرام، ويَخرجون عن النِّظام المعهود من إجلال المشايخ، إلى نظام غريب عجيب يجتهدون فيه من عند أنفسهم في الفقهيات، ويقلِّدون في العقائد، ويعظِّمون غير العلماء، ويحطُّون من شأن العلماء، ويتصدَّرون بما لا يزيد عن مئة مسألة لتفسيق الناس وتكفيرهم، والدعوة إلى منابذتهم ومحاربتهم. لقد آن الأوان وحان الوقت لأن يكون مقاومة هذا الفكر المتنطع مطلبًا قوميًّا)) اهـ.
ثم بعد أن يَفري هذا الكذب، يستعدي الناس على مقاومة فِكر السلفيِّين، فليته ذكر أمثلة لهذا الكلام الإنشائي الذي لا حقيقةَ له؛ فهل السلفيون يقفون ضد الإصلاح في المجتمعات الإسلامية بدعوى أنَّ كل جديد بدعة؟! إن منهج السلفيين واضح في مسألة البِدعة؛ فهي محصورة في مجال العبادات، وليس كما يدَّعي أنَّ كل جديد عندهم بدعة.
ثم يقول الدكتور علي جمعة تحت عنوان (أهم مسائل المتشدِّدين التي جعلوها أصولًا لهم وعنوانًا عليهم): ((لقد تمسَّك المتشدِّدون بمجموعة من المسائل التي لا تمثل هوية الأمة، وكلها مسائل فرعية، وجعلوها معيارًا لتصنيف المسلمين، وامتحانًا لتقسيمهم، ورُوِّج لدى طوائف كثيرة من الناس أنها قطعية لا خلاف فيها، وأنَّ الحقَّ معهم وحدهم، وأن القائل بغير ما يقولونه مارقٌ فاسق منحرِف، أو على أقل تقدير غير ملتزم ومتساهل، أو يتهم بأنه ليس متبعًا للرسول صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فشغلوا المسلمين بهذه المسائل، التي مذهبهم فيها غالبًا ما يكون ضعيفًا أو شاذًّا)) وذكر (17) مسألة فقط. 
ولا يتَّسع المقام للردِّ على كلِّ مسألة من هذه المسائل، ونكتفي بتناول ثلاث مسائل فقط.
- المسألة الأولى: أنهم يصفون الله بالمكان، فيقول: (من الأشياء التي يصرُّ عليها من يسمُّون أنفسهم بالمتشدِّدين وصفُ الله بالجهة والمكان، ويزعمون إثبات الفوقية المكانية له سبحانه وتعالى. وهذا الإصرار منهم يتعارض مع ما ينبغي أن يكون عليه تنزيه الله سبحانه وتعالى). اهـ.
والجواب: أن د. علي جمعة يستدل في هذه المسألة العقدية المتعلقة بأسماء الله وصفاته بأثَر فيه زيادة، وهي: (وهو الآن على ما عليه كان)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذه الزيادة وهو قوله: (وهو الآن على ما عليه كان) كذب مفترًى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، اتَّفق أهل العلم بالحديث على أنَّه موضوع مختلَق، وليس هو في شيء من دواوين الحديث، لا كبارها ولا صغارها، ولا رواه أحد من أهل العلم بإسناد لا صحيح ولا ضعيف، ولا بإسناد مجهول، وإنما تكلم بهذه الكلمة: بعض متأخري متكلمة الجهمية، فتلقَّاها منهم هؤلاء الذين وصلوا إلى آخر التجهُّم - وهو التعطيل والإلحاد.اهـ، ووافقه على ذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي.
إنَّ ادعاء علي جمعة أنَّ السلفيين أثبتوا لله المكان، قول باطل، لم يقله أحد منهم؛ لأنَّه لم يثبت في القرآن ولا في السنة، وإنما يثبتون لله ما أثبته لنفسه من صفة العلو وغيرها. يقول الشيخ الألباني: إلا أنه مع ذلك لا ينبغي إطلاق لفظ الجهة والمكان ولا إثباتهما؛ لعدم ورودهما في الكتاب والسُّنة، فمن نسبهما إلى الله فهو مخطئ لفظًا، إن أراد بهما الإشارة إلى إثبات صفة العلو له تعالى، وإلا فهو مخطئ معنى أيضًا إن أراد حصره تعالى في مكان وجودي، أو تشبيهه تعالى بخلقه. (مختصر العلو ص72).
وقال الشيخ ابن العثيمين: الله ليس له مكان ما في المواقع...، الله منزه عن المكان باتفاق جميع العلماء الإسلام، لماذا؟ لأن الله كان ولا شيء معه، وهذا معروف في الحديث الذي رواه البخاري:((كان الله ولا شيء معه))، معناه: كان ولا مكان له؛ لأنه هو الغنيُّ عن العالمين، هذه حقيقة متفق عليها؛ (منهاج أهل السنة والجماعة في العقيدة والعمل، ص: 132-133).
- المسألة الثانية: أنهم أي السلفيين يحكُمون على والدي النبي بالنار. ونقول: سبحان الله! وهل هذا القول قاله السلفيون بأهوائهم أم قاله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟! ففي صحيح مسلم أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((استأذنت ربي أن أستغفرَ لأمِّي، فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزورَ قبرها، فأذن لي)، يقول النووي الشافعي: فيه جواز زيارة المشركين في الحياة، وقبورهم بعدَ الوفاة... وفيه : النهي عن الاستغفار للكفَّار. انتهى. ويقول أيضًا في الحديث الآخر الذي فيه: ((أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: في النار، فلمَّا قفَى دعاه، قال : إنَّ أبي وأباك في النَّار)): فيه: أنَّ من مات على الكفر، فهو في النار، ولا تنفعه قرابةُ المقرَّبين. انتهى.
فالنووي يقول بكفر والدي النبي؛ فهل كان متشدِّدًا من وجهة نظر د. علي جمعة؟! وهل كان قوله شذوذًا؟! فهذا الحُكم لم ينفرد به السلفيون، بل لهم فيه سلف، كالبيهقي والخطابي، وابن تيمية وابن كثير، وابن حجر والسخاوي، وغيرهم، بالإضافة إلى أنَّ الأدلَّة الصحيحة تدعمهم.
- المسألة الثالثة: قوله: (أكثر المتشدِّدين يمنعون استعمال السبحة في الذكر ويرونها بدعة وضلالة)، ويلخِّص أحد أئمة السلفيين وهو شيخ الإسلام ابن تيمية حُكم السبحة قائلًا: والتسبيح بالمسابح؛ من الناس من كرهه، ومنهم مَن رخَّص فيه، لكن لم يقل أحد: إنَّ التسبيح به أفضل من التسبيح بالأصابع وغيرها .ا.هـ. ويقول ابن عثيمين: التسبيح بالمسبحة ترْكه أولى، وليس ببدعة؛ لأنَّ له أصلًا، وهو تسبيح بعض الصحابة بالحصى، ولكن الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم أرشد إلى أن التسبيح بالأصابع أفضل، وقال للنِّساء: ((اعقدنَ بالأنامل؛ فإنهنَّ مستنطقاتٌ))، فالتسبيح بالمسبحة ليس حرامًا، ولا بدعة، لكن تركه أوْلى؛ لأنَّ الذي يسبِّح بالمسبحة ترَك الأولى. انتهى.
فهذان اثنان من كبار علماء السلفية في عصرين مختلفين، يذهبان إلى عدم بدعيتها، وهب أنَّ بعض العلماء انتهى إلى بدعيتها، فهذا اجتهادُه، وهو دائر بين الأجر والأجرين، طالما بذَل وُسعَه، واعتمد على أدلَّة شرعيَّة، فهو مأجور إن شاء الله، خلافًا لمن يفتي بهواه.
هذا ولا نطيل بذِكر باقي المسائل، والعجيب أنَّ علي جمعة لم ينسب هذه الأقوال إلى أحد بعينه، وإنَّما نسبها إلى السلفيِّين! 
نسأل الله أن يَهدي ضالَّ المسلمين، وأن يوفِّقنا إلى ما يحبُّه ويرضاه.
مرات التقييم:«110»

هل الجِهاد الآن في سوريَّا فَرْضُ عَينٍ على كلِّ مسلِم؟

الشيخ علوي السقاف

الحمدُ لله هازم المـُشركين، وناصِر عِباده الموحِّدين، ومشرِّع الجِهاد إلى يوم الدِّين، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّ الملحَمة؛ محمَّد بن عبدالله، ورضِي الله عن صَحابته الكِرام، الذين فتَحوا العراق والشَّام، وهزَموا مجوس الفُرس ونَصارى الرُّومان.
أمَّا بعدُ:
فلا يَخفى على أحدٍ ما يَجري اليوم في بلاد الشَّام الحبيبة، وسوريَّا تحديدًا، من تكالُب أعداء الإسلام مِن نُصَيريِّ النِّظام، ورافضة إيران والعِراق ولبنان، بدَعم من روسيا، وتواطُؤٍ من الغرب، وتخاذُلٍ وخورٍ وعجْزٍ من الدُّول العربيَّة والإسلاميَّة، حتَّى بِتنا نسمع ونشاهد كلَّ يوم مَقتلةً ومذبحةً، والعالَم كلُّه يتفرَّج ولا يُحرِّك ساكنًا! عدَا تصريحاتٍ سياسيَّة كاذبة، وفي خِضَمِّ ذلك واجَه شبابُ سوريَّا البواسلُ أسلحةَ روسيا وإيران وحِزب اللَّات الثَّقيلةَ بأسلحةٍ خفيفة، غنِموها من النِّظام المجرم، أو جاءتْهم بخوف واستحياء من بعض الدُّول والأفراد.
ولمـَّا طال أمَدُ الحرب، ودخلت الآن سَنتَها الثَّالثة، أثار كثيرٌ من الغيورين مسألة حُكم الجهاد في سوريَّا لغير أهلها؛ وردَّد بعضهم فتوى علماء المسلمين المشهورة، وهي: أنَّ أيَّ بلد يتعرَّض أهلُه للحرب، فيجب وجوبًا عينيًّا على أهل ذاك البلد الدِّفاعُ عنه، وصدُّ العدو الصَّائل؛ فإنْ عجَزوا أو خذلوا، وجَب على مَن يليهم، حتى يصبحَ الجهادُ فرْضَ عينٍ على كلِّ مسلم، حتَّى يردُّوا العدوَّ، وينتصر المسلمون.
فما موقعُ الجهاد في سوريَّا الآن من هذه الفتوى؟ وهل وصل الأمرُ إلى القول بالوجوب العينيِّ للجهاد على كلِّ مسلم، لا يُستأذن فيه الوالدان، ويأثم مَن تركه بغير عُذر؟
الجواب:
أولًا: إنَّ الفتوى في أيِّ قضيَّة نازلة في واقع النَّاس لا بدَّ لها من أمرين: معرفة الحُكم الشَّرعيِّ فيها، والإحاطة التامَّة والدِّراية الكاملة بحقيقة الواقِع، وهو ما يُسمَّى بتحقيق المناط، ومِن ثَمَّ البَحث عن الحُكم الشرعيِّ الذي ينطبق على هذه الواقعة بعدَ إدراك حقيقتها وتصوُّرها كما هي في الواقع، فإذا ما اختلَّ أحدُ هذين الأمرين؛ بأن وُجد الجهل بالحُكم الشرعيِّ، أو حصَل قصور في تصوُّر الواقع، فإنَّ الفتوى الشرعيَّة حينئذٍ تكون مجانِبةً للصَّواب.
ثانيًا: إنَّ عددَ سكَّان سوريَّا قُرابة 25 مليون نسمة، أكثر من 75% منهم مسلمون سُنَّة، فلو افترضْنا أنَّ الشَّباب الذُّكور منهم والقادِر على حمْل السِّلاح 5% فقط - وفي ظنِّي أنَّهم أكثرُ من ذلك- فيكون العددُ قد قارب المليون شابٍّ، كثيرٌ منهم تَتوقُ نفْسُه إلى الجِهاد ضدَّ النِّظام النُّصيريِّ الكافر الظَّالم، وكثيرٌ من هؤلاء الشَّباب قد تدرَّب على استخدام السِّلاح؛ إمَّا خلال التَّجنيد الإجباريِّ الذي كان يفرِضه النِّظام - فانقلب السِّحر على السَّاحر - أو خلال سنوات الحرْب هذه، وعددٌ منهم كان منخرطًا في السِّلك العسكريِّ وسُرِّح منه خلال السَّنوات الماضية، كما صرَّح بذلك عددٌ من قادة الجيش السُّوريِّ الحرِّ، وآخَرون من ضباط وجنود اختاروا الآخِرة على الدُّنيا، والكرامةَ على الذُّلِّ، وانشقُّوا من النِّظام بعد اندلاع الثَّورة.
ولهذا - والله أعلم - صرَّح كثيرٌ من العلماء وقادة الفِكر الإسلاميِّ السُّوريِّين من خارج سوريَّا، كما صرَّح عددٌ من القادة العسكريِّين من داخلها، كرئيس المجلس العَسكريِّ لمحافظة حلب ورِيفها العقيد عبدالجبَّار العكيدي، وذلك بعد معركة القصير، وقائد حركة أحرار الشَّام الإسلاميَّة حسَّان عبود، وقائد لواء التوحيد عبدالقادر الصالح، وغيرهم؛ صرَّحوا بعدم حاجتهم إلى رجالٍ للقتال، وأنَّ المجاهدين هناك يَتناوبون السِّلاح، واتَّفقت كلمتُهم على حاجة البِلاد إلى السِّلاح والمال؛ لِقلَّتهما، ولرَغبة الجميع في المشاركة، وتَصريحاتُهم هذه كثيرةٌ وموجودةٌ على موقع اليوتيوب وتويتر، يُمكن الرُّجوع إليها، وأهل مَكَّةَ أدْرَى بشِعابها.
ثالثًا: وبناءً على هاتين المقدِّمتين، نقول: إنَّ واجب الوقت الآن هو دعْمُ المجاهدين بالمال والسِّلاح، فإنْ حصلتْ كفايتُهم بذلك ولم يندفع العدوُّ، وظهرتْ حاجتهم للرِّجال بتصريح أهل الشَّأن منهم، أعملنا فتوى العلماء المشهورة، وأنزلناها على هذا الواقِع، وأصبح حينئذٍ الجهادُ بالنَّفْس واجبًا على مَن يليهم، ثم الأقرب فالأقرب، كلٌّ على قدر استطاعته مع مراعاة المصالح والمفاسد.
رابعًا: كثيرٌ من الشَّباب المتحمِّس للذَّهاب للجِهاد هناك، لا يُحسِن استخدامَ السِّلاح، ويحتاج إلى تدريب، والتَّدريب يحتاج إلى مُدرِّبين، وسِلاح، ورَصاص؛ كما يحتاجون إلى مَسكنٍ ومأكلٍ ومشربٍ؛ ومِن ثَمَّ فسيكونون عِبئًا على المجاهدين بلا شكٍّ.
خامسًا: كما لا ينبغي أن نغفُل عن أنَّ بلاد المسلمين كافَّةً تمرُّ بظروف عصيبة؛ جرَّاءَ مَكْر اللَّيل والنَّهار من أعداء الإسلام والمسلمين، ومحاولة جَرْف مجتمعاتهم إلى التَّغريب، وسَلخ هُويَّتهم. والمحافظةُ على النَّشء الصَّالح المصلِح الغيور على دِينه، الواعي بمَكر عدوِّه، المجاهِد بلِسانه وقلمِه ضدَّ أعداء الإسلام والمتربِّصين به من العلمانيِّين والليبراليِّين، والرَّافضة، وغيرهم - من أوجب الواجبات؛ فليس من مصلحة بِلاد المسلمين، وخاصَّة بلاد الحرَمين - وهي هدفٌ إستراتيجي للرَّافضة والغَرب وأذنابهم - أن تَخلوَ أو يقلَّ فيها حمَلةُ منهجها الأصيل، بل ربَّما كان ذلك فِرارًا من معركة يُحتاج لك فيها إلى معركة يُصرِّح قادتُها بعدَم حاجتهم إليك الآن!
سادسًا: أمَّا الدَّعوة إلى النَّفير العامِّ؛ فمع أنَّه غيرُ واجبٍ شرعًا في الوقت الرَّاهن، فهو غير واقعيٍّ أيضًا؛ فإنَّ دول الجوار بشِقَّيْها ذات التوجُّه الإيراني (العراق ولبنان)، أو ذات التوجُّه الغربي (الأردن وتركيا) تُشكِّل عائقًا كبيرًا أمامَه، ومَن يَسمَح منهم اليوم بتسلُل أفراد قلائل، فلن يَسمحَ غدًا بجُموع غفيرة.
ولمـَّا أجمعتْ كلمة المجاهدين في سوريَّا وكلمة مَن لهم صِلة بهم في الخارج على حاجتِهم للمال والسِّلاح، أصبح هذا واجبًا على المسلمين، حتَّى ينصرَهم الله تعالى، وتَتحقَّق كفايتُهم منه؛ كلٌّ على قدْر استطاعته، وليس لهذا حَدٌّ معيَّن، أمَّا القول بأنَّه إذا تعيَّن الجهادُ بالمال فيجب على كلِّ قادرٍ من المسلمين تجهيزُ غازٍ، أو يجب أن يُنفِق ما فاض عن حاجته لمدَّة عام؛ فلا أعرف أحدًا من الفُقهاء قال به، وليس عليه دليلٌ.
فعلى المسلم أن يُنفِق ممَّا أعطاه الله على قدْر استطاعته، حتَّى يكتبَ الله النَّصرَ للمسلمين؛ فالجهادُ بالمال مِن أعظمِ أنواع الجهاد، وقد قدَّم الله ذِكرَه في القرآن على الجِهاد بالنَّفس في تِسعة مواضع، وقدَّم الجِهاد بالنَّفس عليه في موضعٍ واحد، ولو تَكفَّلت كلُّ هيئة إسلاميَّة، وكلُّ رابطة من رابطات علماء المسلمين بتجهيز اثنَي عَشَر ألْفَ مجاهدٍ سوريٍّ بالسِّلاح والعَتَاد، لَمَا صمَد أمامَهم النِّظامُ النُّصيريُّ وأعوانُه من الرَّافضة شهرًا واحدًا.
هذا، ومن الجِهاد الواجب: الجهادُ باللِّسان، وهو واجبٌ على كلِّ مقتدر من العلماء والمفتين، والخُطباء والإعلاميِّين، بل وكثيرٍ من عامَّة النَّاس الذين يُجيدون استخدامَ الوسائل الإلكترونيَّة والإعلاميَّة الحديثة، وذلك بتبنِّي هذه القضيَّة، والدِّفاع عن أهلها، والمطالبة بحقوقهم، وحثِّ الحكومات والهيئات على نُصرتهم الواجِبة، وكفِّ أذَى النِّظام الظَّالِم وجُنده عنهم، وبيانِ خُطورة الباطنيِّين مِن نُصيريِّين وروافض، مع تحذير الأمَّة من خطرهم، وفسادهم وإفسادهم، وضرَرهم وإضرارهم، بالأمَّة الإسلاميَّة جمعاء، مع فَضْح شِعارات الغرب الخَدَّاعة من حماية حُريَّة الشُّعوب في تقرير مصيرها، ومعاونةِ الظَّالم على ظُلمه.
كما  أنَّ من واجب إخواننا علينا نُصرتَهم بالدُّعاء، لا سيَّما في أوقاتِ الإجابة، وهو سلاحٌ يَغفُل عنه كثيرون، وقدْ نصَر الله به المسلمين في معاركَ كثيرة.
وكلمة أخيرة للعلماء وقادة الفِكر والدَّعوة، وللحُكومات العربيَّة والإسلاميَّة، وللشُّعوب المسلمة جمعاءَ:
 إنَّ المعركة التي تدور رَحاها الآن في الشَّام؛ معركة عقائديَّة طائفيَّة، بين الكُفر والرَّفْض من جِهة،  وبين الإيمان والسُّنَّة من جِهة أخرى، فُسطاطانِ لا ثالثَ لهما، أمَا إنَّه لو سقطت سوريَّا في يدِ الروافض - لا قدَّر الله - فلتنتظر دولٌ أخرى دَورَها، والجميع يعرِف مطامع إيران في المنطقة، وذِراعها الممتدَّة إلى اليمن ودول الخليج كلِّها، بل إلى دولٍ من إفريقيَّا، والغربُ ليس له صديقٌ دائم، ولا ينظُرُ إلَّا إلى مصالحِه الخاصَّة؛ فهي عنده فوق كلِّ اعتبار، والعاقل تَكفيه الإشارةُ.
واللهُ غالبٌ على أمرِه.

مرات التقييم:«119»

هل فعل حاطب رضي الله عنه يُعدُّ كفراً أم لا؟

الشيخ علوي السقاف

اعلم أخي الكريم -وفقني الله وإياك- أنَّ هذه المسألة –أعني هل فعل حاطب رضي الله عنه يُعدُّ كفراً أم لا؟- من مسائل الاجتهاد التي يسوغ فيها الخلاف، وأصل منشأ الخلاف هو: هل الموالاة بجميع صورها تُعدُّ كفراً أم أنَّ منها ما هو كفر ومنها ما دون ذلك؟ وهل هناك فرقٌ بين الموالاة والتولي؟ وهل قوله تعالى {ومن يتولهم  منكم فإنه منهم} أي كافر مثلهم، أم هو كقوله صلى الله عليه وسلم ((من تشبه بقوم فهو منهم)) ومعلوم أن ليس كلُّ تشبهٍ بالكفار يعد كفراً، فإذا علمت ذلك تبين لك خطأ من يجعل هذه المسألة من مسائل العقيدة ويبدع من لم يقل بقوله، فإما جعله مرجئاً أو خارجياً، وهذا مما ابتليت به الأمة في الآونة الأخيرة.

أما مسألة الموالاة والمعاداة ومظاهرة الكافرين على المسلمين فهي من مسائل العقيدة بل أصلٌ من أصول التوحيد، وأما تكفير حاطب -رضي الله عنه- فلم يقل به أحدٌ من أهل السنة فهو صحابي بدري قد وجبت له الجنة، وإليك البيان بشيء من الإيجاز والاختصار:

الموالاة: أصلها الحب كما أن المعاداة أصلها البغض، وتكون بالقلب والقول والفعل، ومن الموالاة النصرة والتأييد، فمن جعل الموالاة نوعاً واحداً مرادفاً لمظاهرة الكافرين عدَّ فعل حاطب      -رضي الله عنه-  كفراً، ومن جعلها صوراً مختلفة وأدخل فيها: مداهنتهم ومداراتهم، واستعمالهم، والبشاشة لهم ومصاحبتهم ومعاشرتهم وغيرها من الصور؛ جعلها نوعين موالاة مطلقة عامة أو (كبرى) وموالاة خاصة دون موالاة. ومن هؤلاء من عدَّ فعل حاطب -رضي الله عنه-  من النوع الأول ومنهم من عَدَّه من النوع الثاني، وأكثر العلماء على أن الموالاة نوعان: مُكفِّرة وغير مُكفِّرة، وسواء قلنا هما نوعان أو نوع واحد فالذي يهمنا هنا هو هل فعل حاطب -رضي الله عنه- من النوع المُكفِّر أم لا؟ -وسيأتي-، كما أنَّ منهم من فرَّق بين الموالاة والتولي وجعل التولي موالاة مطلقة ومنهم عددٌ من علماء الدعوة النجدية -رحمهم الله-، وهناك من لم يفرق بينهما كالشيخ عبدالرحمن السعدي في تفسيره وهذا أقرب والله أعلم، وعلى كلٍ فهذه مصطلحات لا مشاحة فيها، لأن الذين فرَّقوا بينهما يعنون بالتولي الموالاة المطلقة وأنها كفر ولا يقولون بتولي غير مُكفِّر بل يقولون أن هناك موالاة غير مُكفِّرة فآل الأمر إلى وجود موالاة مُكفِّرة يسميها البعض تولي وأخرى غير مُكفِّرة وهذا كله على قول من يقسم الموالاة إلى قسمين.

       وعمدة من يقول أن الموالاة نوع واحد وأنها كفر، قوله تعالى: { ومن يتولهم  منكم فإنه منهم}  وقوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فأؤلئك هم الظالمون} قالوا لم ترد الموالاة في القرآن إلا بوصف الكفر، قال ابن جرير: ((ومن يتولى اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم، يقول: فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متولٍ أحداً إلا هو به وبدينه))

وقال ابن حزم في ((المحلى)) (11/138): ((وصح أنَّ قول الله تعالى: {ومن يتولهم  منكم فإنه منهم} إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار فقط، وهذا حقٌ لا يختلف فيه اثنان من المسلمين))

وقال الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله في ((مجموع الفتاوى)) (1/274): ((وقد أجمع علماء الإسلام على أنَّ من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم)) ثم استشهد بالآيتين السابقتين.

هذه مقدمة لابد منها قبل الإجابة على سؤالكم: هل فعل حاطبٍ -رضي الله عنه-  كان كفراً أم لا؟

واعلم أن قصة حاطب -رضي الله عنه-  رواها البخاري في الصحيح(3007،4272،4890،6259) ومسلم في الصحيح(4550) وأبو داود في السنن(3279) والترمذي في الجامع (3305) وأحمد في المسند (3/350) وأبو يعلىفي المسند (4/182) وابن حبان في صحيحه(11/121) والبزار في مسنده(1/308) والحاكم في المستدرك(4/87) والضياء في الأحاديث المختارة(1/286) وغيرهم، وقد جمعت لك ما صحَّ من رواياتهم في سياق واحد –وأصلها من صحيح البخاري- ليسهل تصور القصة واستنباط الأحكام منها، والذي يهمنا منها ألفاظ حاطب وعمر رضي الله عنهما أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم،

       [فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَكُلُّنَا فَارِسٌ قَالَ انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا حَيْثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا الْكِتَابُ فَقَالَتْ مَا مَعَنَا كِتَابٌ فَأَنَخْنَاهَا فَالْتَمَسْنَا فَلَمْ نَرَ كِتَابًا فَقُلْنَا مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُجَرِّدَنَّكِ فَلَمَّا رَأَتْ الْجِدَّ أَهْوَتْ إِلَى حُجْزَتِهَا وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ فَأَخْرَجَتْهُ فَانْطَلَقْنَا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

 فَقَالَ عُمَرُ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ)) ((دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ)) ((فَإِنَّهُ قَدْ كَفَرَ))

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْت.

َ قَالَ حَاطِبٌ: ((وَاللَّهِ مَا بِي أَنْ لا أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)) ((وَلَمْ أَفْعَلْهُ ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي وَلا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلام)) ((وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا)) ((وَمَا غَيَّرْتُ وَلا بَدَّلْتُ))ِ ((مَا كَانَ بِي مِنْ كُفْرٍ وَلا ارْتِدَادٍ)) ((أَمَا إِنِّي لَمْ أَفْعَلْهُ غِشًّا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا نِفَاقًا قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ رَسُولَهُ وَمُتِمٌّ لَهُ أَمْرَهُ)) ((فقلت أكتب كتاباً لا يضر الله ولا رسوله)) أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ إِلاَّ لَهُ هُنَاكَ مِنْ عَشِيرَتِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِه.

ِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَدَقَ وَلا تَقُولُوا لَهُ إِلاَّ خَيْرًا.

فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَلأَضْرِبَ عُنُقَهُ.

 فَقَالَ: أَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَال:َ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ أَوْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.]

فأنت ترى أنَّ حاطباً -رضي الله عنه- شعر بخطئه في إفشاء سر رسول الله صلى الله عليه وسلم  وموالاته لكفار قريش، وظهر له أنَّ هذا كفرٌ وردة لكنه يعلم من نفسه أنه لم يفعله ارتداداً عن دين الله فقال: ((ولم أفعله إرتداداً عن ديني ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، وما غيرت ولا بدلت -أي ديني- أما إني لم أفعله غشاً يا رسول الله ولا نفاقاً)) إذن هذا العمل بمجرده يُعَدُّ كفراً وارتداداً وغشاً ونفاقاً، وكأنه -رضي الله عنه- ذُهل عن هذا الأمر أثناء الوقوع في المعصية بعذر قدَّمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قوله: ((أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي)) فإمَّا أن يقال كان جاهلاً وما تبين له هذا إلا بعد أن استجوبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يقال كان -رضي الله عنه- متأولاً وهذا أصوب بدليل أنه قال كما صحت به رواية أحمد وأبو يعلى وابن حبان: ((أَمَا إِنِّي لَمْ أَفْعَلْهُ غِشًّا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا نِفَاقًا قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ رَسُولَهُ وَمُتِمٌّ لَهُ أَمْرَهُ)) فهو يعلم أن المولاة كُفر لكنه لا يَعِدُّ ما فعله موالاة -تأولاً- لثقته أن الله ناصرٌ رسوله صلى الله عليه وسلم، وكما صحت به رواية البزار والحاكم والضياء من قوله: ((كان أهلي فيهم فخشيت أن يغيروا عليهم فقلت أكتب كتاباً لا يضر الله ولا رسوله)) فهو لثقته الكبيرة بربه ونصره لرسوله صلى الله عليه وسلم وأن كتابه سيفرحُ به كفار قريش ويحموا له أهله لكن لن يضر الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، لذلك قال الحافظ في الفتح (8/634): ((وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ مُنَافِقًا لِكَوْنِهِ أَبْطَنَ خِلاف مَا أَظْهَرَ , وَعُذْر حَاطِب مَا ذَكَرَهُ , فَإِنَّهُ صَنَعَ ذَلِكَ مُتَأَوِّلاً أَنْ لا ضَرَر فِيهِ))، ويؤكد ذلك لفظ الخِطاب –إن صح- فقد قال الحافظ في الفتح (4274): ((وَذَكَرَ بَعْض أَهْل الْمَغَازِي وَهُوَ فِي (تَفْسِير يَحْيَى بْن سَلام) أَنَّ لَفْظ الْكِتَاب: ((أَمَّا بَعْد يَا مَعْشَر قُرَيْش فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَكُمْ بِجَيْشٍ كَاللَّيْلِ , يَسِير كَالسَّيْلِ , فَوَاَللَّهِ لَوْ جَاءَكُمْ وَحْدَهُ لَنَصَرَهُ اللَّه وَأَنْجَزَ لَهُ وَعْده. فَانْظُرُوا لأَنْفُسِكُمْ وَالسَّلام)) كَذَا حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ)) وفيه كما ترى تخذيل وتخويف لقريش، كلُّ ذلك جعل حاطباً -رضي الله عنه- يتأول أن ليس في هذا موالاة لكفار قريش وكيف يواليهم وهوالصحابي البدري؟! والواقع أن قصة حاطب وقصة قدامة ابن مظعون -رضي الله عنهما- الذي استباح شرب الخمر متأولاً أنه لاجناح على الذين آمنوا أن يطعموها من أقوى ما يمكن أن يستشهد به على أنَّ التأويلَ مانعٌ من موانع التكفير.

أمَّا عمر -رضي الله عنه- فقد كفَّر حاطباً أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم  ولم يقل له رسول الله صلى الله عليه وسلم  إنَّ حاطباً لم يفعل الكفر، بل بيَّن له أنَّ حاطباً كان صادقاً ولم يكفر، ومعلوم لديك أنَّ ثَمَّتَ فرقٌ بين الحكم على الفعل بالكفر وتكفير المعين الذي صدر منه الكفر، وهذا مبسوط في كتب العقائد والتوحيد، وقد وصف عمر حاطباً -رضي الله عنهما- بأوصاف ثلاثة يكفي الواحدُ منها للقول بأنه كفَّره، فوصفه بأنه: منافق، كفر، خان الله ورسوله؛ وعمر -رضي الله عنه-  وإن كان قد أخطأ في تكفير حاطب -رضي الله عنه-  إلا أنَّ خطأه مغفورٌ له لأنه ناتج عن غيرة لله ورسوله وهذا معروف عن عمر -رضي الله عنه-  ولأنه حكم بالظاهر وهذا هو الواجب على المسلم، ولم يكلفنا الله بالبواطن. قال ابن حزم في ((الفصل)) (3/143): ((وقد قال عمر رضي الله عنه - بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم - عن حاطب: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فما كان عمر بتكفيره حاطباً كافراً بل كان مخطئاً متأولاً)) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (3/282): ((إذا كان المسلم متأولاً في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك)) ثم استشهد بتكفير عمر لحاطب -رضي الله عنهما-.

أمَّا تصديق النبي صلى الله عليه وسلم لحاطب فليس فيه دلالة على أنَّه لم يفعل الكفر بل فيه أنَّه لم يكفر ولم يرتد لأن عمر -رضي الله عنه-  قال عنه أنه كفر ونافق وخان الله ورسوله وحاطب يقول لم أكفر ولم أرتد وما غيرت وما بدلت –أي ديني- فصدقه النبي صلى الله عليه وسلم  في أنه لم يكفر ولم يرتد، أمَّا قتله وعقوبته فقد شفع له فيها شهوده بدراً.

       إذا علمت ذلك، فاعلم أنَّ هناك من العلماء من عَدَّ ما بدر من حاطب -رضي الله عنه- من الموالاة الخاصة غير المكفِّرة، ومن هؤلاء: شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال في مجموع الفتاوى (7/523): ((وقد تحصل للرجل موادتهم  لرحم أو حاجة فتكون ذنباً ينقص به إيمانه ولا يكون به كافراً، كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وأنزل الله فيه { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة})) والشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ كما في ((عيون الرسائل والأجوبة على المسائل)) (1/179).

لكن ليُعلم أنَّ هذا النوع من الموالاة شيء ومظاهرة المشركين على الكافرين ونصرتهم وتأيدهم والقتال معهم شيء آخر، فكما سبق في أول الحديث أنَّ هذا (الثاني) كفر وردة والعياذ بالله ويكون بالقول والفعل كما يكون بالاعتقاد، قال الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب في نواقض الإسلام: ((الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} المائدة:51)) وقال الشيخ حمد بن عتيق في ((الدفاع عن أهل السنة والاتِّباع))(ص32): ((وقد تقدم أنَّ مظاهرة المشركين ودلالتهم على عورات المسلمين أو الذب عنهم بلسان ٍ أو رضى بما هم عليه، كل هذه مُكفِّرات ممن صدرت منه من غير الإكراه المذكور فهو مرتد، وإن كان مع ذلك يُبْغض الكفار ويحب المسلمين)، وقال الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله-  في ((مجموع الفتاوى)) (1/274): ((وقد أجمع علماء الإسلام على أنَّ من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم))

      

والخلاصة:

       أنْ نقول إنَّ حاطباً -رضي الله عنه- حصل منه نوع موالاةٍ للكفار، فمن قال أنَّ الموالاة كلها كفر قال إنه وقع في الكفر ولم يكفُر لأنه كان متأولاً، ومن قال أنَّ هناك موالاة مُكفِّرة وموالاة غير مُكفِّرة عدَّ ما بدر منه -رضي الله عنه- من النوع غير المُكفِّر، وليعلم أنه لم يقل أحدٌ من أهل السنة أنَّ حاطباً -رضي الله عنه- كَفَر، أو أنَّ ما صدر منه ليس موالاةً أو ذنباً، أو أنَّ مظاهرة الكافرين على المسلمين ليست كفراً، فكلُّ ذلك متفقون عليه فلا ينبغي أنَّ يحدث نوع خلافٍ وشرٍ فيما كان من مسائل الاجتهاد طالما أنَّ الجميع متفقون على مسائل الاعتقاد، ولذلك لَمَّا سئل الشيخ سليمان بن عبدالله آل الشيخ عن مسألة سبَبت خلافاً بين أهل السنة في زمانه عن الموالاة والمعاداة هل هي من معنى لا إله إلا الله، أو من لوازمها؟ أجاب: ((الجواب أنَّ يقال: الله أعلم، لكن بحسب المسلم أنْ يعلم أنَّ الله افترض عليه عداوة المشركين، وعدم موالاتهم، وأوجب عليه محبة المؤمنين وموالاتهم، 000و أمَّا كون ذلك من معنى لا إله إلا الله أو لوازمها، فلم يكلفنا الله بالبحث عن ذلك، وإنما كلفنا بمعرفة أنَّ الله فرض ذلك وأوجبه، وأوجب العمل به، فهذا هو الفرض والحتم الذي لا شك فيه، فمن عرف أنَّ ذلك من معناها، أو من لازمها، فهو خير، ومن لم يعرفه، فلم يُكلف بمعرفته، لاسيما إذا كان الجدل والمنازعة فيه مما يفضي إلى شرٍ واختلافٍ، ووقوع فرقة بين المؤمنين الذين قاموا بواجبات الإيمان، وجاهدوا في الله وعادوا المشركين ووالوا المسلمين، فالسكوت عن ذلك متعين)) انتهى كلامه. انظر: ((مجموعة التوحيد)) (ص69)

 

والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده محمد وعلى آله وصحبه أجمعين      

مرات التقييم:«144»